التدخين يطلق عليه البعض آفة والبعض الآخر يجده مظهرا من مظاهر العصر، حيث ازدادت أعداد المدخنين بازدياد التوتر والقلق الذي بات يطغى على عصر السرعة والتكنولوجيا، وهناك جهات مسؤولة في الدولة ترى في التدخين هلاكا وضررا للصحة.

حيث منعت التدخين في بعض المرافق مثل المنشآت الطبية الخاصة ومراكز التسوق بدبي، ومراكز التسوق في عجمان كما قامت أيضاً البلديات بمنع التدخين في صالونات الحلاقة والأندية الصحية.

وكذلك الدوائر الحكومية والجامعات، وبعض الجهات خصصت أماكن للتدخين للمحافظة على الجو العام ولمنع أي ضرر يمكن أن يسببه الدخان الذي يؤثر سلبا على الصحة العامة.

ويجد بعض المدخنين أن السيجارة صديقة تسليه في كل وقت يحتاج لها في عصر تراجعت فيه العلاقات الإنسانية والاجتماعية وبات العمل وتحصيل المال الشغل الشاغل وبالرغم من التحذيرات الواضحة من أخطار التدخين مازالت أعداد المدخنين في ازدياد في العالم وضحته الدراسات العلمية المطروحة في المواقع الالكترونية، التي تؤكد خطورة الوضع، وبات غير المدخنين مجبورين على استنشاق الدخان الذي يضر بالصحة ويحولهم إلى مدخنين سلبيين.

العديد من الدول الأوروبية قامت بخطوة جريئة من خلال إحصائيات تثبت أن ظاهرة التدخين يجب أن توضع في الحسبان للمحافظة على صحة وسلامة الناس وعليه تم سن قوانين في بعض الدول الأوروبية تمنع التدخين في الأماكن العامة المزدحمة بالناس مما ضايق شريحة المدخنين، وبات من المحظور التدخين في المؤسسات والمدارس والجامعات والمحلات التجارية والدوائر العامة والمطارات ومحطات القطارات والمستشفيات وقاعات الرياضة ووسائل النقل العام.

وفي سبيل المحافظة على سريان هذه القوانين وتفعيلها تم الاستعانة بأعداد كبيرة من رجال الشرطة الذين منحوا حق إصدار المخالفات لغير الملتزمين بتطبيق قانون عدم التدخين في الأماكن العامة، وهنالك غرامات كبيرة تدفع من قبل المخالف ولا يمكن استثناء أي احد مهما كان منصبه، الأمر الذي دل على قوة هذا القانون.

وأشارت بعض المواقع الالكترونية أن التدخين يتسبب في وفاة 66 ألف شخص سنويا في فرنسا بينهم خمسة آلاف نتيجة التدخين السلبي، كما انه يقتل ما لا يقل عن ألف شخص في كل عام في بريطانيا.

دولة الإمارات من الدول التي شهدت معالم التطور والازدهار بصورة سريعة جعلتها تدخل في مصاف الدول المتقدمة من ناحية التجارة والاقتصاد والسياحة والنهضة العمرانية الكبيرة، وباتت تجذب إليها كافة الجنسيات المختلفة من جميع أنحاء العالم لما عرف عنها من امن وأمان إلى جانب توفر كافة المتطلبات، ومن الطبيعي أن تكون السيجارة واحدة من المتطلبات التي تزخر بها أرفف الأسواق والمحلات التجارية.

ويجد بعض الناس انه ليس من الغريب أن يعتاد أهل الإمارات على التدخين في ظل الظروف الراهنة وصعوبة الحياة وتوترها، مع أن البعض يشير إلى أنها عادة ليست بجديدة على أهل الإمارات ففي السابق تعودوا على تدخين «المدوخ» أو «الغليون» التي ترافقه علبة صغيرة مليئة بالتبغ إلا أن تدخينها في السابق لا يتعدى المرتين إلى ثلاث مرات في اليوم، عكس التدخين في الوقت الحاضر الذي يقوم فيه المدخن بإنهاء علبتين إلى ثلاث علب يوميا بطريقة تدل على خطورة الأمر وتأثيره السلبي على الصحة والحياة الأسرية إلى جانب حياة العمل.

