أعلنت واشنطن أمس عن نجاحها في إقناع قادة حلف شمال الأطلسي «ناتو» المنعقدة في العاصمة الرومانية بوخارست بالمصادقة على خطة نشر الدرع الصاروخية الأميركية في أوروبا، لكن إدارة الرئيس جورج بوش اصطدمت بمعارضة ألمانية فرنسية لضم كل من جورجيا وأوكرانيا إلى الحلف وتم تأجيل البت في هذا الأمر تجنباً لمواجهة مع روسيا، بينما خرجت القمة ب«استراتيجية خروج» من أفغانستان.

وقال مسؤول أميركي إن قمة «ناتو» صادقت على خطة نشر درع صاروخية أميركية في أوروبا. وأضاف المسؤول أمام الصحافيين أن البيان الختامي للقمة «يعترف بالمساهمة الجوهرية لحماية الحلفاء بفضل نظام الدفاع الصاروخي المقرر نشره في جمهورية التشيك وبولندا»، فيما حض قادة «ناتو» روسيا على قبول ذلك.

وفي ختام مناقشات حادة أخرت أعمالهم أكثر من ساعتين، رفض قادة «ناتو» في الوقت الراهن منح أوكرانيا وجورجيا صفة مرشح رسمي للانضمام لحلف الأطلسي، رغم دعم واشنطن لهاتين الدولتين، وذلك على خلفية معارضة باريس وبرلين اللتين تتحاشيان مواجهة مع روسيا. لكنهم التزموا ضمهما إلى الحلف على المدى البعيد. وقرر قادة الحلف مواصلة التحاور مع جورجيا وأوكرانيا وان يراجع ملفهما في ديسمبر المقبل مع اجتماع وزراء الخارجية.

وعشية قمتهم في بوخارست أيضا مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حرص القادة الغربيون على عدم إعطاء روسيا التي ترفض توسع الحلف نحو الشرق، حق «فيتو» ضمنيا على هذا الموضوع. وقال الأمين العام للحلف ياب دي هوب شيفر وهو يتلو نص البيان أمام الصحافيين «يرحب الحلف الأطلسي بالطموحات الأوروبية الأطلسية لأوكرانيا وجورجيا، وقد التزم قادة الحلف أن يصبح هذان البلدان عضوين في الحلف يوما ما». وسبق هذا التوافق مناقشات حادة حتى اللحظة الأخيرة بين أعضاء الحلف.

وعلى مدى يومين، كان الرئيس الأميركي جورج بوش حض حلفاءه على أن يشملوا البلدين المذكورين في خطة العمل من اجل الانضمام، وهي المرحلة النهائية التي تمهد لدخول الحلف، وان كانت تفتقر إلى ضمانات بهذا الشأن. وأعلن بوش عن أن الحلف أوضح في بوخارست أن «عملية التوسيع ستواصل تقدمها»، من دون أن يسمي جورجيا وأوكرانيا، وذلك في رسالة جوابية إلى روسيا.

وفي ختام قمة بوخارست اقترح الحلف على روسيا ربط منظومات الدفاع الروسية والاميركية المضادة للصواريخ والنظام الاطلسي المزمع اقامته.

وجاء في بيان دول الحلف الـ 26 « نحن نشجع روسيا الاتحادية على الافادة من مقترحات الولايات المتحدة في مجال الدفاع المضاد للصواريخ ونحن على استعداد لاستكشاف امكانات ربط انظمة الدفاع المضادة للصواريخ الاميركية والاطلسية والروسية في الوقت المناسب».

واشار قادة ورؤساء حكومات (الناتو) إلى تمسكهم « بأقصى مستويات الشفافية وباجراءات ثقة متبادلة من شأنها تبديد أي قلق محتمل، مثل ذلك الذي عبرت عنه روسيا منذ اعلان مشروع الدرع الصاروخية الاميركية في اوروبا الوسطى».

كما أعلن البيت الابيض في ختام القمة انه تلقى التزامات 12 أو 13 بلداً بأنها ستسهم في الجهود المبذولة في افغانستان ليبلغ حجم التعزيزات بما فيها الاميركية عدة الاف من الجنود.

