«محمود علي البنا.. صوت تحبه الملائكة» هو عنوان كتاب الصحافية آمال البنا، التي نسجت فيه من خيوط الذاكرة نفحات نورانية من حياة والدها، في رحلته مع القرآن الكريم، هذا المقرئ الذي جمع بين جمال الصوت والصورة، فوصفته الصحافة بالشيخ الأنيق.

وقد حرصت ابنته في فصول كتابها على تجاوز ما يعرفه الناس عنه كشيخ معروف إلى ما لا يعرفونه عنه كإنسان، فدعت نجوم المجتمع والصحافة والإعلام ممن عاصروه وصادقوه إلى الحديث عنه، وبحسها الصحافي قطعت رحلة طويلة ممتعة، طافت من خلالها بالأماكن التي عاش فيها في مراحل حياته المختلفة، من ملاعب قرية «شبرا باص» إلى مدرسته في طنطا، واستوديوهات الإذاعة، بالإضافة إلى رحلة أخرى قطعتها بين الأوراق، تجمع الوثائق والمعلومات لتحويلها إلى مادة صحافية داخل الكتاب، الذي تقول في مدخله: «لأكون بهذه التجربة قد عشت حياتي مرتين، مرة في حياته ومرة أخرى بعد رحيله».

تقول المؤلفة: «كان الحاج «علي البنا» ينادي ربه نداءً خفيًا ليرزقه بالولد، فلم يسمع أحدٌ بهمسه، وما رأى أحدٌ دموعه إلا زوجته عندما مر من أمامها للصلاة ذات مرة بعد أن قطع أذان الفجر خلوته، وكانت زوجته هي الأخرى تطوي بين ضلوعها آلامًا تفوق آلامه إذ كان شعورها بالعجز عن إنجاب الولد»: تضيف المؤلفة: «مرت الأشهر الباقية من حمل زوجته بطيئة ثقيلة كأنها الدهر كله، حتى جاءت ليلة تحقيق الأمل، لحظات عصيبة عاشها ثلاثتهم هو وزوجته وابنته الوحيدة.

وهذه المرة كان الدعاء مختلفًا عن كل المرات السابقة، إذ كان التسليم بأمر الله هو المراد عندما نظر الحاج «علي البنا» للسماء وهو يقول: «يا رب .. يا رحمن .. يا رحيم.. إن تعذبنا فإننا عبادك، وإن تغفر لنّا فإنك أنت الغفور الرحيم»، وفجأة قطع صراخ المولود الدعاء، صراخ مولود !! ولم يصدق أن الله استجاب لدعائه، ونذر الحاج «علي البنا» لمولوده الجديد «محمود» للقرآن، وربط النعمة لحظة تلقيها بالمنعم سبحانه وتعالى، وكان نبتة طاهرة رعاها الله بنور القرآن منذ ميلاده.

وتبدأ المؤلفة رحلة الشيخ «محمود البنا» في حفظ القرآن الكريم قائلة: «مرت الأعوام الخمسة على إتمام الصغير حفظه للقرآن، كان يذهب ويجيء خلالها من وإلى الكُتَّاب، حاملاً حقيبته المتواضعة، التي يحمل بداخلها الألواح والطباشير، وكل يوم واجب جديد حتى صار في سرعة حفظه للقرآن أشبه بقطعة الإسفنج التي لها قدرة على سرعة امتصاص ما تتعرض إليه في أقل وقت.

حتى جاء يوم حصاد الجهد يوم تحقيق الحلم، وأعلن معلم الكُتَّاب «محمود» ابن الحاج «علي البنا» جديرًا بختم القرآن الكريم، وخاتم القرآن في القرية يصبح في مصاف العلماء فإذا ما ختم القرآن وصفونه بالمعلم، إذا كان للعلم في القرى جلال ليس لمثله في المدن، وكان علماء الريف يختلفون عن علماء المدن لندرتهم، وتتطرق المؤلفة إلى التحاق الشيخ بالإذاعة قائلة: «وقف ساعي البريد أمام بيت الشيخ محمود علي البنا بشبرا ينادي على اسمه، ويطلب توقيعه على استلام خطاب.

وما إن تسلم «الشيخ» الخطاب إلا واكتشف في لحظتها أنه من الإذاعة، وأن لجنة القراءة تطلب منه الحضور في موعد محدد، بعد أيام من استلام الخطاب للاختبار أمام لجنة القراءة، وجاء يوم الاختبار ليجيب على حيرته، عندما جلس أمام لجنة القراءة بالإذاعة، وتوالت الأسئلة حول القراءات العشر للقرآن الكريم مثل رواية حفص وورش وحمزة والكسائي وغيرها، فتعرفت اللجنة على مدى دقة الشيخ في الحفظ والإلمام بالمتشابهات، وهكذا كانت الدقة البالغة في اختبارات القبول بالإذاعة العام 1948م .

وتروي المؤلفة علاقة الشيخ محمود بفريق العمل الإذاعي داخل الأستوديو قائلة: «عن هذه العلاقة قالت الإذاعية اللامعة «آمال فهمي» كان «الشيخ البنا» هادئًا،متزناً صاحب شخصية رصينة شديدة التواضع، وكان يحترم عمله بشدة، وكان يظهر ذلك في احترامه لمواعيد الإذاعة، ومواعيد التسجيلات، وكان «للشيخ البنا» ـ رحمة الله عليه ـ مجموعة جماليات شكلية وموضوعية اجتمعتا في شكل رجل واحد، وهبه الله نور القرآن الكريم في قلبه فانعكس على ملامحه فأصبح جميل الطلعة، وكان يتسم بالأناقة البالغة.

ولذلك كنا نطلق عليه «الشيخ الأنيق» لألوان ملابسه الأزهرية، وتناسقها مع باقي مفردات مظهره، وهو ما اكسبه حب جميع من تعامل معه»، وبعد حياة مع القرآن الكريم، وفي صباح يوم 20 يوليو العام 1985 خرجت «شبرا باص» كلها كبارها وصغارها، رجالها ونساءها وأطفالها، لوداع «الشيخ محمود» الوداع الأخير الذي شهدت في وداعه، أكبر وأفخم جنازة يمكن أن تشاهدها هذه القرية في تاريخها كله، وفي القاهرة اكتظ مسجد الحسين بأهل «الشيخ البنا» حتى فاض بهم فخرج الكثير منهم إلى ساحة المسجد، جاءوا جميعًا لوداع الشيخ «محمود علي البنا» وكان إمامهم الشيخ «محمود متولي الشعراوي».

القاهرة ـ أيمن عثمان (دار الإعلام)