إن حريق منطقة القوز الصناعية الثانية بدبي، الذي شب صباح الأربعاء 26 مارس 2008، كان أساساً بسبب عمل مُخالف للقانون هو تخزين ألعاب نارية بطريقة غير شرعية وغير آمنة ما أدى إلى انفجار ضخم، أدى بدوره إلى انتشار الحريق على نطاق واسع شمل أكثر من 80 مستودعاً.
وهو بذلك يكون من أكبر حوادث الحرائق على مستوى دولة الإمارات بالرغم من نظم الإدارة المتطورة في دبي. وقد ارتفعت نسبة التلوث 20 ضعفا عن القيم والمقاييس الاعتيادية في منطقة القوز الصناعية كما جاء في تصريح المهندس رضا سلمان، رئيس قسم حماية البيئة ببلدية دبي. فقد تفاوتت المواد التي احترقت بين البلاستيك والمواد الكيميائية والأصباغ والأخشاب والأثاثات ما أدى إلى انتشار الغازات السامة التي تولدت عن عملية الاحتراق.
ومن المؤكد أن السلطات الرسمية سترصد كل الخسائر والأضرار التي نجمت عن هذا الحريق الذي روّع الجماهير وأدى إلى إزهاق أرواح بريئة وإلغاء الدراسة في 11 مدرسة وإيقاف العمل في منطقة واسعة، بالإضافة إلى خسائر الحريق المادية التي ربما بلغت مليار درهم.
والدليل على اهتمام هذه الجهات الرسمية هو ما شهد الجميع من تنسيق وتكاتف وتآزر بين مختلف السلطات المحلية والاتحادية في مثل هذه الكوارث. إذ هبت فرق الإطفاء والإنقاذ والإسعاف وتأمين الطرق وتنظيم المرور من وزارتي الداخلية والدفاع ومن شرطة أبوظبي والدفاع المدني من أبوظبي، والشارقة، وعجمان، وأم القيوين، لدعم وتعضيد جهود إدارة الدفاع المدني بدبي وجبل علي وشرطة دبي وهيئة كهرباء ومياه دبي وهيئة الطرق والمواصلات.
وما يلفت الانتباه ويثلج الصدر هو الاهتمام البالغ الذي أولته القيادات العليا لسير عمليات المكافحة بما يؤمن سلامة الأرواح والممتلكات، وعلى رأس المتابعين كان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وولي عهده الأمين سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم والفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، وزير الداخلية.
كما كانت هناك متابعة لصيقة من الفريق سيف عبد الله الشعفار والفريق ضاحي خلفان تميم واللواء الركن محمد سالم بن كردوس العامري والعميد راشد المطروشي وكل مدراء الدفاع المدني ومدراء الدوائر وإدارات وضباط الشرطة. كما أن الجانب المشرق الآخر في هذا الحدث هو مشاركة القطاع الخاص في جهود الإطفاء بتوفير صهاريج مياه إضافية نسبة لكبر حجم الحريق مثل شركات هديل ومكس ودتكوالفابيوتو والعمانية للنقل.
هذه الجوانب الإيجابية لابد من تسليط الضوء عليها وتعميمها وتطويرها بصورة دورية نحو الأفضل. كذلك لا بد من الإشارة إلى أن الإعلام كان حاضراً بالصورة والكلمة ومتابعاً للحدث منذ البداية وحتى ما بعد انتهاء الحريق تماماً وسيظل يتابع التحقيقات والمحاكمات والآثار طويلة الأمد على البيئة وعلى الاقتصاد، وهو ما يستحق الإشادة لأن للإعلام دوراً أساسياً في الاستفادة من الدروس والتجارب.
لقد كُنّا في جائزة زايد الدولية للبيئة من المهتمين والمتابعين للحدث نسبة لما يعلمه الجميع من آثار بيئية مباشرة وأخرى طويلة الأجل لمثل هذه الحوادث الكبرى التي تعتبر كارثة بكل المقاييس. ونحن لسنا هنا بصدد تكرار ما تردد في الصحف وأجهزة الإعلام الأخرى.
إلا أنها فرصة للتذكير بضرورة اتخاذ كل إجراءات الحيطة والوقاية من مثل هذه الكوارث في بلد تسير فيه التنمية بإيقاع سريع لا يحتمل أي تهاون في شروط وإجراءات السلامة والصحة العامة سواء كان ذلك في مرحلة التخطيط أو الإنشاء أو التخزين أو الاستخدام السليم للمستودعات والمعامل والمصانع وفق القوانين واللوائح التي تصدرها السلطات المعنية. وذلك تفادياً للتدهور التراكمي الذي ينتهي بكوارث تصعب السيطرة عليها.
