تشعبت ظاهرة ارتفاع الأسعار بشكل كبير في الآونة الأخيرة وأصبح لها أكثر من ذراع، مما يتطلب توحيد وتكثيف الجهود لمواجهتها. «البيان» بدورها ترصد عبر حملة «الأسعار والاحتكار» الدور التقليدي للبلديات في هذا الإطار وكيف تراجع هذا الدور من الساحة، إضافة إلى دور الجمعيات التعاونية والمطلوب لدعمها باعتبارها إحدى الأذرع الأهلية التي تستطيع الحكومة الاعتماد عليها لمواجهة احتياجات الجمهور من الأغذية والسلع الاستهلاكية الأساسية والسيطرة على الأسعار بعيداً عن الاحتكار وجشع بعض التجار.

وتعرض الحملة كذلك لرأي بعض الوزارات والجهات الاتحادية في المشكلة، إضافة إلى رأيها في الدور المنوط بالجمعيات التعاونية، وتتطرق أيضاً لمشروع قانون مقترح لتنشيط دور هذه الجمعيات. كما تعرض الحملة لموضوع يمس حياة كل مواطن ومقيم والذي يرتبط بتوفير الأمن الغذائي والأدوات المطلوبة لتحقيق ذلك.

طالب عدد من المواطنين والمقيمين في الدولة الجهات الحكومية باتخاذ جميع الإجراءات الرادعة ووصفوها بـ «نقاط سوداء» جديدة كما حدث مع النظام المروري الموحد، للحد من ظاهرة ارتفاع الأسعار بالإضافة إلى فرض الرقابة على الأسواق والتي تأتي في مقدمتها إلغاء الوكالات التجارية الحصرية وفرض العقوبات والغرامات المناسبة على المتسببين في ارتفاع أسعار المواد الأساسية والاستهلاكية على حد سواء وبنسبة تجاوزت المئة بالمئة خلال أقل من عام.

وطالبوا أيضا بضرورة تفعيل الجهات العاملة في مجال حماية المستهلك سواء في وزارة الاقتصاد أو البلديات أو الدوائر الاقتصادية، وأن تأخذ دوراً فعالاً لتحقيق حالة من الاستقرار في الأسعار بما يتناسب مع الرواتب التي يتقاضاها ذوي الدخل المحدود.

كسر الاحتكار

وقال سعيد راشد الخطيب نائب مدير منطقة الفجيرة التعليمية إن مشكلة ارتفاعات الأسعار أصبحت مشكلة يعاني منها الجميع دون استثناء، ولاسيما أن هذه الارتفاعات لم تعد طبيعية على الإطلاق وتجاوزت جميع الحدود المعقولة، وأشار إلى أن هناك الكثير من السلع والمواد الاستهلاكية تضاعفت أسعارها وفي فترة قصيرة أكثر من مرة وهذا بدوره شكل عبئاً كبيراً على ذوي الدخل المحدود الذي يعانون في السابق من مشكلة الغلاء.

وبين أنه لابد على الجهات الحكومية المتخصصة أن تقوم بتدخل سريع لكبح ارتفاع الأسعار وذلك من خلال اتخاذ مجموعة من الإجراءات التي يأتي على رأسها منع عمليات احتكار الوكالات التجارية في الأسواق وفتح الباب أمام أكثر من جهة لاستيراد البضائع ومن أكثر من دولة على مستوى العالم، وقال: إن قضية ارتفاع الأسعار أصبحت قضية عالمية ولا تقتصر على دولة دون أخرى، ولكن من الملاحظ أن ارتفاع الأسعار في الدولة مقارنة مع الدول الخليجية الأخرى يعتبر الأعلى لأنه مازالت هناك ارتفاعات معقولة ومناسبة بالأسعار في تلك الدول.

ظاهرة سنوية

ورأى أيمن الرضوان الباحث القانوني في مكتب العمل بالشارقة أن ظاهرة ارتفاع الأسعار تعتبر من القضايا القديمة المتجددة والتي تظهر بشكل سنوي أو مع كل زيادة في الرواتب، وقال: لهذا فإن لابد على الجهات المختصة الحد من هذه الظاهرة باتخاذ الإجراءات المناسبة والتي تتجاوز حدود المحال التجارية الصغيرة بإيجاد وسائل للتحكم بآليات عمل كبار التجار «الهوامير» والذين يعملون على توريد السلع الأساسية إلى الدولة.

وأوضح أن المشكلة تتركز في هذه الفئة تحديداً لأنها هي التي تعمل على زيادة الأسعار من خلال رفعها على جميع المنافذ التجارية المختلفة في الدولة، وعليه فإنه لابد من اتخاذ الإجراءات التي تقوم على إلغاء الوكالات التجارية الحصرية التي يمكن من خلالها منع حصر المنتج في جهة معنية.

