كان يهيم عشقاً في تلك الديار، فمنذ أن أنعم الله عليه بالملايين وهو يقضي معظم وقته في عاصمة تلك البلاد ثم انتقل بعد ذلك للريف ليصطاد الأرانب البرية وهو يمتطي حصانه مع غيره من الرجال الذين كانوا يضعون القبعات على رؤوسهم وتصحبهم كلابهم (السلوقي) في رحلات الصيد تلك.

أعجب جداً بالريف الجميل، حيث صفاء سمائه ونقاء جوه من الغازات التي تفرزها المصانع الكثيرة هنا وهناك في المدن العملاقة، أما اللون الأخضر فقد كان يكسو الأرض طوال أيام العام.

فيلا على أطراف المدينة

عندما انضم إلى النادي الذي ينظم رحلات الصيد أقام حفلة كبيرة كانت حديث المجتمع لمدة أيام حتى أن صحف «التابلويد» بدأت تطارده كما كانت تطارد أميرة تلك البلاد قبل أن تقتل في حادث غامض.

عندما بدأت الصحف تتناقل أخباره، فرح كثيراً وزاد حبه لتلك البلاد، لذا قرر أن يتوج هذا الحب بزواج من إحدى الفتيات اللواتي كن يملأن طرقات النادي ذهاباً وإياباً. أحب إحداهن حباً جماً، كانت الفتاة جميلة ولا يستطيع أي رجل أن يقاوم جمالها، ثم إنه يمتلك الملايين وهو قادر بها أن يشتري كل شيء.

الشيء الوحيد الذي كان ينغص عليه كل مشاريعه مع هذه الفتاة هو أنها لا تتجاوز ال(23) عاماً، أما هو فقد أصبح على مشارف الستين، كما أن له من الأولاد والبنات ما يزيد على عدد أصابع اليد، وله أيضاً من الأحفاد ثلاثة. وأخيراً حسم الرجل أمره وتقدم لخطبة الفتاة واشترى لها هدية الخطبة فيلا على أطراف العاصمة، كما اشترى لها سيارة ثمنها نحو (000,240) يورو.

أما خاتم الخطبة فقد كان مصنوعاً من الألماس الخالص، ويحمل بصمات الجواهرجي الذي صمم خاتماً مماثلاً للفنانة (كيلي ميونغ). لم يشأ (ر) أن يخبر أسرته بزواجه لأن ذلك كالعادة سيثير سخطهم، وانتقل الرجل وزوجته (س) إلى الفيلا. كانت خطته أن تبقى زوجته في بلادها تستمتع بالفيلا والسيارة والرصيد الضخم الذي وضعه لها في أحد البنوك على أن يعود هو إلى بلاده ليقضي بعض الأعمال ثم يسافر لها من جديد.

كانت الفتاة (زوجة .ر) تخرجت حديثا من كلية الاقتصاد قسم التسويق ولهذا لم تجد صعوبة في إيجاد وظيفة في البنك الذي تضع فيه حسابها، فقبل فتح الحساب اشترط (ر) على مدير البنك أن يوظف (س) وإلا فإنه لن يفتح الحساب عنده وسيبحث عن بنك آخر.

وافق مدير البنك فوراً على هذا الشرط فهو أذكى من أن يضيع فرصة كهذه فالمبلغ الذي وضعه (ر) لزوجته كان يغري أي بنك لأن يوافق على شروطه، إضافة إلى ذلك قام (ر) بسحب أرصدته من أحد البنوك ووضعها في البنك هذا ليقوي مكانة زوجته.

مرض (ر)

كما يقولون الحياة لا تبقى على حالها، فبعد زواج استمر ثلاث سنوات مرض (ر) وبدأ يعاني من أمراض عدة فنصحه الأطباء بالابتعاد عن التدخين والشرب والعمل وأن يجلس في مكان هادئ دون أن يبذل أي جهد.

وجد الرجل ضالته في الفيلا التي اشتراها لزوجته وكلف طاقما من الأطباء والممرضات أن يشرفوا عليه ليل نهار، كانت التقارير الطبية تشير إلى أن حالته الصحية بدأت تسوء وأن أعضاءه الداخلية لم تعد تستجيب للعلاج رغم الجهود الكبيرة التي يبذلها الأطباء.