وتعتبر المستودعات ومواقع التخزين من المواقع الحساسة والمهمة نظرا لدورها الاقتصادي والتنموي. وتعتبر الحرائق التي تحدث في هذه المواقع من الحرائق الأكثر تكلفة على المستوى المادي كونها عادة تكون غير منظورة وغير مُراقبة بحيث يبدأ الحريق وينتشر قبل أن يتم اكتشافه. وهي في الوقت ذاته من الأماكن التي يمكن أن تتسبب في تلوث خطير حال اندلاع حريق نظراً للمواد المختلفة التي يتم تخزينها.
ويمكن تقسيم حرائق المستودعات حسب خطورتها وآثارها الصحية والبيئية والاقتصادية إلى ثلاث درجات. في الدرجة الأدنى تأتي المستودعات التي تكون محتوياتها ضعيفة الاحتراق ولا تشتعل ذاتياً، مثل مواد البناء، والأجهزة وقطع الغيار.
وفي الدرجة المتوسطة تأتي المستودعات التي تحترق محتوياتها بسرعة انتشار متوسطة، أو ينبعث منها كمية ملحوظة من الدخان، لكنها لا تنتج أبخرة سامة، ولا تحدث انفجارات عند احتراقها، مثل المستودعات التي يخزن فيها مواد قابلة للاحتراق، أو مواد غير قابلة للاحتراق لكنها مغلفة بمواد قابلة للاحتراق مثل الكرتون السميك، والحبيبات البلاستيكية أو الرغوية، ونشارة الخشب، وما في حكمها.
أما الدرجة العليا من الخطورة فهي للمستودعات التي تحترق محتوياتها بسرعة فائقة، أو تنتج أبخرة سامة أو انفجارات وهي التي تخزن فيها المواد الخطرة بوجه عام، والغازات والسوائل القابلة للاشتعال، والمواد الشديدة القابلية للاحتراق مثل الخشب والورق والألياف وكذلك البلاستك وما شابه ذلك.
ومن الواضح أن حريق القوز الصناعية بدأ من مستودع خطورته من الدرجة العليا لأن المواد المخزنة به قابلة للانفجار. وبما أن هذه المواد قد دخلت الدولة بطريقة غير مشروعة، فإن المستودع لم يكن مُجهّزاً لمثل هذا التخزين أصلاً ولا مُرخصاً لهذا الغرض. وعليه فإن المشكلة الأساسية هي مشكلة رقابة مستمرة لمعرفة ما بالمستودعات من مواد؛ ومشكلة وعي بخطورة التخزين الخاطئ.
ولكن العديد من الثغرات الأخرى قد تبينت للسلطات بعد وقوع الكارثة، منها على سبيل المثال لا الحصر مشكلة عدم وجود مسافات كافية بين المستودعات لعزلها عن بعضها وتسهيل حركة ومناورة قوات الدفاع المدني أثناء مكافحة النيران، ومشكلة المداخل والمخارج الآمنة للطوارئ ومشكلة التخزين المختلط... وهلم جرّ.
وإن مسببات الحرائق في المنشآت والمستودعات هي إما خلل بشري أو خلل فني؛ وهي أيضاً تختلف من موقع إلى آخر، فمنها الأعمال غير المشروعة والإجرامية؛ والإهمال البشري؛ وعدم توفر اشتراطات السلامة؛ وسوء التخزين؛ والالتماس الكهربائي بسبب رداءة التسليك الكهربائي في هذه المستودعات؛ وكذلك الاشتعال الذاتي نتيجة تفاعل بعض المواد بسبب سوء التخزين والتنظيم.
وعليه فإن المسؤولية تتوزع بين جهات مختلفة في الدولة بما فيها صاحب المستودع الذي يجب أن يكون واعياً بخطورة ما يقدم عليه من عمل، بل يجب أن لا يُصرّح له باستخدام المستودع إلا بعد التأكد من إطلاعه على لوائح التخزين وما يترتب على المخالفات من خطورة على المجتمع وما يترتب عليها من عقوبات رادعة. ويتحمل الدفاع المدني والبلدية العبء الأكبر في الترخيص والتفتيش وتطبيق العقوبات على المخالفين.