أو في أشخاص محددين وإنما فتح المجال أمام عدد أكبر من الجهات الأخرى كالجمعيات التعاونية والاتحاد التعاوني وغيره من الجهات التي تعتبر قادرة على القيام بهذه الأعمال، وقال إن هذا بدوره يتطلب من الجمعيات أن تقوم بدورها التعاوني الأساسي من خلال تقديم سلع استهلاكية بأسعار مناسبة لذوي الدخل المحدود وألا تكون هي سبب من أسباب رفع الأسعار كما هو الوضع حالياً.

مراقبة الأسواق

وتوجه علي النابودة رئيس قسم التدريب في معهد التنمية الإدارية بدبي في بداية حديثه بالشكر الجزيل إلى جريدة «البيان» على هذه الحملة التي تقوم بها والتي اعتبرها تلامس هموم جميع المواطنين والمقيمين في الدولة، متمنياً لها أن تجد آذاناً صاغية لها وأن تكون سبباً في إيجاد الحلول المناسبة لحل هذه المشكلة التي باتت تهدد بشكل كبير الاستقرار الأسري للنفقات الكبيرة التي باتت تتحملها الأسر بما يفوق في كثير من الأحيان طاقتها.

وطالب الجهات الحكومية بضرورة القيام بدور فاعل في هذا المجال وعدم الاكتفاء بالإجراءات البسيطة التي لم يجن ثمارها المستهلكون بشكل واضح في الفترة السابقة بل على العكس استمرت ارتفاعات الأسعار لدرجة أنها تضاعفت لمرات عدة وشملت جميع المواد الاستهلاكية الأساسية والتي لم تكن تشهد في السابق مثل هذه الزيادات.

وبين أن من أهم الحلول التي لابد من اتخاذها في هذا المجال هو الحوار مع أصحاب الوكالات التجارية المتخصصين في توريد عدد من السلع ومناقشتهم بالوسائل التي تسهم في الحد من ارتفاع الأسعار، وإلزامهم بنسب معينة ومدروسة لهذه الزيادة بما يتناسب مع الوضع العالمي لها، لتأتي بعدها عملية مراقبة الأسواق من البقالات ومنافذ البيع المختلفة.

ونوه بأنه في حال عدم التجاوب من قبل هؤلاء الأشخاص فإنه لابد بعدها من اتخاذ العقوبات والإجراءات المناسبة التي تقود إلى إلغاء الوكالات التجارية وكسر الاحتكار، بالإضافة إلى فتح الأبواب أمام شريحة أكبر نحو التعامل مع شركات خارجية لتوريد هذا المنتج أو ذاك الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى تأمين جميع السلع الأساسية في الأسواق وبأسعار تنافسية ومقبولة من مختلف شرائح المجتمع.

دعم حكومي

وأشار عبيد محمد (موظف حكومي) إلى أن ارتفاع الإيجارات والبترول يعتبر من الأساسيات التي أدت إلى رفع الأسعار، وذلك نظراً لارتباط جميع الأعمال بهما، وقال إنه للحد من هذه الظاهرة لابد من توجه الحكومة لدعم عدد من المواد الأساسية التي يأتي في مقدمتها الخبز الذي شهد في الفترة الأخيرة ارتفاعاً في الأسعار وانخفاضاً في الكمية بما يؤثر سلباً على ذوي الرواتب المتدنية.

وبين أن المشكلة في ارتفاع الأسعار أنها تحسب من آخر زيادة وإنما إذا أردنا التعرف على عمق المشكلة فلنعد إلى سنتين أو ثلاث سنوات سابقة لنجد عندها أن هناك منتجات تضاعفت أسعارها ثلاثة أو أربعة أضعاف، وهذا بدوره الذي أدى إلى حدوث بعض التغييرات في أسلوب حياة بعض الأسر، ولاسيما أن هناك الكثير من الأسر المقيمة في الدولة التي قررت الاستغناء عن إقامة الأولاد ونقلهم إلى البلد الأم، ما أدى بدوره إلى ظهور بعض المشكلات بالإضافة إلى تركه التأثير الكبير على الإنتاجية والأداء في العمل.

هيئة استهلاكية

واعتبر عبد الرزاق إسماعيل الموظف الحكومي في إحدى الدوائر الحكومية بالشارقة أن الحل الأمثل للقضاء على ظاهرة ارتفاع الأسعار أن يتم تشكيل هيئة حكومية تتبع إلى مجلس الوزراء وتكون مهمتها مراقبة السلع التي تدخل للدولة والسماح للصالح منها بالتداول ومنع المخالف من الدخول، بالإضافة إلى العمل على مراقبة الأسعار بشكل دائم وفرض الغرامات المناسبة بحق المخالفين.

وبين أنه يمكن عن طريق الهيئة أيضا والتي من الممكن أن تتألف من ممثلين عن الجهات الحكومية والأهلية المعنية في شؤون حماية المستهلك ومراقبة الأسواق أن يتم كسر الاحتكار وإلغاء الوكالات التجارية الحصرية بحيث يمكن أن يتم التنسيق في توريد جميع المنتجات عن طريق هذه الهيئة.