وصرح مستشار الامن القومي للرئيس الأميركي ستيفن هادلي ان «رد حلف شمال الاطلسي هو: المساعدة آتية»، مشيرا الى النداء الذي قال انه صدر عن كندا.

واعتبرت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس أن قرار الحلف التعهد بقبول عضوية جورجيا وأوكرانيا في نهاية الأمر يظهر أن الباب إلى التحالف مفتوح على مصراعيه.

وعقب إقرار «الناتو» خطة الدرع الصاروخية الأميركية وفي أول رد فعل لموسكو وجه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رسالتين إلى رئيسي جمهوريتي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية غير المعترف بهما، مؤكداً فيهما على أن «روسيا ستدعم وستساعد الجمهوريتين عملياً».

وأن الكرملين يولي اهتماماً كبيراً لأماني ومشاكل سكان الجمهوريتين اللتين يعيش فيهما مواطنون روس. ولذلك لن يحمل دعم أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية في المستقبل أيضا طابع الإعلان، وإنما سيحمل طابعا ماديا.

وأشار بوتين إلى أن محاولات جورجيا للضغط على جمهوريتي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية عديمة المعنى، مضيفا «جميع المحاولات للضغط على أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية سياسيا واقتصاديا، ناهيك عن العسكري، عديمة الفائدة ومضرة».

كما اعتبر نائب وزير الخارجية الروسي الكسندر غروشكو أن انضمام جورجيا وأوكرانيا إلى الحلف الأطلسي سيكون «خطأ استراتيجياً كبيراً له تداعيات خطيرة على الأمن في أوروبا».

في المقابل، وصفت جورجيا الوعد الذي تلقته من الحلف بأنه «تاريخي»، فيما أعلنت أوكرانيا عن أن رفض منح كييف عضوية لن يعتبر هزيمة. وقال مسؤول في الخارجية الأوكرانية لوكالة «انترفاكس» الروسية من دون أن يذكر اسمه «إن كييف لا تزال تنتظر ردا رسميا من أعضاء ناتو حول الموضوع».

وقال مسؤول أوكراني آخر «إن هذا الاعتراض المتوقع من فرنسا وألمانيا على حصول أوكرانيا على عضوية ناتو لا يمكننا أن نعتبره هزيمة لأوكرانيا أو انتصارا لروسيا، إنها مجرد صورة الواقع الحالي ولا يوجد داع لتضخيم الأمور».

أما مقدونيا، المرشح البلقاني الثالث، فاصطدمت باستخدام اليونان «الفيتو» على خلفية خلاف قديم مع أثينا حول تسمية الجمهورية اليوغوسلافية السابقة. وقال مسؤولون في الحلف إن «ناتو قرر عدم دعوة مقدونيا إلى الانضمام إليه خلال قمة بوخارست».

وقال رئيس لاتفيا، فالديس زاتلر،« إن قادة ناتو اتفقوا على أن مقدونيا تستطيع الانضمام إلى الحلف حالما تحل نزاعها مع اليونان على خلفية اسمها».

وترى اليونان أن اسم مقدونيا يشكل جزءا من تراثها التاريخي ويهدد سلامة أراضيها، وقد احتجت مقدونيا على رفض انضمامها للحلف بانسحابها من الاجتماع.

من جهة أخرى أعلن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في خطاب له أمام القمة أن بلاده سترسل قوات إضافية إلى أفغانستان. ووعد ساركوزي خلال مناقشات اليوم الثاني بإرساله كتيبة تضم 800 جندي إلى شرقي أفغانستان لتعزيز الوجود الفرنسي هناك. وتعد هذه أول استجابة مباشرة من دولة بالحلف لنداءات الولايات المتحدة المتكررة وقادة ناتو في الميدان لإرسال مزيد من التعزيزات لمواصلة العمليات العسكرية ضد مقاتلي حركة طالبان.

كما توصل الحلف للمرة الأولى إلى «استراتيجية خروج» بالنسبة لمهمته في أفغانستان.

وقالت مصادر الوفود المشاركة في قمة «ناتو» إن القمة حددت بناء على مبادرة ألمانية أمس الخميس أهدافا تتعلق ببناء قوات الأمن الأفغانية حتى تتمكن أفغانستان من حماية نفسها بشكل يمكن معه سحب القوات الدولية تدريجيا.