وكانت (س) تتابع حالة زوجها الصحية بقلق شديد فهي تخاف أن يموت وهي لا تدري ماذا يملك من ثروة في بلاده خاصة وأنه أخبرها بأنه لديه شركات ومصانع وعمارات كثيرة. هنا ذهبت (س) إلى أحد المحامين المشهورين في بلادها وطلبت رأيه حيث نصحها بأن تطلب منه أن يسافرا إلى بلاده لترى كل شيء على أرض الواقع.

عندما عادت المرأة من مكتب المحامي طلبت من زوجها أن يأخذها إلى بلاده فقد سمعت عنها الكثير لكنها لم ترها، تردد (ر) في البداية قائلا لها بأنه لم يخبر زوجته وأولاده بأنه متزوج، وأن المفاجأة ستكون غير سارة. لكن المرأة صممت على رأيها، عندها لم يجد الرجل بدا من الموافقة.

عندما عاد الرجل إلى بلاده كانت الصدمة كبيرة حيث كان يصطحب زوجته معه، غضب الجميع من هذا الزواج لكن الرجل حاول أن يبرر لهم ذلك بأنه اضطر للزواج منها لأنها كانت الممرضة التي تساعده على أخذ الدواء، لكن هذا التبرير لم يكن كافياً ليطفئ غضب العائلة خاصة أصغر أبنائه الذي يبلغ من العمر 18 عاماَ.

حاولت (س) خلال وجودها في بلاد زوجها أن تعرف شيئا عن ثروته لكنها لم تتمكن فقد كانت محاصرة من الجميع، أما زوجها فلم تكن ظروفه الصحية تساعده على أخذها إلى شركاته ومصانعه ليطلعها عليها كنوع من المباهاة لكنها مع ذلك تمكنت من أن تعرف أن ثروته هائلة جداً.

العودة إلى الريف

كانت للظروف التي تعرض لها الرجل وانفعاله ومقاطعة أسرته له بسبب زواجه أثر سيئ على صحته لذا قرر العودة مع زوجته إلى بلادها ليستمتع بالهدوء في الفيلا والريف بعيداً عن غضب الزوجة الأولى وأولادها ومشاكلهم.

بعد عودتها إلى بلادها قامت (س) بحجز (جناح) لزوجها في أحد المستشفيات الخاصة وذلك للاهتمام به والسهر على علاجه وكانت الحالة الصحية للرجل تتأرجح بين الجيدة والسيئة لكنها كانت في مجملها غير مطمئنة.

بعد أن دخل الرجل المستشفى أحس برغبة في أن يرى زوجته الأولى وأولاده لذا قام بالاتصال بهم وطلب منهم أن يحضروا ليراهم فقد تكون هذه آخر مرة يراهم فيها.

بعد شهرين من دخوله المستشفى مات الرجل تاركاً خلفه ثروة كبيرة ومشاكل أكبر، بعد أسبوع من موته تقدمت زوجته (س) إلى وزارة خارجية بلادها لتقول بأنها تريد أن تذهب إلى بلاد زوجها لتأخذ نصيبها من الإرث لكنها خائفة من أهل زوجها من أن يقتلوها، فرغم أنها أوكلت محامياً ليتابع لها القضية إلا أن وجودها كان ضروريا ليتم حصر التركة بحضورها.

قامت وزارة الخارجية بالاتصال بسفارة بلاد (س) وتمت الترتيبات على أن تحضر (س) إلى المحكمة لحصر التركة، وقامت سفارة بلادها بالاتصال بالجهات المختصة لحماية المرأة ولم تنس السفارة أن تقول بأن حمايتها أصبحت أمراً مهماً للغاية وأنه في حالة تعرضها لأي مكروه من قبل أهل زوجها فإن الأمور بين البلدين ستصل إلى درجة (ب) من التأزم وهي الدرجة البرتقالية التي تسبق الدرجة الحمراء.

أخذت الأجهزة الأمنية في الدولة التي ينتمي إليها (ر) الحيطة والحظر لحماية (س) فهي تعرف أن غضب هؤلاء الناس ليس سهلاً لذا قامت باستدعاء أولاد وزوجة (ر) وأخذت عليهم تعهداً بعدم التعرض للسيدة (س)، وإلا فإنهم سيتعرضون لأشد أنواع العقاب فالأمر ليس سهلاً.

عندما حضرت (س) استأجرت غرفة في أحد الفنادق الفاخرة وبالطبع كانت على اتصال يومي بسفارة بلادها، كما أن الأجهزة الأمنية وفرت لها حماية خاصة.