ملصقات منع التدخين

ملصقات تختلف أحجامها وألوانها كتب عليها عبارة «ممنوع التدخين» أو إشارة توضح ذلك في مؤسسات وجهات عديدة في الدولة، وضعت في أماكن متعددة لا يحبذ فيها التدخين حفاظا على صحة الموجودين من غير المدخنين إلى جانب الحفاظ على سير العمل بعيدا عن الدخان الضار، اعتاد البعض للأسف على عدم احترام هذه الملصقات.

حيث يجد أن في التدخين حرية شخصية دون الحاجة للاستئذان أو الانصياع إلى ملصق تحذيري أو تنبيهي، أما البعض الآخر من المدخنين ممن يمتلكون حس احترام الآخرين فتجدهم يمتنعون عن التدخين ويضغطون على أنفسهم فلا يستطيعون الجلوس في الأماكن التي منع فيها التدخين لفترة طويلة، يحاولون بشتى الطرق الانتهاء من معاملاتهم بطريقة سريعة تكلفهم في بعض الأحيان الكثير لعدم استيعابهم الكافي وتسرعهم في انجاز معاملاتهم.

حيث ترتسم على ملامحهم علامات عدم الارتياح والضيق تصل في بعض الأحيان إلى العصبية والتوتر التي تؤثر على سلوكيات المدخن فتظهره بصورة غير لائقة أمام الآخرين وبالتالي تؤثر على علاقاته الشخصية.

التدخين وفقدان التركيز

ويرجع عدم تركيز وتوتر مدمن التدخين من الناحية الطبية إلى انه يستنشق الدخان الذي يحتوي على مادة النيكوتين إلى جانب ما يفوق 500 مادة كيميائية، حيث يحتوي دخان السجائر على 4 آلاف مادة سامة وأكثر من 50 منها يسبب السرطان، ويوصف النيكوتين الموجود في التبغ على أنه أحد العقاقير التي تسبب الإدمان.

وبمجرد أن يعتاد المدخن عليه يشعر وكأنه في حاجة مستمرة إليه لكي يؤدي وظائفه بشكل طبيعي، ولا يقف الأمر عند هذا الحد أو عند النيكوتين فقط لكن توجد محتويات أخرى مثل القار الذي يدمر الفم والحنجرة والرئتين، كما يصل النيكوتين إلى المخ في خلال 10 دقائق بمجرد البدء في التدخين، ويسبب (ارتفاع ضغط الدم- سرعة ضربات القلب - ضيق الشرايين - انخفاض في درجة حرارة الجلد- سرعة التنفس- انسداد الأوعية الدموية- ضعف فاعلية جهاز المناعة- سرطان الفم) وغيرها من الأمراض الخطيرة التي تتلف صحة الإنسان.

الأحكام الشرعية

والأحكام الشرعية تفاوتت فيها الآراء منهم من حرمه على أساس أن التدخين هو انتحار بطيء وقتل للنفس وقد نهى سبحانه وتعالى عن قتل النفس وتعريضها لأسباب الهلاك بقول الله تبارك وتعالى «ولا تلقوا بأيدكم إلى التهلكة» ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» وهو نهي شامل لكل أمر يؤدي إلى تلك النتيجة سواء كان ذلك بطريقة مباشرة أو غير مباشرة كما أن التدخين تبذير للمال، أما البعض الآخر فقال عنه انه مكروه ووضع أدلة بذلك وقلة فقط من أباحوا التدخين.

