ما أجمل أن نقف لحظات في كل عام وفي كل شهر، بل وفي كل يوم وساعة ولحظة لنصلي على خير الأنام، هذا النبي الكريم ذو القدر العظيم، وهذه أيام عطرة وذكرى خالدة نحتفي فيها بجوانب من سيرته العطرة وحياته الكريمة، لأنه القدوة والأسوة ومن المهم في هذا الجو الإعلامي المزدحم وهذه القنوات التي زادت عن الآلاف وعمت فيها الفتن والاغراءات.

وصرفت الناس عن كثير من نبيل الغايات ان نستفيد من هذا المد الإعلامي لنقف عند جوانب من سيرة خير الأنام ونربط أولادنا بهذا النبي المبعوث رحمة للعالمين وشفيعنا في يوم الدين والذي ختم الله به رسالات السماء إلى الأرض وجعله خاتم النبيين والمرسلين وقد تكفل الله عز وجل بحفظه وتأديبه وعلمه ما لم يكن يعلم وأقسم بحياته ولابد أن ننتهز هذه الفرصة ونحن نحتفي بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ان نعلم الأولاد بنين وبنات بأنه أول من يبعث وأول من يقرع باب الجنة وأول من يسير على الصراط وأول من يدخل الجنة.

وأخطر ما نشاهده اليوم هذا الغمز واللمز لتشويه صورته عليه الصلاة والسلام من مجتمعات، حاقدة على هذا الدين وعلى رسول رب العالمين بالكلام أو بالرسم أو بالصورة أو بتشويه جوانب من حياته الكريمة عن قصد خبيث وطعن في رسول رب العالمين. ومن هنا فان الواجب يملي علينا ان نقدم بين يدي العالم في مناسبات متجددة صورا مشرقة من حياته صلى الله عليه وسلم لأن من واجبنا التصدي لكل من يسييء إليه وليس بالعنف أو الهجاء أو الاحتجاج فقط بل بتقديم صور من حياته وعظيم قدره لأنه أحب إلينينا من أهلنا ومالنا وأنفسنا والناس أجمعين.

وكلما نجحنا في تقديم هذه الصور المشرقة بلغات مختلفة عرف الناس من هو هذا الرسول الكريم ذو القدر العظيم، ومن واجبنا ان نركب موجات الأثير وان نستفيد من هذه القنوات التلفزيونية والفضائيات والإذاعات التي أصبحت تصل إلى كل مدينة بل إلى كل جزء في هذا العالم وحتى في مجاهل افريقيا وآسيا وشبكة المعلومات العالمية (الانترنت).

ولا نقول في كل ذلك إلا الحق ونقدم بلغة يفهمها كل أولئك الناس فتصل إلى قلوبهم وعقولهم حتى يعلموا ويتعلموا من هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وما هي مكانة هذا النبي صلى الله عليه وسلم بين الأنبياء والمرسلين وان الله قد أكرمه بذلك القدر العظيم بل وفضله على جميع الخلق أجمعين وأكرمه بخصائص وميزه بمزايا عن كل البشر أجمعين فكان خاتم الأنبياء والرسل وأفضلهم جميعاً وشهد له رب العالمين بذلك.

وأثنى عليه وأجرى كل تلك الكرامات التي شهدها العدو والصديق على يديه وأكمل خَلْقه وقرن اسمه عز وجل باسمه وعصمه من الناس، أما في الآخرة فقد منحه مرتبة لم يمنحها لأحد غيره، فجعله صاحب الشفاعة وأعطاه المقام المحمود والحوض المورود والمنبر واللواء وجعل الأنبياء تحت لوائه فهو سيد الأولين والآخرين وأول شافع ومشفع.

فنحن عندما نقدم هذه الصور من فضل الله عليه وما أكرمه به يحس ذلك المتلقي في دول العالم المختلفة بعظم قدر هذا النبي صلى الله عليه وسلم، ورفعة مكانته وأنه جاء مصدقاً لما بين يديه من التوراة والإنجيل، يعلم أمته بأمر الله الإيمان الكامل بالله عز وجل ثم بأنبيائه وان المسلم لا يتم إسلامه.