ذات يوم جاء الابن الأصغر ل(ر) وطلب مقابلة زوجة أبيه وبعد تردد وافقت على ذلك حيث قال لها الشاب بأنه يريد مساعدتها وهو على استعداد لأن يعطيها الأرقام الحقيقية للعمارات التي يمتلكها والده والمزارع والأراضي والمصانع والشركات وغيرها من الممتلكات.

فردت عليه السيدة قائلة ولماذا تساعدني رغم أن هذا في غير صالحك، فقال لها بأنه يرغب في الذهاب إلى بلادها ليكمل دراسته هناك بل ويريد أن يستقر في بلادها إلى الأبد.

وقال إن من حقك أن تتقاسمي الثروة معنا فقد كنت زوجة لأبي وهذا حقك الشرعي، ولم ينس الشاب أن يعطيها رقم هاتفه النقال قائلاً لها اتصلي بي متى شئت وسأكون تحت أمرك، شعرت المرأة بشيء من الطمأنينة نحو الشاب ومما زاد في طمأنتها نفسياً أن الشاب حضر في اليوم التالي ومعه هدية ثمينة وباقة من الورد.

أحست المرأة أنه من صالحها أن تكسب هذا الشاب إلى جانبها فسيكون هو المفتاح الذين سيوصلها إلى الكنز ومقابل ذلك فقد وعدته بأنه سيسكن عندها في الفيلا التي تمتلكها وستساعده في الحصول على القبول في إحدى الجامعات. بدأت الأمور تسير بشكل طيب خاصة وأن أهل زوجها لم يتصلوا بها أبداً حيث إن الكل ينتظر موعد المحكمة.

في إحدى الليالي جاء الشاب إلى زوجة أبيه وكان بشوشا ولم ينس أن يحضر معه باقة من الورد وعطراً غالي الثمن حيث قدم الهدية للسيدة طالباً منها أن تقبل دعوته إلى العشاء.

خرجت السيدة مع الشاب وبعد سهرة تناولا فيها أشهى الأطعمة البحرية أعادها الشاب إلى الفندق قائلاً لها بأنه لن يراها خلال اليومين المقبلين لأنه سيذهب إلى مدينة مجاورة ليحصر ثروة أبيه فيها.

شكرت السيدة الشاب على لطفه وبعد أن أطمأن أنها وصلت إلى غرفتها انصرف في طريقه.

في اليوم الثالث جاء موظف الفندق ليطلب من السيدة أن تدفع جزءاً من الحساب المترتب عليها، وهنا اندفعت السيدة إلى حقيبة يدها لتخرج منها بطاقتي ائتمان خاصتين بها بحثت المرأة هنا وهناك لكنها لم تجد البطاقتين، كانت السيدة متأكدة بأنها كانت تضع البطاقتين في حقيبة يدها، وهنا بدأ تشك بأن يكون الشاب قد سرق البطاقتين من حقيبتها عندما ذهبت إلى الحمام في الليلة التي دعاها فيها لتناول العشاء.

اتصلت السيدة بسفارة بلادها حيث أخبرتهم بأنها تشك في أن ابن زوجها هو الذي سرق البطاقتين، قامت السفارة بإخطار الجهات الأمنية التي سألت عن الشاب فلم تجده.

هنا تأكدت الشكوك بأن الشاب هو الذي سرق البطاقتين لذا كانت الخطوة الأولى هي إخطار البنكين اللذين اصدرا البطاقتين لإيقاف العمل بهما، لكن السيدة كانت خائفة من أن الشاب قد يكون استخدم إحدى البطاقات على الأقل حيث إن الرقم السري الـ (Pass word) لتلك البطاقة كان مكتوباً بخط صغير على الغلاف الداخلي للحافظة التي كانت فيها البطاقة.

شكلت الأجهزة الأمنية فرقة خاصة للعثور على الشاب بأية طريقة، وفعلا تمكنت من اعتقاله حيث اعترف بأنه يكره هذه السيدة كرهاً شديداً لأنها هي التي سرقت والده من أسرته وهي الآن تريد أن تسرق ثروته، وقال الشاب بأنه فعلاً استخدم البطاقة وسحب بعض الأرصدة من حسابها.