وللحق فإن المراكز التجارية والفنادق والمباني السكنية والأبراج الحديثة والمصانع الكبيرة في إمارة دبي كلها مجهزة تجهيزاً جيداً لمكافحة الحرائق وللطوارئ الأخرى وفقاً لمعايير ومواصفات عالمية مُضمّنة في النظم المحلية بدبي.
ولكن الثغرات دائماً نجدها في الصناعات الصغيرة وممتلكات الأفراد الذين لا يملكون إمكانيات كبيرة لأخذ الحيطة، وذلك في كل دول العالم وليس فقط في دولة الإمارات أو الدول النامية. وفي أغلب الأحيان تجد أن صاحب المستودع لا يدري ما بمستودعه، خاصة هنا في منطقة الخليج حيث يتم تأجيره بواسطة موظف أو وكالة دون سؤال المستأجر عن المحتويات أو الغرض.
ما علاقة الحرائق بالإدارة البيئية؟
الجميع يفكر في أمر الحرائق من منظور الصحة والسلامة. وهما مرتبطتان ارتباطاً وثيقاً بسلامة البيئة، بل إن تلوث البيئة هو المُهدّد الرئيس للصحة والسلامة في هذه الحالة، ثم يأتي فقدان الممتلكات في المرتبة الثانية. والإدارة البيئية نظام يهدف إلى حماية البيئة من التلوث والتصحر والاستغلال الجائر للموارد الطبيعية بما يؤدي إلى استدامة التنمية الاقتصادية والاجتماعية ويحقق الصحة والسلامة للمجتمع.
وبما أن الحرائق تعتبر من أهم ملوثات البيئة، سواء كان ذلك على المستوى المحلي أو على المستوى الكوني، فإن نظام الإدارة البيئية معنيٌ بالوقاية منها بالدرجة الأولى ومكافحتها بالفعالية المطلوبة في حالة حدوثها. وهو نظام يرتكز على ثلاثة أضلاع رئيسة هي: الإستراتيجية وخطة العمل؛ والإطار التشريعي؛ والإطار المؤسسي.
الاستراتيجية
أما الاستراتيجية وخطة العمل المحلية فهي عادة تنبثق من الاستراتيجية وخطة العمل الوطنية وتخصص باباً للحرائق، إما ضمن مكافحة التلوث أو ضمن إدارة الكوارث والأزمات. وهذا يشمل التخطيط العمراني السليم الذي يراعي المواقع الجغرافية للمناطق الصناعية وتوزيعها الداخلي.
بل إن المستودعات والتخزين لا بد أن تكون لها خطة خاصة تحدد أحجامها وأنواع المواد التي يتم تخزينها من حيث القابلية للفساد وقابليتها للاشتعال وخطورتها على صحة الإنسان والبيئة المحيطة والاستعداد للطوارئ بالمخارج الآمنة.
ومن هنا يمكننا تحليل الثغرات بطرح السؤال على السلطات المختصة، هل هناك استراتيجية وطنية لتفادي ومكافحة الحرائق ؟. نعم هناك استراتيجية للدفاع المدني بدبي وقد تمت مراجعتها في الآونة الأخيرة لتتواءم مع خطة دبي الإستراتيجية. كما أن لبلدية دبي استراتيجية تشمل تراخيص المستودعات.
الإطار التشريعي
أما عن الإطار التشريعي فهناك قانون اتحادي وأوامر محلية تغطي مثل هذه الكوارث، إلا أن هناك ثغرة في قانون المتفجرات الذي لم يتطرق إلى الألعاب النارية رغم أنها تعتبر متفجرات خفيفة، كما ذكر العقيد عبد الله الغيثي بالإدارة العامة لأمن الهيئات والمنشآت والطوارئ في شرطة دبي، ما يجعل اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين في مثل هذه الحالات تحت مواد «الإضرار بممتلكات الغير» فقط رغم تعريضهم الأرواح والممتلكات والبيئة للخطر.
وعليه تقترح جائزة زايد الدولية للبيئة الرجوع إلى مشروع القانون الجديد للمتفجرات الذي كُتبت مسودته في 2003 بعد حوادث المفرقعات حيث تم تصنيف الألعاب النارية ضمن المتفجرات. وهذا القانون لا يمنع دخول الألعاب النارية إلى الدولة ولكنه ينظم دخولها تحت رقابة أمنية كما هو الحال الآن بالنسبة للألعاب النارية التي تستخدم في المهرجانات والاحتفالات .
