أكد مديرو ومسؤولو الجمعيات الخيرية والإنسانية في الدولة أن الوقف الخيري الذي تقيمه أي جمعية خيرية أو مؤسسة ذات نفع عام يعتبر العمود الفقري وأمرا ضروريا لبقاء المؤسسة واستمرار مسيرتها في دعم الفقراء والمحتاجين وذوي الدخول المحدودة، وتقديم خدماتها للمجتمع.

وأشاروا إلى أهمية نشر الوعي الخيري والإنساني لدى الناس وثقافة التطوع والوقف التي كانت لدى أسلافهم وذلك من أجل الارتقاء بجميع الخدمات المقدمة للمستفيدين من هذه الجمعيات والمؤسسات.

وأوضح مديرو ومسؤولو الجمعيات الخيرية فضل الإسلام في هذا الجانب ودور المسلمين منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى الآن في انتشار الأوقاف المتنوعة والتي لا تزال شاهدة على روح التكافل لدى الأمة الإسلامية.

وقالوا إن الإسلام أباح للإنسان أن يقف على أهله وذريته وأقربائه ليساعدهم على ما يواجههم في حياتهم من مصاعب ومفاجآت، انطلاقاً من مفهوم: الأقربون أولى بالمعروف، وهذا ما يعرف بالوقف الأهلي أو الذري، والوقف على غير الأقارب من عامة الناس.

حيث يبادر الراغب في فعل الخير، إلى تقديم المنافع والخدمات المجانية إلى أصناف وفئات متنوعة في المجتمع كما فعل عثمان بن عفان رضي الله عنه حين وقف بئر رومة لعامة سكان المدينة وهذا ما يسمى الوقف الخيري العام.

نظرية اقتصادية

ويرى ميرزا الصايغ نائب رئيس هيئة آل مكتوم الخيرية أن الوقف الخيري نظرية اقتصادية تساهم في المسيرة الإنسانية لأية هيئة أو مؤسسة وتدعم برامجها ومشاريعها وتساعد على الادخار وكبح جماح التضخم، داعيا الجمعيات والمؤسسات الخيرية بتنفيذ هذه المشاريع دعما لموازنتها حتى لا تتعرض للهزات ووقف للمشاريع التي تقوم بها وتنفذها.

وأكد الصايغ أن هيئة آل مكتوم الخيرية تقدم المساعدات للدول الفقيرة، والمساعدات للفقراء الذين يعيشون في بعض الدول ويحتاجون لمن يقف بجوارهم، وخدمة التجمعات السكنية الفقيرة التي تعيش بعيدة عن دائرة اهتمام المؤسسات والهيئات الإنسانية الدولية وخاصة في معظم مناطق أفريقيا.

وقال إن الهيئة بفضل الله سبحانه وتعالى وبفضل راعيها سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي وزير المالية والصناعة حققت على صعيد العمل الخيري والإنساني العديد من الانجازات التي غطت كل قارات العالم بلا استثناء، إضافة إلى الأعمال الكثيرة داخل الإمارات وفي عمر قصير بحساب السنوات. وأضاف أن راعي الهيئة والداعم والمساهم الوحيد فيها سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم.

أفضل الطاعات

وقال محمد عبيد بن غنام الأمين العام لهيئة آل مكتوم الخيرية إن الوقف الخيري أرسى معالمه الإسلام منذ بزوغه وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى ذلك العمل الطيب لما فيه من فائدة كبيرة تعود على المسلمين وعلى صاحب الوقف في حياته وبعد وفاته.

وقد رغب فيه الإسلام واعتبره من أفضل الطاعات المستمرة التي يتقرب بها المسلم إلى خالقه عز وجل ونحن جميعا نعرف حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له».

وأكد بن غنام أن الصحابة رضوان الله عليهم تركوا خلفهم أوقافا وأرضا ومنازل وآبارا موقوفة لخدمة ومساعدة الأقارب وفقراء المسلمين وأيتامهم، وأوقافا خاصة للمساجد. وقال إن الجمعيات الخيرية والإنسانية في الدولة بدأت في الوقف الخيري من أجل استمرارية دعم ومساعدة المحتاجين المسجلين لديها حيث إن الوقف له إيراده الجاري والمستمر، على عكس الاعتماد على ما يجود به أهل الخير والمحسنين.