المفاجأة

بدأ فريق من الأجهزة البحثية الأمنية تتبع السحوبات التي تمت من خلال البطاقة بحضور شخص منتدب من السفارة التي تنتمي إليها السيدة (س) وخلال فحص سير السحوبات تبين أنه تم دفع مبالغ مالية لشركة (.......) وهذه الشركة متخصصة فقط في إنتاج أمصال من سموم الأفاعي التي تعيش في البحار، وهذه الأمصال تستخدم على نطاق ضيق جداً في المستشفيات من قبل أطباء متخصصين في علاج الزهايمر والحركة غير الإرادية في الأطراف المريضة للشخص، استغرب الفريق الأمني استخدام البطاقة مرتين لشراء هذه الأمصال، حيث تم الاتصال بالسيدة وطلب منها فريق التحقيق الأمني تفسير استخدام البطاقة في شراء أمصال سموم تلك الأفاعي.

عند توجيه السؤال للسيدة فوجئت به، وقالت بأنها لا تعرف، وأن أحداً قد يكون استخدمها لشراء الأمصال وبعد ذلك وجه إليها الفريق سؤالاً آخر وهو هل هناك شخص آخر يستخدم البطاقة غيرك فردت بأنه، لا يوجد. هنا قال لها ضابط التحقيق عليك أن تفسري لماذا اشتريت أمصال الأفاعي هذه، فقالت بأنها ترفض الإجابة لأنها لا تعرف عن الموضوع شيئا ولم تشتر شيئاً وليس لها حاجة في ذلك.

ثم التحفظ على السيدة، كما بدأ فريق التحقيق الأمني الاتصال بالمستشفى الذي كان يعالج فيه (ر) حيث تبين بأن أمصال الأفاعي تم شراؤها مرتين خلال الفترة التي كان فيها (ر) في المستشفى.

تم الاتصال بالمستشفى وطلب فريق التحقيق من إدارة المستشفى تقديم كشف كامل بالأدوية التي كان يأخذها (ر) تم إرسال الكشف وبعد فحصه من قبل أطباء متخصصين تبين بأن الأدوية كانت مطابقة للحالة وليس هناك شبهة جنائية في موت (ر) مقارنة مع كشف الأدوية.

رغم ذلك بقي الضابط المسؤول عن التحقيق غير مقتنع لذا وجه رسالة بشكل رسمي إلى الشركة التي تنتج أمصال الأفاعي طالباً معرفة الشخص الذي اشترى الأمصال محدداً للشركة تاريخ الشراء، وعندما رفضت الرد على الضابط تم الاتصال بالبوليس الدولي لتأخذ القضية بعداً جديداً، عندما أصبحت القضية في يد البوليس الدولي أبدت الشركة المنتجة للأمصال تعاوناً حيث أفادت بأنها تسلمت طلبي شراء من البطاقة رقم (.....) عبر «النت» مذيلة بعنوان المستشفى (.....).

هنا قام الضابط بالاتصال بعائلة (ر) وشرح لهم الموقف وطلب منهم الإذن باستخراج الجثة وتشريحها، وافق أولاد (ر) على ذلك حيث جاء التقرير من المختبر الجنائي يشير إلى أن (ر) مات بسبب جرعات متتالية من مصل الأفاعي وأن المصل كان يسبب موتاً لخلايا الدماغ.

قام الضابط بوضع هذا التقرير أمام الجهات المختصة التي أمرت بتحويل (س) إلى المحكمة بتهمة القتل مع سبق الإصرار والترصد حاولت (س) في البداية أن تنفي صلتها بأي شيء لكن إنكارها لم يدم طويلاً حيث اعترفت بأنها على علاقة عاطفية مع زميل لها في العمل وأنهما قررا الزواج بعد موت (ر) لكنه لم يمت ولذا استغلت مرضه وبدأت تعطيه مصل السم بعد أن قرأت عنه في «النت» وكيف أنه يميت خلايا الدماغ.

وأضافت بأنها استغلت وصفة دواء باسم المستشفى وقامت بعمل (اسكاننج) لها ومسح جميع أسماء الأدوية التي كانت على الوصفة وأضافت دواء واحداً هو مصل الأفاعي وهكذا حصلت عليه وبدأت تعطيه لزوجها دون أن يعرف ودون أن يعرف أحد من طاقم المستشفى، لذا جاء تقرير المستشفى بأن سبب الوفاة هبوط حاد في الدورة الدموية وأنه لولا تشريح الجثة لما اكتشف أحد سبب الوفاة. في قفص الاتهام وقفت (س) تندب حظها وتبكي بعد أن حكم عليها القاضي بـ (15) عاماً سجناً مع حرمانها من أي حق في التركة.

أحمد سلطان