أصبح من الواضح جداً أن (ر) يسيطر بشكل كامل على سوق المخدرات في تلك المنطقة، خاصة الحبوب المسماة (sti on) فهذه الحبوب رغم كونها مخدرة إلا أنها أيضاً تثير العواطف الجسدية ولهذا فإن الشباب المدمنين أصبحوا يطلبونها بشكل كبير حتى ان المخزون الموجود لم يكف ولهذا بدأ تجار المخدرات يبذلون جهودا مضاعفة من اجل توفير هذه الحبوب.

يحتاج تصنيع هذه الحبوب إلى عمليات كيميائية معقدة، ولقد اشتهرت في تصنيعها دولة كانت ضمن المنظومة التي انفصلت عن الاتحاد السوفييتي السابق، ورغم أن تلك الحبوب الصفراء صغيرة الحجم ولا تكاد تزيد على حبة العدس إلا أنها تحتوي على مفعول كبير من الناحيتين المخدرة والانفعال الجسدي ولأن الطلب أصبح عليها كبيراً فقد زاد سعر الحبة الواحدة على (75) دولارا.

بدأت هذه الحبة تصبح نادرة في السوق إلا أن تاجر المخدرات (ر) كان يغطي احتياجات السوق بشكل كامل وبدون تأخير، هذا الأمر أزعج تجار المخدرات الآخرين لذا عقدوا احتجاجاً وقرروا أن يذهبوا إلى (ر) للتفاهم معه وذلك لتزويدهم بهذه الحبوب. كان الاجتماع ساخناً بينهم، فقد رفض (ر) رفضاً قاطعاً تزويدهم بهذه الحبوب وذلك كي يبقى على احتكاره للسوق لهذا النوع من المخدر.

طلب التجار منه أن يرفع سعر الحبة الواحدة إلى (100) دولار على أن يعطيهم هو الحبة الواحدة بـ (60) دولاراً إلا أن (ر) رفض ذلك. كان أكثر ما يثير تجار المخدرات هو كيف يستطيع (ر) أن يوفر احتياجات السوق من هذه الحبوب رغم أن تأمينها من دولة المنشأ وإدخالها إلى الجهة المرسلة إليها وتوزيعها يحتاج إلى أكثر من (45) يوماً، إلا أن (ر) كان يقوم بذلك خلال يومين أو ثلاثة على أكثر تقدير.

كانت استنتاجات التجار تدل على أن (ر) يمتلك مصنعاً في احد الأماكن البعيدة عن أعين الشرطة ولكن ضمن حدود المدينة، بدأ تجار المخدرات يبثون عيونهم هنا وهناك مركزين بحثهم في المناطق الصناعية، إلا أن هذا البحث لم يأت بنتيجة، ولهذا قرروا أن يشركوا البوليس في عملية البحث عنهم فقد قرروا إخبار الشرطة عن النشاط الذي يقوم به (ر) خاصة بعد أن أصبحت تجارتهم من الهيروين والأفيون لم تلق الرواج السابق، بعد أن بات الكثير من المدمنين يتناولن حبة الـ (sti on).

اتصال من مجهول

في أحد الأيام تلقت الأجهزة الأمنية اتصالاً من مجهول يقول فيه إنه يعرف الشخص الذي يتاجر بتلك الحبوب وان أسمه كذا.. ويسكن في مكان كذا.. وانه يغطي على نشاطه من خلال منجرة يمتلكها في مكان كذا.. وانه يمتلك في مخزنه بمصنع لتصنيع تلك الحبوب.

حاول رجال الشرطة أن يتعرفوا على المتصل من صوته لكنهم لم يتمكنوا، أما الاتصال فقد تم من هاتف في الشارع العام بدأت الأجهزة الأمنية في التقصي عن المعلومات فوجدت بأن كل ما قاله المتصل صحيح وأن (ر) موضوع على القائمة السوداء وأنه معروف لدى الأجهزة المختصة بأنه تاجر مخدرات. حاولت الأجهزة الأمنية الإيقاع به لكنه كان حذراً جداً وأخيراً قررت تلك الأجهزة مهاجمة مخزنه وورشة النجارة التي يمتلكها وتفتيش بيته على أن يتم ذلك في وقت واحد.

بعد أخذ الإجراءات القانونية تمت علمية التفتيش، لكن الأجهزة الأمنية لم تجد المصنع، كما أنها لم تجد أثراً لتلك الحبوب، أحس تجار المخدرات بخيبة أمل لأنه لم يتم الخلاص من (ر) الذي أصبح شرساً للغاية، خاصة بعد أن وصلت معلومات تفيد بأن تجار المخدرات في المنطقة هم الذين وشوا به.