إلا إذا آمن بأنبياء الله جميعاً ورسله وسلم وآمن بموسى وعيسى وكل أنبياء الله من آدم إلى إسماعيل إلى خاتم النبيين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فنعلم العالم من هو رسول الله ومن الذي أعطاه هذه المكانة ومن الذي أكرمه وكرمه ورفع شأنه وكيف أدبه وكان يعتز عليه الصلاة والسلام (لقد أدبني ربي فأحسن تأديبي) وجعله رحمة ليس للعرب من قومه ولا حتى للمسلمين بل للعالمين جميعاً، فكان بالمؤمنين رؤوف رحيم وكان رحمة للعالمين.

فكلما تعلم العالم هذه الجوانب المشرقة من حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أدرك عظم قدر هذا النبي ورفعة مكانته، وكيف خاطبه الله عز وجل بتلك المرتبة السامية (فَإِنَّكَ بأَعْيُننَا) في وقت قال فيه لسيدنا موسى عليه السلام: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) أما سيدنا محمد فقد جعله بهذه المرتبة العالية: (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) وقرن اسمه باسمه فلا تقبل الشهادة من مسلم إلا أن يقول: «أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله»،

ويعلمهم كيف كان رحمة حتى للكفار، وأنه لم يعامل من حاول قتله من الكفار بمثل عمله، بل عفا عنهم وتركهم، «كما فعل بالأعرابي الذي اخترط سيفه خلسة يريد قتله صلى الله عليه وسلم وهو نائم فاستيقظ وهو فوق رأسه، وهو يقول له: من يمنعك مني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الله) فسقط السيف من يده فأخذه صلى الله عليه وسلم ثم قال له: (من يمنعك مني؟) ثم عفا عنه». كما عفا صلى الله عليه وسلم عن اليهودي الذي سحره ولم يقتله، كما عفا صلى الله عليه وسلم عن اليهودية التي سمته بعد خيبر ولم يقتلها.

كما أنه صلى الله عليه وسلم، لم يقتل يهود بني النضير مع أنهم غدروا مرتين، وحاولوا اغتياله، واكتفى بإجلائهم من المدينة. كما أنه لم يقتل يهود بني قينقاع، مع انهم نكثوا العهد والميثاق، وغدروا بالمسلمين وأرادوا العمل المشين واكتفى بإجلائهم.

كما انه صلى الله عليه وسلم لم يقتل يهود بني قريظة في المرة الأولى بل أقرهم في بيوتهم وقراهم، فلما تكرر غدرهم وخيانتهم وتمالؤوا مع المشركين على المسلمين ونقضوا العهد الذي كتبوه وصار وجودهم خطراً على المسلمين وصار من الرحمة بالمسلمين التخلص من هؤلاء المجرمين حصل التخلص، كل هذا وغيره كثير يدل على مدى رحمته صلى الله عليه وسلم وإحسانه وعطفه على العباد الذي لم تعرفه البشرية اليوم.

وختاماً فهذه فرصة لنا لمزيد من التعلم والإقبال على سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعليمها لأولادنا ونشرها بين الناس وتذكيرهم بها وركوب موجات الأثير لإبلاغها للعالم أجمع بشتى اللغات ومختلف الوسائل لأنه صلى الله عليه وسلم قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة ومن واجبنا أن نبلغ كما بلغ وننصح

كما نصح وندعوا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة واستخدام كل إمكاناتنا للوصول إلى عقول الناس وقلوبهم حتى يتعلموا ويعلموا كلمة الله عز وجل وحقه على عباده ثم حق هذا النبي علينا في إبلاغ رسالته والسير على هداه والتمسك به وهو الذي شهد له الله عز وجل به عندما قال: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).

د. محمد عبده يماني