أكد المستشار عبدالوهاب عبدول رئيس المحكمة الاتحادية العليا في ختام فعاليات المؤتمر الدولي لرؤساء المحاكم العليا في العالم أن الشريعة الإسلامية تستوعب حركة الحياة اليومية في كل زمان ومكان طبقت فيه، وتعطي الحلول القانونية داخل المجتمعات العربية الصحراوية والحضرية، وبنفس الكفاءة تعطي الحلول المناسبة لمشاكل حركة الحياة اليومية داخل المجتمعات الإسلامية غير العربية الحضرية منها والزراعية والرعوية وغيرها.
وأضاف بأن الشريعة الإسلامية أوجدت الحلول للعربي البدوي في قلب الصحراء أو في أرض الحضارات في بلاد الرافدين ومصر وأعطت وبذات المقدار الحلول والقواعد القانونية للفارسي والهندي والاندونيسي والفترات الأخرى اللاحقة بدءاً من عهد الممالك الإسلامية، مروراً بالعهد الاستعماري الأوروبي للدول الإسلامية، وانتهاء بالعصر الحديث، وحتى وقتنا الحاضر.
جاء ذلك في الورقة المتخصصة التي قدمها عبدول أمس للمؤتمر الدولي لرؤساء المحاكم العليا في العالم والذي تنظمه وزارة العدل بالتعاون مع دائرة قضاء أبوظبي في فندق أنتركونتنتال أبوظبي بمشاركة 32 رئيس محكمة عليا ينتمون إلى مختلف الأنظمة القانونية في العالم ونحو 300 رئيس محكمة وقاض وأساتذة قانون وقضاة بالدولة.
وكانت فعاليات المؤتمر اختتمت أمس في ساعة متأخرة بعد مناقشة 17 ورقة علمية متخصصة دارت حول مستقبل القضاء والقانون والعدالة والنظام القضائي في القرن الواحد والعشرين ومجالات تحاور الشريعة الإسلامية كنظام قانوني مع غيرها من الأنظمة القانونية الكبرى في العام وحماية حرمة الحياة الخاصة والقانون المقارن في الشريعة الإسلامية والطعن بالأحكام القضائية ومبادئ النظام الجنائي ومع التركيز على قانون العقوبات (في الدولة) والتنظيم القضائي في الإسلام والشريعة الإسلامية كمصدر لقانون المعاملات المدنية في دولة الإمارات العربية المتحدة.
وأشار عبدول في ورقته إلى أن الاختلاف يؤدي إلى تنوع التشريعات التي تضبط السلوك الاجتماعي للفرد داخل وخارج مجتمعه ودولته. وقال لما كان تحقيق الأمن والاستقرار والسلام داخلياً ودولياً من بين أهداف أي تشريع، فإن هذا الهدف لن يتحقق، ما لم ينظر إلى العلاقة بين الأنظمة القانونية المختلفة على أنها علاقة تجاور، مهما اختلفت في أسسها العامة أو خصائصها أو مصادرها أو وسائل تطبيقها مستشهدا بقوله تعالى «ولو شاء ربك لجعل الناس أمةٌ واحدٌ ولا يزالون مختلفين».
وأكد أنه لا يشترط للقول بتوافر التجاور، أن تتماثل النظم القانونية جميعها تماثل انطباق، أو أن تتساوى في أحكامها تساوي الميزان، بل يكفي أن يكون التماثل أو التساوي في الأسس الكلية دون التفصيلات الجزئية، وفي الأهداف دون الوسائل، فالوفاء بالعهد، وتنفيذ العقود بحسن نية، وأصلية براءة الإنسان، ومساواة البشر جميعاً، هي من الأسس الكلية لأي نظام قانوني وتحقيق العدل والمساواة، والأمن والسلامة، والتنمية ولرفاه، أهداف رئيسه لأي نظام قانوني.
وأشار إلى أهمية إنتاج قواعد عامة للسلوك تنظم حياة ومصالح جماعات تنتمي إلى حضارة واحدة، أو أمة واحدة، متى كانت تلك القواعد على وفاق مع الأنظمة القانونية الأخرى السائدة في المجتمعات أو الحضارات الأخرى، حتى وإن اختلفت تلك المجتمعات في دياناتها، ولغاتها، وقربها وبعدها الجغرافي، ورصيدها الحضاري.
وقدم أمثلة على التنافر أو التضاد مع الأنظمة القانونية الأخرى، مشيرا إلى أن الشريعة الإسلامية لا تُعطي لأتْباعِ ديانةٍ معينة صفة الإنسان، وتضفي على من عداهم صفة الحيوان أو تقضي شريعة أخرى بجواز أخذ مال الغير خلسة أو تدليساً أو غصباً وتعتبر هذا الأخذ مصدراً للملكية مضيفا وعندما يقضي نظام قانوني ما بجواز قتل الأجنبي وبالمقابل.
وذكر أن الوفاق بين الأنظمة يكون قائماً إذا كان أحدها يَعتَبر البلوغ معياراً لِسن المسؤولية الجنائية الكاملة، بينما يعتبر الثاني بلوغ الإنسان سنا معينة هو المعيار لبلوغ سن المسؤولية الجنائية «الرشد الجنائي» ويُعتبر الوفاق قائماً كذلك حينما تقرر شريعة ما أن المضرور يستحق تعويضاً عن الضرر، لكنها تقّدر هذا التعويض بمبلغ محدد، بينما تترك شريعة أخرى تقدير التعويض الجابر للقاضي، فالشريعتان تتفقان على أن المضرور يستحق التعويض.
وأوضح رئيس المحكمة الاتحادية العليا بالدولة أن أساس الشريعة الإسلامية هو الدين الإسلامي، فأحكام هذه الشريعة (النظام القانوني) منزلة من السماء إما على شكل وحي متلو (قرآن كريم )، أو على شكل سنة نبوية (قولية أو فعلية أو تقريرية) وحتى في الحالات التي شرعت فيها الأحكام أخذاً بالرأي البشري، فإنها تعد كذلك أحكاماً ذات صبغة دينية لأنها مستمدة ومستنتجة أساساً من القرآن أو السنة.
وقال هذا الأساس الديني يعطي لهذه الشريعة خصوصيتها من حيث أنها نظام قانوني، فأتباع هذه الشريعة والمؤمنون بها، يرون أن تطبيقها والخضوع لأحكامها يقوم على المعنيين الإيماني التعبدي، والمعنى القانوني العملي وأن بعض أحكامها غير قابلة للتغيير أو التبديل لأنها مبنية على أدلة قطعية من القرآن والسنة.
أبوظبي ـ إبراهيم السطري
