كثير من الناس يطلب السعادة ويلتمس الراحة وينشد الاستقرار وهدوء النفس والبال كما يسعى في البعد عن أسباب الشقاء والاضطراب لاسيما في الأسرة، والبيوت في هذه الحياة المستقرة المليئة بالبهجة والسرور والجو النظيف جعلنا الله جزاء الأيمان والعمل الصالح قال تعالى: «من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة». وإن من نعم الله على عباده أن هيأ لهم الأسر ومن عليهم بالزوجات أية من آياته سكنا ورحمة ولباساً ومودة قال تعالى: «ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة».

فالرجل يجد في بيته المأوى الكريم والراحة النفسية بعد عناء العمل وطول الكدح فتراه يبدر متاعب الحياة بابتسامة حانية وبشاشة مشرقة وكلمات رقيقة ومعاملة رقيقة ومشاعر فياضة فتبادله إياه شريكة العمر ورفيقة الدرب وأم الأولاد. هكذا يريد الإسلام الأسر أن تكون قلاع خير ومحبة ووئام وسلام.

ومن أجل هذا تأتي أهمية بناء الأسرة لأن الأسرة الهانئة المستقرة الآمنة المطمئنة هي الركيزة الأساسية في تنشئة الأبناء على قيم الحق والخير والأمن والاستقرار وعلى التراحم والتعاون، من أجل هذا خطابنا الله عز وجل فقال: «يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء..»

بهذا الخطاب الإلهي يؤكد الخالق العظيم بأهمية مراقبة الله سبحانه وتعالى ونحن نعنى بالأسرة إذا لا يستقر بنيان اجتماعي بغير معرفة حدود الله. فالعلاقة الزوجية علاقة عميقة الجذور وطيدة الأركان يوضح ذلك قوله سبحانه: «لتسكنوا إليها»، مما يؤكد تحقيق الطمأنينة بأعلى صورها وأسمى معانيها.

ويقول سبحانه «هذا لباس لكم وأنتم لباس لهن» فانظروا إلى عظمة الإعجاز القرآني.

حين تجسد العلاقة الزوجية بهذه الصورة البليغة التي تجسد صلة الزوجية وهل يوجد شيء أقرب له وألصق به من ملابسه. وهي بهذا تسمو عن العلاقات والصلات المادية والروابط الشهوانية بل هي علاقة روحية ونفسية كريمة وحينما تصنع هذه العلاقة فإنها تمتد إلى الحياة الآخرة وبعد الممات قال تعالى «جنات عدن يدخلونها» ولقد نظم الإسلام الحقوق والواجبات بين الأزواج والزوجات والأبناء والأرحام وبهذا التنظيم العادل كفل الإسلام الأسرة إذ تنمو نموا إيمانياً سليماً، قال تعالى «والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة».

والخالق العظيم بهذه الآيات يوسع مظلة الإسلام والأمان بين الأفراد الزوج والزوجة والذرية والأقارب لتتسع بدورها مظلة الأمن الاجتماعي. لهذا أمر الإسلام على توطيد هذه العلاقة وأمر بالمحافظة عليها وحذر من التساهل والتقصير فيها حين وضع حقوق وواجبات لكل من الزوجين تجاه الآخر حتى ان كل منهما يعلم ما له وما عليه من حقوق لكي يكون ذلك ضماناً للأمن واستقرار الأسرة، فحثنا الإسلام على حسن العشرة بين الزوجين.

وفي مثل هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم «لا يفرك مؤمن مؤمنة ـ أي لا يبغض ولا يكره ـ إن كره منها خلقاً رضي منها آخر» رواه مسلم من حديث أبي هريرة. كما حثنا الإسلام على حفظ أسرار بيت الزوجية وبين أن ذلك من أسباب دوام العشرة في الحياة الزوجية فلا يجوز أن تكون أسرارهما معلومة ومنتشرة بين الناس لأن هذا يخالف الشرع والذوق السليم.

قال صلى الله عليه وسلم «إن من شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى زوجته وتفضي إليه ثم ينشر سرها».

وأساس حفظ السر وجود خلق الحياء في كل من الرجل والمرأة ومن لا حياء فيه؟ إلى غير ذلك من الحقوق والواجبات التي دعا إليها الإسلام ليخلق جواً سعيداً مستقراً داخل الأسرة لتنمو الطفولة نمواً إنسانياً سليماً وهؤلاء الأطفال هم أجيال المستقبل حماة الأوطان وهكذا تبنى الأسرة على أساس من المسؤولية بينها الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث حين قال «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته».

وإن أي تفريط في هذه المسؤولية والحقوق ستنعكس آثاره على الأفراد والأسرة والمجتمع وليس أسوأ على الأطفال أو أضيع لهم من أبوين لا يقدران المسؤولية ولا يتحملان أعباء التربية السوية فتصل الحياة في النهاية إلى فشل في الحياة الزوجية والفشل في الحياة الزوجية يعظم ضرره ويتعدى خطره إلى الأولاد، لذا نجد أن الطلاق وإن كان مشروعاً إلا أن الرسول حذر منه فقال صلى الله عليه وسلم «أبغض الحلال عند الله الطلاق»، ولو لم يكن الطلاق كارثة أحياناً لما أمهل الشرع الحنيف الأزواج مرة بعد مرة ليفكروا في عواقبه المؤلمة، فإن في الطلاق خرابا للبيت وتشتيتا للأولاد وفساد تربيتهم ونتساءل: لماذا يتسلل بعض الأبناء من مدارسهم وإلى أين يذهبون؟ وكيف عرفوا طريق المخدرات وغيرها؟

إن في إهمال الأبناء تكديرا لأمن المجتمع واستقراره، وإن حسن المعاملة للأبناء له ثماره الطيبة على الأسر والبيت والرسول صلى الله عليه وسلم هو قدوتنا في حسن معاملة زوجاته وإحسان عشرتهن بالرغم من الحياة الخشنة التي كان يعيشها الرسول إلا أن زوجاته كلهن آثرن للعيش معه وأحببن عشرته والسبب هو أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان جميل العشرة دائم البشر يداعب أهله ويتلطف معهم حتى ان الأمور الصغيرة كانت لا تغيب عنه فعندما تزوج الرسول صلى الله عليه وسلم بالسيدة مارية القبطية وكانت من مصر ومصر بلد النيل والخضرة ومعلوم أن بيوت زوجاته بجوار المسجد النبوي وهي منطقة صحراوية لكن الرسول أسكنهما في مكان كله خضرة يسمى العوالي.

وكان يتفاعل مع زوجاته بتكافؤ في الإنسانية بمعنى أن المرأة كالرجل في الإنسانية إلا أن زوجها هو رئيسها قال تعالى «ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة» ومن أمثلة هذا التكافؤ في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم العملية أنه كان ينزل على مشورة بعض نسائه وكان يسمح لهن بمناقشته.

وكان قدوة أيضاً في معاملة الأبناء فإنك لن ترى مثله أباً يقول أنس بن مالك رضي الله عنه ما وجدت أحداً أرحم بالعيال من الرسول صلى الله عليه وسلم لقد كان ابنه «إبراهيم» مسترضعاً في عوالي المدينة فكان يأخذنا فتنطلق معه فيدخل البيت فيأخذه فيقبله ثم يرجع، وعن جابر قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يمشي على أربعة وعلى ظهره الحسن والحسين وهو يقول نعم الجمل جملكما ونعم العدلان أنتما».

ولم تكن معاملته هذه لأولاده فقط بل لكل أولاد المسلمين.

راية المحرزي