فكر تجار المخدرات بطريقة أخرى للإيقاع بـ (ر) لذا انتظروا بضعة أشهر بعدها قام أحدهم بزيارته وطلب منه كمية من تلك الحبوب، في البداية رفض (ر) ذلك إلا أن التاجر أفهمه بأنه يحتاج إلى خمسين حبة فقط، وانه سيتقاضى ثمنها فوراً، وبعد أخذ ورد اقتنع (ر) ببيع الكمية للتاجر.

بعد مدة اتصل نفس التاجر بـ (ر) وطلب كمية جديدة وتم التسليم في إحدى سيارات الأجرة، وبدا واضحاً أن (ر) وهذا التاجر أصبحا على علاقة جيدة. في احد الأيام اتصل التاجر بـ (ر) وطلب منه (700) حبة واتفقا على أن يتم التسليم ليلاً في إحدى الحافلات المتجهة إلى إحدى المدن وان يتم تسليم المال نقداً بالدولار.

أرسل (ر) ابنه البكر لتسليم البضاعة وتسلم النقود وما كاد الرجل يصل إلى محطة الحافلات حتى أحاط به رجال الشرطة وطلبوا منه فتح الحقيبة التي كانت في يده.

بعد تفتيش دقيق وجد رجال الشرطة الحبوب المخدرة، فقد تم إبلاغ الشرطة عن العملية ولهذا حضر الابن البكر لـ (ر) لكن التاجر والآخر لم يحضرا. وقع الرجل في يد الشرطة متلبساً وتم الحكم عليه بالسجن (25) عاماً مع الشغل والنفاذ، أصيب (ر) بصدمة كبيرة، فقد عرف بأن الأمر كان مدبراً من تجار المخدرات وانه وقع في الفخ، لذا قرر الانتقام من التاجر الذي خدعه.

تظاهر (ر) بأنه لا يشك في احد وذلك حتى يأخذ ثأره بيده، مرت الأيام قاسية على (ر) خاصة وأنه عرف بأن ابنه عذب كثيراً حتى يعترف ويفصح عن مصدر تلك الحبوب إلا أن ابنه رفض ذلك حتى لا يوقع والده في السجن. قرر (ر) قتل التاجر الذي أوقع بابنه لكنه لم يتمكن حيث ان التاجر وقع في يد الشرطة وتم الحكم عليه بالسجن مدة (20) عاماً.

انزعج (ر) كثيراً لدخول خصمه إلى السجن. لم ييأس، لذا رتب لعملية الانتقام في الزنزانة التي يعيش فيها التاجر. دفع (ر) مئات الآلاف من الدولارات إلى عائلات بعض السجناء من أجل أن يقتلوا التاجر، وفعلاً في صباح أحد الأيام عند موعد التفتيش على المساجين وجد التاجر مقتولاً خنقاً ولسانه منزوع من حلقه.

خلافات المجرمين

أثارت هذه الحادثة حفيظة الجهات الأمنية واعتبرت سابقة خطيرة، لذلك كان لا بد من القبض على تجار المخدرات الذين أصبحوا يصفون بعضهم بعضاً. في احد الأيام طلب ضابط التحقيق إحضار (ر) ليجري معه صفقة وهي أن يدله على تجار المخدرات مقابل أن يساعد ابنه، وإلا فإن ابنه سيتهم بأنه هو الذي قتل تاجر المخدرات في السجن وهذا سيقوده إلى حبل المشنقة.

تمت المقابلة في مكتب الضابط، لكن (ر) كان عنيداً كعادته ورفض أية صلة له أو لابنه في حادث القتل. كان الضابط متأكداً بأن ل(ر) وابنه يداً في ذلك وان العملية كانت تصفية حسابات بين المجرمين. أصبح (ر) تحت مراقبة الأجهزة الأمنية طوال ال(24) ساعة التي قررت اعتقاله متلبساً.

كان (ر) يذهب بعد كل يوم في يخته إلى عرض البحر ليصطاد هو وبعض رجاله ثم يعود، كانت المراقبة مستمرة، لكن (ر) لم يأت بفعل يدل على أنه يتاجر بالمخدرات حتى أن مكالماته التي كان يتم التنصت عليها كانت مكالمات عادية بل إنه في جميع تلك المكالمات كان ينفي عن نفسه أية صلة له بالمخدرات أو بعملية القتل التي وقعت في السجن.