مساهمة المحسنين

وأوضح محمد بكار بن حيدر مدير عام جمعية بيت الخير ان نظرتنا للوقف الخيري سواء كان هذا الوقف لجمعية خيرية أو مؤسسة ذات نفع عام أمر ضروري وهو العمود الفقري والرئيسي لبقاء المؤسسة، ولو جئنا لجمعية بيت الخير فإنها تدين بالشكر والعرفان لرئيس مجلس إدارتها رجل الأعمال جمعة الماجد صاحب فكرة إنشائها.

وهو الذي بادر وأوقف لها مبنى «الخليج هوليداي» رغم أن كثيرين رأوا أنه تعجل بإيقاف مبنى ضخم لجمعية وليدة ناشئة، ولكن عمق رؤيته أظهرت أن الجمعيات والمؤسسات يجب ألا تعتمد على تبرعات المحسنين فقط رغم سخائهم في دفع زكاتهم أو صدقاتهم وأراد من مبادرته أن تعيش الجمعية وتنجو من نقص الإيرادات خاصة في سنواتها الأولى.

وأشار بن حيدر إلى أن أكبر دخل كان من الوقف عند بدء عمل الجمعية أما الآن وبعد زيادة برامجها واتساع نشاطها فإن نسبة مساهمة الوقف في دعم الجمعية وصل من 15% إلى 17% من الإيرادات، ليصل في عام 2007 إلى 20% من دخل الجمعية، مؤكدا أن النقص في مساهمة الوقف ليس راجعا إلى تناقص الوقف وإنما لزيادة مساهمة المحسنين.

وبين أن مجلس الإدارة أراد أن يكون للجمعية دخل ثابت ومستمر لتستمر أعمالها الإنسانية وقد تلا ذلك عدة أوقاف بشكل متتابع لصالح بيت الخير وأغلبها من مؤسسي الجمعية أو من الدائرة الأقرب لهم، الذين آمنوا بإنشاء وإقامة جمعية خاصة بمواطني الدولة تقوم بتقديم المساعدات لجميع المواطنين ذوي الدخل المحدود وبدون تفرقة ورفعت منذ بدايتها شعار «من الإمارات وإلى الإمارات».

وأضاف بن حيدر أن الجمعية سعت إلى إيجاد أوقاف منها ما هو خاص بمشروع معين كمشروع كفالة الأيتام أو طلبة العلم أو مشروع الأسر المتعففة، ومنها ما هو عام للإنفاق على جميع الأنشطة. وقال إن بيت الخير قامت بمبادرة لإنشاء أوقاف ممنوحة من المحسنين.

وقامت خلال الأعوام الماضية ببناء خمس أو ست بنايات بلغت التكلفة الإجمالية لها ما يزيد عن خمسين مليون درهم، موضحا أن الخطة التي وضعتها الجمعية تتضمن بناء وقف كل عامين، مؤكدا أن التوفيق كان من الله سبحانه وكان أكثر من التخطيط، ويقول: كنا نصل إلى نهاية الفترة الموضوعة ولا نجد أن شيئا في الأفق قادم، ونفاجأ بأحد المحسنين يقوم بدعم المشروع.

وقال: نخطط لطرح مشروع ضخم في إمارة رأس الخيمة على الأرض وهي قطعة أرض متميزة، ونحن بصدد الانتهاء من المخططات. وقال إن الجمعية عليها أعباء ليست بسيطة فهي تقدم المساعدات للأسر المواطنة وللمواطنين لفترة طويلة من الزمن وعلى أكمل وجه.

وستركز في المستقبل على هؤلاء، ففي العام الماضي استطاعت الجمعية أن تجمع حوالي 100 مليون درهم، وكنا نقدم مساعدات شهرية لأكثر من خمسة آلاف أسرة، وأما طموحنا في هذا العام أن يزيد هذا المبلغ بنسبة 20% من إيرادات العام الماضي، حيث سيتم تقديم المساعدات لأكثر من هذا العدد.

شروط محددة

وقال سعيد مبارك المزروعي نائب مدير عام جمعية بيت الخير لشؤون البحث والأفرع إن الوقف الخاص بالجمعيات الخيرية ينقسم إلى نوعين: الأول هو ما يقوم به أحد المانحين من أهل الخير والمحسنين الذي يقوم بإيقاف بناية أو من خلال طرح الجمعية لوقف معين ودعوة المتبرعين للمشاركة فيه وتمويله.