وبالتالي يمكن أن يتم تأمين السلع الاستهلاكية بأسعار مناسبة ومنع ارتفاعها المتكرر حسب مصالح التجار الذين أصبح همهم فقط هو جمع الأموال دون الأخذ بعين الاعتبار المشكلات الاجتماعية والأسرية التي يعاني منها أفراد المجتمع جراء هذه الزيادات المتكررة للأسعار.

وبين أن على الجهات الحكومية التدخل بشكل سريع لدعم السلع الاستهلاكية الأساسية التي يحتاجها الجميع دون استثناء وأن تعتمد مبدأ العقوبات والغرامات كإجراء تأديبي بحق غير الملتزمين من التجار، مبيناً أنه يمكن اعتماد مبدأ التدرج في العقوبات لتبدأ مثلاً من الإنذار ولتنتهي بإغلاق المنشأة أو سحب الترخيص منها.

وبين أنه لابد أيضا من الأخذ بعين الاعتبار التدرج في التعامل مع كسر الاحتكار أو إلغاء الوكالات التجارية وغيرها من الإجراءات التي يمكن أن تصب في البداية في مصلحة المستهلك إلا أنها سوف تؤدي إلى إيجاد نوع من الفوضى والإضراب في أسواق الدولة والتي قد تؤدي بالتالي إلى نتائج سلبية لا تحمد عقباها على المدى البعيد.

النقاط السوداء في الأسعار

ودعا مشعل الخديم رئيس قسم الإدارة التربوية في منطقة الفجيرة التعليمية جميع الجهات المعنية بما فيها الجمعيات التعاونية أن تجد نوعاً من التعاون فيما بينها حتى تتمكن من توفير السلع المناسبة لذوي الدخل المحدود، بالإضافة إلى منع ارتفاع الأسعار المتكرر الذي يأتي في مقدمة مسبباته احتكار تجار محددين لتوريد سلع معينة. وقال: إن المسألة تحتاج إلى حل جذري وهذا الحل يكون بأيدي الجهات الحكومية التي عليها التعرف مباشرة على الأسباب الرئيسية لارتفاع الأسعار وإيجاد الحلول المناسبة لها.

وطالب أيضا أن تكون هناك قوائم دائمة لدى الشركات الكبرى تُراجع بشكل يومي من قبل مفتشين حكوميين معينين حتى يتم التأكد من عدم التلاعب في أسعار السلع الاستهلاكية المتنوعة، ونوه بأنه لابد أن يترافق ذلك مع ضرورة فرض الغرامات والعقوبات المناسبة بحق المخالفين التي تمكن من الحد من هذه الظاهرة التي بدأت تشكل تهديداً حقيقياً للاستقرار الأسري.

وقال: لقد تمكنت الجهات المعنوية في أمور المرور مشكورة من إبداع طريقة لحل المشكلات والمخالفات المرورية من خلال ابتكار ما يسمى (بالنقاط السوداء)، ونتمنى أن نرى مثل هذه النقاط السوداء بحق المخالفين في مسألة ارتفاع الأسعار لأنها ستشكل عاملاً مهماً في ضبط الأسواق وإيجاد وسائل دائمة للمراقبة.

سن قوانين مناسبة

ورأى ياسر العراقي الباحث القانوني في بلدية البطائح أن عدم وجود القوانين الصارمة التي تعمل على ضبط الأسعار وتحد من ارتفاعها هو السبب وراء هذا التخبط في أسعار السلع والذي أدى إلى مضاعفة أسعار بعضها أكثر من الضعف بالإضافة إلى فقدان بعضها الآخر من الأسواق.

وقال إن السوق الإماراتي يعتبر سوقاً مفتوحاً وفي هذه الحالة فإن المستهلك قد يجد منتجاً بسعر 10 دراهم على سبيل المثال ومن الممكن أن يجد المنتج ذاته في مكان آخر بسعر قد يصل إلى 20 درهماً وبذلك فإن المستهلك يقع ضحية عدم وجود تسعيرة محددة للسلع الأساسية.

وبين أن تسعير السلع يعتبر من أولويات الأمور التي لابد من العمل على اتخاذها بالإضافة إلى اتخاذ القوانين المتعلقة بإلغاء الوكالات التجارية التي تؤدي إلى احتكار بعض السلع، وبين أيضا أنه لابد من اتخاذ الإجراءات الكفيلة بدعم عمل الجمعيات التعاونية التي تعتبر المنفذ الأصلي للمستهلكين والتي يمكنها من طرح المنتجات بأسعار منافسة ومناسبة في الوقت نفسه لذوي الدخل المحدود نظراً لأنها تحظى على دعم حكومي من جهة ويمكنها استيراد مواد استهلاكية متنوعة.

متابعة: عمر بدران