بعد نحو أربعة أشهر انتهت المراقبة، وانشغلت الأجهزة الأمنية بقضايا أخرى كثيرة كانت تظهر كل يوم، ومع أن المراقبة أصبحت غير مشددة على (ر) إلاّ أنه بقي في دائرة الشك والمراقبة العادية، وليست المراقبة المشددة، فقد تم أكثر من مرة مداهمة يخته في عرض البحر ولم تجد الأجهزة الأمنية فيه شيئاً سوى السمك، رغم أنه في كثير من المرات كانت الشرطة تستخدم الكلاب البوليسية، إلاّ أنها لم تجد شيئاً يدل على وجود مخدرات. كانت الأجهزة الأمنية متأكدة بأن (ر) تاجر مخدرات إلاّ أنها لا تملك دليلاً مادياً على الاتهام وبدون دليل مادي فإنه سيخرج من أية قضية أقوى من السابق.

السقوط

في إحدى الليالي تم القبض على الابن الصغير ل(ر) والذي يبلغ من العمر (17 عاماً) وهو يقوم بإعطاء أحد المدمنين تلك الحبوب، حيث اُخذ إلى التحقيق. أثناء التحقيق مع الشاب اعترف بأنه أخذ تلك الحبوب من رجل يعمل مع والده وأنه يقوم بذلك بدون معرفة والده، تم الاتصال ب(ر) الذي جاء يبحث عن ابنه كالمجنون.

وعندما دخل إلى مركز الشرطة بدأ الضباط يمارسون عليه ضغوطاً نفسية، حيث أخبره الضابط أن ابنه غير موجود في المركز، ثم قال له إنه في غرفة التحقيق، وعندما طلب (ر) مقابلة ابنه رفض الضابط ذلك بحجة أن الشاب في غرفة التحقيق ولا يجوز لقاءه قبل انتهاء التحقيق معه، حتى لا يؤثر ذلك عليه.

بعد ساعتين طلب الضابط من (ر) أن يغادر المكان قائلاً له إن ابنه اعترف بكل شيء وانه سيتم تحويله إلى المحكمة غداً. جن جنون (ر) فإذا وصل ابنه إلى المحكمة فإن المحكمة ستسجنه سنوات عدة، وسيكون بذلك قد خسر ولديه وهما بالنسبة له كل ما يملك.

حاول (ر) أن يترجى الضابط وأن يقنعه بأن ابنه ليست له علاقة بهذه الحبوب وأن أحداً قد أثر عليه، لكن الضابط قال له إن هذا ليس من شأن الشرطة، فالشرطة مهمتها أن تحقق في الموضوع وتحيل القضية إلى النيابة، حيث سيتم الحكم على المتهم في المحكمة وليس في مركز الشرطة.

بدأ الرجل وهو يتصور ابنيه الاثنين خلف القضبان، فهو يعمل كل شيء من أجلهما، ويجمع المال من الحرام كي يبني مستقبلهما، فكيف يرميهما في السجن. أصبحت الصورة قاتمة أمامه والمستقبل أسود، لذا فكر بأن يقايض الضابط بأن يدخل هو بدلاً من ابنه، لكن الضابط رفض ذلك قائلاً إن هذا ليس عدلاً، فالمجرم يجب أن ينال جزاءه، قال الرجل إن ابنه صغير، وحتى السن القانونية، فأشاح الضابط بوجهه قائلاً له ان القاضي الذي سيحكم في قضية ابنك يعرف القوانين أكثر من أي شخص آخر. أحس الرجل بأنه لا مجال لإقناع الضابط بأن يدخل هو السجن بدلاً من ابنه، لذا بدأ يفكر في طريقة أخرى.

الرجل الثاني

خلال التحقيق مع الابن الأصغر ل(ر) عرف الضابط الرجل الثاني في العصابة وعرف انه هو الذي يدير كل العمليات، لذا بدأت الأجهزة المختصة البحث عنه. كانت الأوامر تقضي باعتقال الرجل الثاني دون أن يشعر أحد بذلك، خاصة (ر) وفعلاً تم ذلك، حيث قال له الضابط في أثناء التحقيق إنه إذا تعاون مع الشرطة فإنه سيصبح (شاهد ملك)، ولكن إذا لم يفعل فإنه سيدخل السجن لأن هناك دلائل كثيرة ضده.

أحس الرجل الثاني بأن الحلقة تضيق عليه، لذا وافق على مقايضة المعلومات التي لديه مقابل اعتباره مبلغاً ومتعاوناً مع الشرطة. بعد أن وعده الضابط بذلك بدأ الرجل يقول انه يعمل مع (ر) في تجارة المخدرات وان العصابة تتاجر فقط في حبوب الـ (Stion) لكثرة الطلب عليها.

