قال الشيخ: إذا اتفقنا على سوء ما نحن فيه وما يمكن أن نؤول إليه، وإذا شعرنا بعظم المسؤولية أمام أنفسنا وأجيالنا القادمة وقبل ذلك أمام الله ورسوله، فإننا يمكن أن نخطو خطوة أخرى هي خطوة الكشف والتشخيص.

ما حقيقة ما نحن عليه؟ قبل كل شيء لا بد أن نسأل هل نحن مسلمون حقاً؟ وهل نحن مؤمنون حقا؟ الإسلام شهادة ألوهية وربوبية، وهذا يعني ألا نصيخ السمع إلا لله وحده ولرسوله الذي أرسله، ولكننا لم نلتزم بهذا، وتاريخنا القريب وواقعنا يشهدان بأننا كثيراً ما استمعنا للشرق أو للغرب، وكثيرا ما سرنا وراء ضالين ومضلين فأين «لا إله إلا الله»؟

ثم إن «محمداً رسول الله» - تعني تصديقه بما نقل والأخذ عنه فيما نزل، وها نحن كثيراً ما انصرفنا وننصرف عن ركب محمد صلى الله عليه وسلم لنسير وراء فلان هذا وفلان ذاك، حتى مِلنا أو مال بعضنا إلى تقديس من لا يقدس، وتبجيل من لا يبجل، والاقتداء بمن لا يقتدى به، والأخذ ممن لا يؤخذ عنه.

والصلاة كما كان يقول واحد من علمائنا هي وعاء وداخله الذّكر، ونحن بين منصرف عن صلاته ومصلّ يركع ويسجد وهو شارد بعيدا لا يعي ما يتحرك به لسانه، فأين الذكر في صلاتنا وكيف لهذه الصلاة أن تنفع في دنيا أو آخرة.

والزكاة.. أكثر القادرين على دفعها منصرفون عنها، ودليل ذلك أن لو حسبت زكاة المسلمين على كل أموالهم الداخلة في حكم الزكاة ودفعت لما بقي فقير على وجه الأرض، ونحن ننظر إلى شعوب بأكملها تموت من الجوع بعد أن تصارعه طويلاً، وفيهم أطفال لا ذنب لهم إلا أنهم لم ينظر إليهم المتخمون ولم يدفعوا لهم حقهم في أموالهم.

ومن لا يدفع زكاة ماله- وهي نسبة ضئيلة رحمة من الله بالناس- لا يزكي نفسه ولا ينقيها من الجشع والطمع والبخل والشح، فهل يصلح أناس يحملون كل هذه الأدناس للسير في طريق بناء حضارة، ثم إن من حول هؤلاء سيقابلون جشعهم وشحّهم بحسدٍ وحقد لا دواء لهما إلا بالأخذ من حقهم الذي فرضه الله لهم، وأطرف ما يمكن أن تسمعه قول بعضهم إن كلاماً كهذا الكلام عزف على وتر الاشتراكية، والله شرع الزكاة قبل الاشتراكية ومن جاء بها بألف وخمسمئة عام.

والصيام جنة أي حماية ووقاية، وهو مغالبة يسيرة للنفس حتى تطيق القدرة على العمل والكفاح، وعلى الصبر والتحمل، وبناء الحضارات يحتاج إلى جهاد ومجاهدة وإلى تضحية وإيثار، فكيف يتصور لمن لا يطيق ترك طعامه وشرابه وأحياناً دخانه لساعات أن يغالب صعوبات البناء ويغلبها، أو أن يجاهد ويجالد جيوشاً معتدية فيصرعها.

أما الحج فرحلة دروس وعبر لو فقهها الحجاج لكانوا في حال أفضل من أحوالهم، فهنا بنى إبراهيم عليه السلام الكعبة فراح يتطاول فوق الحجارة ليرفعها فوق قامته حباً للتكليف وطاعة ومحبة لرب التكليف، وهنا ترك ابنه إسماعيل وأمه في صحراء موحشة واثقاً بالله أنه لن يضيعهما، وقد قبلت هاجر هذا طاعة منها لله وثقة به، وهنا سعت هاجر بين الصفا والمروة سبع مرات بحثاً عن ماء لرضيعها حتى انفجر ماء زمزم..

ولو أراد الحق لسقاها قبل سعيها ولكنه درس لنا في اتخاذ الأسباب والجهاد والكبد حتى يرزق المرء بالنتائج، وهنا استجاب إبراهيم وابنه إسماعيل للأمر بذبح الأخير حتى فداه الله بذبح سمين مع رضوان تنزل عليهما بعد أن صدقا ما عاهدا الله عليه، لو أننا تعلمنا إتقان إبراهيم في بنائه للكعبة، وثقة إبراهيم وزوجه بربهما عندما ترك هاجر وإسماعيل في الصحراء وغادر، وسعي هاجر الظمئة العطشى وكفاحها من أجل شربة ماء، والنزول عند أمر الله ولو على النفس والولد، أكان ممكناً أن نكون على ما نحن فيه.

هذا هو الإسلام الحق فأين نحن من كل هذا؟ يجب أن نعود لأنفسنا قبل أن نصل إلى سقوط أو هزيمة لا رجعة بعدها، ويجب أن نقر أن القرآن العظيم إن قال للأعراب يوم كان يتنزل قولوا أسلمنا ولا تقولوا آمنا، فإننا اليوم لم تتوفر فينا شروط الإسلام نفسه، ولعلنا نقول لمن يعيبنا: عيبوا علينا ولا تعيبوا على الإسلام فنحن لسنا مسلمين حقيقةً.

فإن قيل في المنتديات وغيرها: المسلمون متخلفون. وجب أن نقول: ولكن أين المسلمين؟ فالإسلام روح ليست فينا، وأن له معاني لا نعيها، وأن له قلبا لا ينبض في أجسامنا، وأن له باطنا وقد اكتفينا بالظاهر، وأن له لبا ولم نحقق القشور.

ماهر سقا أميني