وأكد أن ميزة الوقف لأي جمعية خيرية أو مؤسسة إنسانية أو ذات نفع عام هو ديمومة الإنفاق على المشاريع والبرامج وسواء كانت هذه المشاريع خيرية هدفها الإنفاق على ذوي الدخل المحدود أو على برامج ثقافية أو صحية أو دينية مثلما نجده في جميع دول العالم الإسلامي.

وأوضح سعيد مبارك المزروعي أن هناك من المانحين يكون له شروط محددة في الإنفاق من وقفه كأن يتم صرف جزء منه على أقاربه والجزء الآخر للجمعية، وهناك الوقف الكامل للجمعية تقوم من خلاله بالنفقة والمساعدة للمواطنين والأسر المتعففة.

وقال المزروعي إن الإسلام كان سباقا في هذا المجال وكانت دعوة النبي لأصحابه تشمل وقف الآبار للمسلمين ووقف الأراضي والبساتين والدور على الأقارب وعلى فقراء المسلمين، وإذا أمعنا النظر في اهتمام الإسلام بالوقف فنجد أن ريع الوقف أكثر استقرارا وأمانا للفقراء والمحتاجين من الصدقة التي تنتهي بمجرد أخذها وصرفها.

صدقة جارية

ويقول أحمد مسمار أمين سر جمعية دبي الخيرية إن الوقف الخيري من أبواب الصدقات التطوعية التي يخرجها المسلم من ماله ويجعلها صدقة جارية لوجه الله سبحانه وتعالى تنفق في أوجه البر المختلفة، وأشار إلى أن أهمية الوقف تكمن في أن أعمال البر والخير غير مقصورة على باب واحد فهي بحاجة إلى تمويل دائم.

مؤكدا أن هذا المشروع خير سبيل لرفد أبواب مصارف الوقف بالمال اللازم بصفة دائمة، ومن هذه المصارف: مصرف رعاية المساجد ومصرف حفر الآبار ومصرف رعاية الفقراء والمحتاجين ومصرف خدمة القرآن ومصرف كفالة الأيتام ومصرف كفالة ذوي الاحتياجات الخاصة.

وأضاف أن دبي الخيرية لها بناية موقوفة في منطقة الصفية ومجموعة من المباني السكنية إضافة إلى المستودعات الخاصة بالجمعية، ودعا احمد مسمار المحسنين وأهل الخير إلى المساهمة في مشروع الوقف سواء بتوقيف المباني أو المستودعات أو المبالغ النقدية، ومؤكدا أن الدولة اليوم تشجع على الوقف الخيري.

وقال إن الجمعية بدأت سعيها على درب الخير والعطاء في عام 1994م، وبدأت من عام 2003 إلى فتح حساب خاص للوقف، مبينا أن هناك العديد من المشاريع التي تقوم بها على مستوى الدولة. وأما على المستوى الخارجي فقال إن الجمعية تعمل على بناء المساجد والمدارس والمستوصفات وحفر الآبار وكفالة الأيتام وتنفيذ المشاريع الرمضانية وغيرها.

اهتمام كبير من الإسلام بالوقف

اهتم الإسلام بالوقف اهتماما كبيرا، كما استند الفقهاء في تأصيلهم للوقف إلى أدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية والإجماع. ومن الآيات الكثيرة التي تحث على عمل الخير وإعطاء الصدقات التي يتقرب بها إلى الله عز وجل قوله تعالى«لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون»، وقوله تعالى: «وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون»، وقوله عز وجل: «وما تفعلوا من خير، فلن تكفروه».

وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدة أحاديث تشير إلى مدى أهمية الوقف منها ما روي عن نافع بن عمر رضي الله عنهما قال: أصاب عمر أرضا بخيبر، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها قال: يا رسول الله إني أصبت أرضا بخيبر، لم أصب مالا قط هو أنفس عندي منه، فقال: «إن شئت حبست أصلها وتصدقت»، وأخرج ابن ماجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن مما يخلف المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما نشره، أو ولدا صالحا تركه، أو مصحفا ورثه، أو مسجدا بناه، أو بيتا لأبناء السبيل بناه، أو نهرا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه بعد موته».

تحقيق: السيد الطنطاوي