فهي تسجل رسمياً بتصريح أمني، ويتم نقلها بواسطة الأمن إلى مستودعات خاصة وتخزينها ثم خروجها من المستودع واستخدامها كله يكون تحت إشراف الأمن. تبقي مشكلة الاستخدام غير المشروع لهذه الألعاب النارية بواسطة الأفراد ما يستدعي تنظيم حملات توعية مستمرة مع تشديد الرقابة والعقوبات.
الإطار المؤسسي
أما فيما يخص الإطار المؤسسي، فإن المؤسسات المعنية في دبي بحمد الله لديها إمكانيات كبيرة لمواجهة مثل هذه الحوادث حيث تتوزع المسؤولية بين البلدية والدفاع المدني والشرطة والنيابة ودائرة التنمية الاقتصادية والجمارك.. وغيرها.
إلا أن الثغرات دائماً تظل في جوانب الموارد البشرية والإعلام داخل هذه المؤسسات ما يحد من جهود الرقابة والتفتيش وجهود التوعية والتثقيف المستمر. ولا بد هنا من الإشادة بالأمر الذي أصدرته إدارة الدفاع المدني لفرق التفتيش في الدفاع المدني بدبي لتكثيف الحملات التفتيشية المفاجئة على المستودعات والمناطق الصناعية وتجمعات سكن العمال، للتأكد من مدى الالتزام بشروط الوقاية والسلامة في هذه المواقع.
كما دعت جميع الجهات المستخدمة لهذه المواقع إلى إزالة المخالفات الإنشائية، وفحص وصيانة أنظمة الإطفاء والإنذار، والتعاون مع الدفاع المدني لتدريب العاملين على مهارات استخدام المطفآت اليدوية، وكيفية التعامل المبدئي مع الحوادث والإبلاغ عنها وعلى إجراءات سلامة تلك المباني عموماً.
إن نظام الإدارة البيئية لا يقتصر على هذه الأضلاع الثلاثة فحسب، بل ستكون فعاليتها ضعيفة ما لم تضم بين أضلاعها الثلاثة «المشاركة الشعبية» التي تبنى أساساً على التربية والتوعية والتثقيف. ولا بد هنا من الاعتراف بأن هذه دائماً تكون أضعف حلقة في تنفيذ الإستراتيجيات وخطط العمل رغم اقتناع الجميع بأهميتها من الناحية النظرية. وعليه فإنها الثغرة التي تحتاج لجهد أكبر من مؤسسات التعليم والإعلام وإدارات العلاقات العامة والإعلام في الأجهزة المختصة.
توصيات ..الوقاية خير من العلاج
ـ تحاول جائزة زايد الدولية للبيئة في هذا المقال تذكير السلطات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني والجمهور عامة بالمبدأ الإسلامي الراسخ، ألا وهو: «الوقاية خير من العلاج». وهذا مبدأ يجب أن يكون موجهاً لكل استراتيجياتنا وأقوالنا وأفعالنا.
ـ تنادي جائزة زايد الدولية للبيئة بأن يكون نظام الإدارة البيئية (ISO-14000) هو الأساس في المحافظة على البيئة والسلامة فيما يخص المستودعات والمنشآت الصناعية، لا أن يكون العمل الممتاز عبارة عن تميز عند بعض المؤسسات دون الأخرى. وذلك لأن نظام الإدارة البيئية يتبع نظرية النظام الواحد (الجسد الواحد) إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر النظام بالخلل والثغرات.
ـ يجب إزالة المخالفات الإنشائية ومخالفات الاستخدام الخاطئ في كل مناطق المستودعات والمنشآت الصناعية.
ـ كما يجب تكثيف جهود التوعية والتثقيف البيئي في مجال الصحة والسلامة والاستعداد للطوارئ عبر تفعيل الأجهزة المختصة ووسائل الإعلام.
ـ كذلك يجب تكثيف جهود التدريب وتعيين ضابط أمن وسلامة لكل منطقة صناعية أو منطقة مستودعات ليقوم بالتفتيش الدوري مع فريق متخصص.
ـ يجب دراسة ملابسات هذا الحادث الضخم دراسة تحليلية علمية لاستخلاص الدروس والعبر وتفادي تكرار نفس الظروف والملابسات التي أدت إليه.
بقلم : أ.د. محمد أحمد بن فهد - رئيس اللجنة العليا لجائزة زايد الدولية للبيئة