قصص لمدخنين سابقين

يقول احد المواطنين انه اعتاد التدخين بشراهة منذ أكثر من 20 عاما حيث لا يستطيع الاستغناء عن السيجارة التي تخفف من توتره، الأمر الذي يدفعه إلى إنهاء ما يقارب الـ 4 ـ 5 علب يوميا، دون الشعور بأنها تدمر صحته وتنفر العديد من الأشخاص من حوله، يقول إن بدايته مع التدخين هو الفضول والتجربة الأولى مع أصدقائه الذين اعتادوا التدخين أمامه، فهي في البداية كانت مجرد مشاركة إلى أن تطور الأمر ووجد نفسه فجأة في دوامة التدخين بشراهة وان السيجارة باتت تملأ جيوبه وسيارته ومنزله، وبات يدخن السيجارة تلو الأخرى ماعدا فترة النوم والأكل، ليقع في موقف صعب يجبره على التنازل عن هذه الآفة ليتخذ قرارا فوريا بعدم التدخين.

وذلك بعد أن رفضت طفلته الصغيرة أن تقترب منه بسبب رائحة السجائر العالقة في ملابسه وفمه وهو يمد لها يد الأب الذي يريد أن يحتضنها ويشعر بطفولتها، إلا أنها قامت بالاختباء منه بعد محاولته للامساك بها، لحظة صمت مع نفسه جعلته يحزن ويردد « سيجارة تبعدني عن طفلتي وتحرمني من طفولتها».

وفجأة........ يمسك بعلبة السيجارة ويقوم برميها في سلة المهملات وعزم على اتخاذ قرار الإقلاع عن التدخين وفورا، ولم يفكر في العودة لها مرة أخرى، وها هو اليوم قد أكمل أكثر من ثلاث سنوات منذ إقلاعه عن التدخين.

ويسرد مواطن آخر قصته مع التدخين بشراهة حيث انه وصف السيجارة بأنها شيء أساسي في حياته لا يستطيع الاستغناء عنها، حيث تعلق بها منذ أن كان في سن المراهقة وباتت السيجارة لا تفارقه التي يغير نوعها كل سنة، حيث جرب كل الأنواع الفاخر منها والرخيص والخفيفة النكهة والثقيلة، ولم تفلح محاولات أهله للإقلاع عن التدخين، حتى عندما تزوج ورزق بطفلين لم يقلع ولكنه بات يمتنع عن التدخين في البيت حرصا على سلامة أطفاله، هو موقف واحد غير حياته وجعله يبتعد عن السيجارة ويأخذ موقفا حازما للابتعاد عن هذه الآفة السامة التي لوثت حياته الأسرية والصحية، عندما قام طفله وهو في سن الخامسة بتجميع بقايا أعقاب السيجارة المرمية في الخارج بغية تدخينها بقصد تقليده، فغضب من نفسه كوالد نقل صورة خاطئة لطفله الذي مازال يتعلم من الحياة ومن والديه، فعزم على أن يتركها بالتدريج حتى تخلص منها نهائيا، وذلك ليكون مثلا جيدا أمام أطفاله ولكي يبعدهم في المستقبل عن هذه الآفة التي تدمر الصحة وتبعد الإنسان عن حياته الأسرية بسبب الدخان الضار الذي يلوث الجو العائلي.

ويضيف أن قراره جاء متأخرا ولكنه اتخذه وتحمل مشقته خاصة بعد معاناة خروج السموم والنيكوتين من الجسم الذي أصابته بالتعب والإرهاق ولكنه أكمل مشوار إقلاعه عن التدخين، والآن يعيش حياة خالية من دخان السجائر وباتت لا تغريه أينما وجدها سواء على أرفف المتاجر أو في يد أصدقائه.

يقول احد المدخنين السابقين إن شهر رمضان الكريم كان له التأثير الكبير في إقلاعه عن التدخين فرحلته مع السيجارة طويلة بسبب إغراءات أصدقائه وجلوسه الطويل معهم حيث انه منذ امسكها لم يستطع أن يتخلى عنها وأدخلته في عالمها الزائف بسبب ما تحتويه من سموم تستنزف القوى وتمنع التركيز وجعلته إنسانا ضعيفا سريع الغضب يطلق الأحكام دون تفكير التي ما أدى إلى القضاء على علاقاته الشخصية.

