لا يزال الحوار بين الأديان يبارح مكانه، فما أن يتقدم هذا الحوار خطوة حتى يتراجع خطوات بفعل بعض الممارسات أو التصريحات المثيرة للمشاعر، فلماذا لم يحقق الحوار بين الأديان أهدافه حتى الآن؟ وهل يمكن أن يثمر مثل هذا الحوار عن نتائج إيجابية في ظل الحملات التي يتعرض لها الإسلام والمسلمون في الغرب والإساءات التي يتعرض لها نبيه صلى الله عليه وسلم؟ وإلى أي مرحلة وصل الحوار وما الدور الذي تقوم به لجنة الحوار بين الأديان في هذا الصدد؟ هذه الأسئلة وغيرها أجاب عليها د. علي السمان رئيس لجنة الحوار بين الأديان في مصر.

* إلى أين وصل الحوار بين الأديان وهل هناك صراع؟

ـ الحوار بين الأديان يجب أن يكون حواراً فعلياً أكثر من مجرد دعاوى تتردد بين فترة وأخرى، ويجب ألا نتطرق إلى العقائد الدينية خلال أي حوار بين الأديان لأن ذلك سيؤدي لمزيد من الخلافات بدلاً من الاتفاق، أما بالنسبة للصراع فلا يوجد صراع بين الأديان، ولكن ما يحدث حالياً هو صراعات سياسية على مناطق النفوذ بعيداً عن الأديان، ولكن مع ذلك فيجب أن نأخذ في الاعتبار أن رجل الدين يتكلم وينصح، ولكن تنقصه الأداة التنفيذية للحوار، والإعلام قد يكون هو الأداة التي تنقص رجال الدين ومن هذا المنطلق فأنا أطالب بضرورة إقامة مائدة مستديرة تضم عقلاء رجال الإعلام في الغرب والعالم الإسلامي لإقرار مصالح تاريخية فيما يتعلق بقضايا التعامل مع الأديان.

* بصفتك رئيساً للجنة الحوار بين الأديان لماذا وصل مستوى الحوار بين العالمين الإسلامي والمسيحي لهذه الدرجة؟

ـ نحن نختلف مع بابا الفاتيكان في التصريحات التي قالها، كما إننا نؤمن بأنه لا يوجد قداسة لقيادة دينية، وبالتالي فإن باب النقد مفتوح، والفكر الإسلامي يقوم على التصالح والتواءم بين العقل والمنطق، فالإسلام ليس كما قال البابا تجاهل للعقل والمنطق، كما أن البابا اتهم الإسلام ظلماً بأنه دين عنف، على الرغم من أن الدين الإسلامي يقوم على قاعدة أساسية وهى أنه «لا إكراه في الدين»،

ونحن نعلم أن قيادات الفاتيكان تعرف للإسلام قدره، وهو ما كان معروفاً عن بابا الفاتيكان الراحل الذي عرفته شخصياً وأحببته واحترمته، واذكر اللقاء التاريخي في مدينة «سيزي» الذي سمي بلقاء «السيزي» وقتها كان يحيط بالبابا الراحل جميع رجال الأديان قاطبة في مشهد لا يخلو من دلالة، والأكثر من هذا أن اختيار البابا لمدينة «سيزي» لعقد اللقاء كان رسالة موجهة خصيصاً للمسلمين نظراً لأنها مولد القديس فرانسوا الذي أنشأ طائفة الفرانسيسكان والمعروفة في مصر بـ «الليسية» وهو من القيادات الكاثوليكية النادرة إن لم تكن الوحيدة التي اعترضت على الحروب الصليبية.