وأضاف أن العصابة كانت تستورد تلك الحبوب من الخارج وهذا كان يأخذ وقتاً طويلاً، لذا قرر (ر) أن ينشئ لها مصنعاً في المنجرة، لكنه خشي أن يقع في يد الشرطة، لذا قام بشراء باخرة وجعلها بعيدة عن المياه الإقليمية نحو (2) ميل بحري، حيث ان المياه الإقليمية لأي دولة هي (12) ميلاً بحريا لذا رست الباخرة على مسافة (14) ميلاً بحرياً من الشواطئ الإقليمية.

وقال الرجل ضمن اعترافاته انه بعد سقوط ابنه الكبير في يد العدالة فكر في اختراق اتصالات الشرطة ومعرفة كيفية مراقبتهم له حيث طلب من ثلاثة من رجاله اصطحاب بعض السيدات في نزهة بحرية، وعندما يشاهدون زورقاً للشرطة يقوم أحد الرجال بإزالة الباب عن فتحة عملت خصيصاً في أسفل القارب.

حيث تبدأ المياه بالتدفق إلى داخل القارب وهنا يقوم الجميع بطلب النجدة من الشرطة خوفاً من الغرق، وعندما يتم إنقاذهم من قبل الشرطة ويصعدون إلى زورق الشرطة يقوم احدهم بوضع جهاز صغير للتنصت في مكان مخفي من الزورق دون ان تلاحظ الشرطة ذلك حيث سيكونوا مشغولين في إسعاف النساء والرجال. وقال الرجل ان هذه العملية تمت بالفعل وتم التنصت على الاتصالات التي كانت تتم بين زوارق الشرطة، وان (ر) كان يعرف متى تتم مراقبته ومتى تخف المراقبة عنه.

واستمر الرجل في اعترافاته قائلاً ان اليخت الذي يمتلكه (ر) فيه فتحة في أسفله وان الغطاسين كانوا يصلون إلي السفينة عن طريق تلك الفتحة حيث لا أحد يلاحظ حتى لو كان يراقب اليخت أن أحدا نزل منه إلى البحر وعندما كانوا يصلون إلى السفينة كانوا يدخلونها أيضا عن طريق فتحة في أسفلها حتى لا يلاحظ أحد ان غطاساً وصل إلى السفينة وصعد إليها أو نزل منها، ولهذا كان الغطاسون يأتون بالحبوب من السفينة التي هي بمثابة مصنع عائم ثم يعودون إلى يخت (ر) وكان كل ذلك يتم تحت الماء عن طريق غواصين متدربين.

وأضاف الرجل في اعترافاته أن (ر) كان يعرف أن الشرطة ستعترض طريقه وهو عائد من رحلة الصيد البحرية أم لا، من خلال تنصته على المكالمات التي كانت تتم بين زوارق الشرطة، ولهذا قبل أن تصل الشرطة إليه كان يقوم أحد الغطاسين بإلقاء الحبوب في عرض البحر من خلال الفتحة التي يخرج ويدخل منها الغواصون ولهذا عندما يتم تفتيش اليخت بالكلاب البوليسية المدربة فإن اليخت يكون خاليا من أية آثار للحبوب المخدرة.

وقال الرجل ان (ر) هو الذي خطط لقتل تاجر المخدرات في السجن وانه استخدم نفوذه المالي الكبير من أجل تنفيذ هذه الجريمة وان ابنه الكبير الذي في السجن كان الرأس المدبر لعملية القتل. وأكد الرجل بأن السفينة (المصنع) تتحرك في المياه الدولية فقط وأنه عند تسليم البضاعة يقترب يخت (ر) من السفينة على بعد (4) أميال بحيث يبقى اليخت في المياه الإقليمية في حين تبقى السفينة في المياه الدولية وأن الغواصين يقطعون تلك المسافة سباحة تحت الماء وهم مزودون بأنابيب الأوكسجين.

تم تشكيل قوة شرطة بحرية من (12) زورقاً لمهاجمة السفينة المصنع بعد ان تم تغيير شيفرة الاتصال بينهما في الوقت الذي تمت فيه مهاجمة اليخت أيضاً، حيث كان في عرض البحر في المياه الإقليمية لتلك الدولة. في أثناء المداهمة تم اعتقال (45) خبيرا وخبيرة أجنبياً كلهم ينتمون إلى دولة أوروبية شرقية حيث اعترفوا في التحقيق أنهم يصنعون تلك الحبوب وأن المصنع ينتج سنوياً أكثر من (5) ملايين حبة توزع على معظم دول العالم وان (ر) جزء من حلقة كبيرة من هذه العصابة الدولية. حكمت المحكمة على الـ (45) شخصاً بأحكام مختلفة تراوحت بين (5 ـ 25) عاماً. أما (ر) فقد انضم هو وابنتاه إلى نفس السجن.

أحمد سلطان