ويكمل قصته مع التدخين بأنه عندما كان مدخنا كان يجد أن السيجارة تلهيه عن التفكير وتبعده عن الواقع لبضع دقائق كما تخفف عنه همومه خاصة عند تدخين السيجارة بعد الأخرى حيث يفرغ شحناته الداخلية في التدخين، إلا أنها في المقابل تسرق صحته التي يجدها تتدهور وتوقعه في أزمات وتسبب له المشكلات مع المتصلين به عن قرب، حيث يندفع في قراراته وينجز أعماله بصورة سريعة تكلفه غاليا، خاصة المعاملات المالية حيث يكون متوترا وغير مركز.

مضيفا أن رحلة الإقلاع كانت رحلة شاقة لعدد السنوات الطويلة التي قضاها في التدخين والتي تطورت ليصبح مدمنا على السيجارة، وبفضل الله ودعاء والديه اللذين كانا يحذرانه من خطر التدخين لرؤيتهما له دائما في مزاج سيء إلى جانب تدهور صحته باستمرار.

وقال: بدأت قصتي قبل أربعة أعوام بفترة تسبق شهر رمضان بشهرين حيث دخلت إلى المستشفى بسبب مرض السكري وطلب مني الدكتور على الفور الإقلاع عن التدخين وإلا عرضت حياتي للموت.

مشيرا إلى أن النيكوتين يرفع نسبة السكر في الدم ويجعل ضبطه أمراً مستحيلاً وصعباً إلى جانب الكثير من الأمراض مثل أمراض القلب التي تزيد بثلاث أضعاف لمرضى السكري الذين يدخنون، إلا إنني لم انصع لأوامر الطبيب وأصبحت أكثر توترا وقلقا بسبب مرضي الذي زاد من تدخيني حتى جاء الشهر الكريم شهر رمضان وبدأت أصوم الشهر وأحس بإعياء وتعب شديدين في حين كان أطفالي يصومون بكل ارتياح الأمر الذي يجعلني اقضي وقت الصوم في النوم بعيدا عن أعين أطفالي وعن الآلام الشديدة التي اشعر بها.

إلى أن جاء اليوم السابع من شهر الصوم ليقوم ابني الأكبر بإيقاظي للذهاب إلى المسجد لأداء صلاة العصر، وبالفعل توضأت وذهبت إلى المسجد وقمت بالصلاة وشعرت براحة كبيرة، فقال لي ابني انه سعيد لأني صليت معه وكان مترددا في إيقاظي خوفا من نوبة غضبي الشديد التي اعتدت أن أتعامل بها في منزلي، ولكنه استعان بالله وأيقظني، فوجدت في كلام ابني ضالتي وكأنها رسالة تنبهني بان الحياة قصيرة والصحة غالية والأولاد أمانة يجب أن نراعيهم ونربيهم على الفضيلة.

وبعدها قررت أن أتحمل الألم وان أداوم على أداء صلواتي كي يعينني الله على التخلص من هذه السموم التي أدخلتها جسمي بإرادتي والحمد لله انقضى الشهر تلو الشهر ولم أدخن سيجارة واحدة منذ ذلك الحين.

واجمع المدخنون السابقون أن رحلة الإقلاع عن التدخين تحتاج إلى إرادة قوية وشخص صبور وإيمان بان الصحة أمانة لا يجب إهدارها، والعقل نعمة يجب المحافظة عليه وعدم تغييبه ليجابه الحياة ويتصدى لها ليكون إنسانا واعيا قادرا على عيش الحياة بمرارتها وحلاوتها دون الحاجة إلى السيجارة.

الفجيرة ـ عائشة الكعبي