* لكن مع ذلك لا يزال الإسلام يتعرض للهجوم وتوجه له اتهامات زائفة؟

ـ ولذا فإن علينا في كل الأحوال أن نحكم العقل وروح المسؤولية في ردود أفعالنا، ويجب أن نأخذ في الاعتبار أن ديننا الحنيف يرفض تعميم المواقف، ونذكر هنا موقف الكنائس الشرقية التي رفضت تصريحات البابا، وكنا نتوقع قيام البابا بإلقاء بيان بنفسه يوضح فيه ما قاله،

وفي هذه الحالة سيكون من الواجب علينا سماعه والتدقيق فيما يقوله، وأنا شخصياً لا أريد حدوث تطور درامي في العلاقات بين المسلمين وغيرهم حتى لا نقدم هدية من ذهب إلى خصومنا خاصة إسرائيل المستفيدة بمثل هذه الأزمات تماماً كما حدث في أزمة الرسوم المسيئة للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، والتي نشرتها الصحف الدنماركية، ومن هنا فيجب علينا ضبط رد الفعل فالأزمات والمشاعر لا تمنع النداء للعقل.

* على من تقع مسؤولية التقارب بين الشعوب والأديان هل على الحكومات أم على العلماء أم على الشعوب نفسها؟

ـ التقارب مسؤولية حكومات ومؤسسات، ومن هنا يجب أن تضافر الجهود ونعمل من أجل تصحيح الأوضاع الخاطئة من أجل الحصول على حقوقها كاملة.

* هل تعتقد أن لجنة حوار الأديان حققت الأهداف المرجوة منها؟

ـ لم تحقق جميع أهدافها ولكن نعمل على تحقيق ما نستطيع من أهداف في هذا الصدد، فتحقيق هذه الأهداف يحتاج إلى جهود جبارة، وإمكانيات مادية وبشرية كبيرة على كافة المستويات.

* يتعرض الإسلام من وقت لآخر للهجوم بدعوى أن الجهاد دعوة للقتل والاعتداء على الآخرين.. ما تعليقك على هذا؟

ـ إذا نظرنا لمفهوم الجهاد فإنه يعني الدفاع عن النفس وهذا حق مشروع إنسانياً وتاريخياً، ولذلك يجب علينا توضيح أهمية هذا المنهج الإسلامي الذي يعظم دور الجهاد ضد الفئة الطاغية، لكن في نفس الوقت فهناك بعض المسلمين الذين يقدمون أنفسهم بشكل يسيء للإسلام والمسلمين، ولا يمكن أن نهمل هنا عاملاً مهماً هو استمرار القضية الفلسطينية بدون حل، وإذا استمرت هذه القضية بدون حل حتى الآن فمعنى ذلك أن هذه المنطقة مرشحة للمزيد من المشكلات خاصة في ظل ما يتعرض له الفلسطينيون والانتهاكات التي تتعرض لها المقدسات الإسلامية.

* في كتابك «أوراق عمري» تبرز دور اليهود المعتدلين، وتعرض لنماذج شخصيات يهودية مدوا يد المعاونة لك، ألم تخش أن يساء فهم ما كتبت؟

ـ قصدت من كتابي أن أؤكد على رفض التعميم، ومنطقياً أنا لا أستطيع أن أسوي بين المتطرفين من أنصار اليمين المتطرف والذين يعتدون على الأبرياء من أبناء الشعب الفلسطيني وبين شخصيات يهودية بعينها التقيت بها في حياتي، وقدمت نماذج للشخصية اليهودية المعتدلة، ننكر مواقف شخص مثل «كريسكي» مستشار النمسا السابق وهو يهودي ومع ذلك كان أول من أخذ بيد عرفات لدخول أوروبا،

وهناك نموذج آخر هو «كارل كاهان» اليهودي رجل البنوك الذي كان أول من ساعد جمعية السلام مالياً، وذلك لخلق بعض الضغوط في الشارع الإسرائيلي على «بيجن» من أجل التوصل لاتفاق سلام مع مصر، كما أنني لا أنسى أن أول من علمني الإعلام في باريس كان «أندريه لولمان» اليهودي صاحب أول جريدة للسياسة الخارجية في فرنسا، كما أنه قد سمح لي خلال فترة الستينات بأن أدافع عن الحق العربي من خلال جريدته، ومع ذلك فلم يحدث أن ظهر رد فعل يدعي أنني لا أخدم القضية العربية.

القاهرة ـ محمد نور الدين (وكالة دار الإعلام )