حزنٌ... تذمرٌ ومآسٍ على طريق دبا ـ مسافي ضحاياه أجنة وأطفال ورجال ونساء، ودماء تسيل على الإسفلت الساخن وصرخات الخوف والألم تخترق المسامع والآذان، حكاية معقدة وليست وليدة حادث أو حادثين وإنما تعاد للمسامع في كل عام مرات ومرات، كلما ودع أخ أو أخت أو صديق أو قريب، أو غيّب الموت ما يوازي دموع الفرح في ولادة طفل جديد.

فالقصة ليست جديدة وأرقام الإحصاءات تُشير إلى حجم مأساوية القصة المعروضة يومياً على هاويته، والوعود المتكررة في وضع خاتمة لهذا السيناريو الذي يتناقل العابرون وأسر الضحايا قصص حوادثه اليومية التي يشهدها أسفلته وزواياه المهشمة. ومن يعبر هذا الطريق لأول وهلة يدرك تماماً أنه قد يخاطر بحياته ولكن لا خيار آخر أمامه إلا أن يظل على أعصابه طوال الطريق خوفاً من أي يكون الضحية القادمة، حيث بينت أغلب عائلات الضحايا بأن لا نجاة لمرتادي هذا الطريق إلا بالموت أو الإصابات بعاهات مستديمة. حيث لقي 4 أشخاص مصرعهم على هذا الشارع مع مطلع العام الحالي في 37 حادثاً مرورياً و22 مصابون بإصابات متفاوتة.

فيما شهد العام الماضي 150 حادثاً نجم عنها 4 حالات وفاة 3 منها في حادث واحد إضافة إلى 38 إصابة، فيما بلغ عددها خلال الأعوام الثلاثة الماضية ( 2004 ـ 2005 ـ 2006 ) ما يقارب 197 حادثاً مرورياً وصل عدد ضحاياها إلى أكثر من 1000 شخص بينهم 6 توفوا على هذا الطريق و76 حالة إصابة بشكل يومي ما بين إصابات خطيرة وجروح متفاوتة وإعاقات دائمة الأمر الذي يُشير إلى حجم وخطورة المشكلة. وأرجع المرور أسباب الحوادث وارتفاعها إلى السرعة الجنونية وضعف الوعي المروري لدى السائقين والتجاوز المفرط. لكن هناك أسباباً أخرى أشار إليها تتعلق بسوء وضع الطريق وعدم الالتزام بالمعايير الفنية لتنفيذه نظراً للتضاريس المختلفة المحيطة به من وجود السلاسل الجبلية والأودية.

من جانبه أوضح معالي الشيخ حمدان بن مبارك آل نهيان وزير الأشغال العامة رداً على سؤال عضو المجلس الوطني سلطان المؤذن حول التأخر في تنفيذ مشروع طريق دبا ـ مسافي بأنه جارٍ حالياً تصميم شارع بحارتين وسيبدأ المشروع عام 2009 ورصد له ميزانية تبلغ 250 مليون درهم ولكن الدراسة كشفت أن أقل تكلفة هي 400 مليون درهم إضافة إلى أن الطريق يصل إلى مدخل مدينة مسافي ـ الفجيرة فقط ولن يكتمل لأنه بني عليه بقالات ومحال تجارية.

رصد «البيان»

رصدت «البيان» في جولة لها على هذا الطريق الكثير من المشاهد، ففي بداية السير عند النزول من المنحى الخطير من مسافي «المصعاديه» ـ على حد الوصف تكون بداية المخاطرة كون الشارع ذا مسارين للقادم والذاهب، إلى جانب عدم وجود أي إشارة ضوئية أو إرشادية تدل على وجود هذا المنحى وتوضح طبيعة الشارع وتضاريس المنطقة، وكلما تم التوغل أكثر زادت المخاطر من مرور الشاحنات ووجود الأودية والحفر والجبال وأحياناً الحيوانات السائبة إضافة إلى الإسفلت المهشم والخوف من سقوط الأحجار والأتربة المتطايرة على جانبيه من الجبال.

خطر الموت مستمر

وقال سالم غاصب من مواطني منطقة دبا الفجيرة وأحد ضحايا هذا الشارع بأن طريق دبا ـ مسافي يعد شريان حياة وعمل لأهالي منطقة دبا بصفة عامة، فعدد كبير من الموظفين في الفجيرة هم أساساً من سكان منطقة دبا الفجيرة لما تتمتع به الإمارة من مقومات اقتصادية واستثمارية وسياحية واعدة جعلها مقصداً للكثيرين من طالبي العمل سواء من القطاع الحكومي أو الخاص والطلاب كذلك، وينطلق هؤلاء إلى أعمالهم صباحاً إلى الفجيرة بشكل يومي ومن ثم العودة إلى دبا بعد انتهاء الدوام الرسمي.

إلا أن هذا الطريق السريع والذي يبلغ طوله حوالي39 كيلو متراً فقط يمثل مشكلة حقيقية وخطراً داهماً على حياة عابريه نظراً لكثرة الحوادث المأساوية التي تقع فيه وبصفة خاصة في فترات المواسم كالأعياد والمناسبات الوطنية ورمضان، وبالرغم من افتتاح طريق الطويين ـ دبا ووجود مشروع لتطوير وتوسعة خط دبا ـ مسافي القديم قيد الدراسة فما زال شبح الموت يحوم على الشارع لاصطياد منايا عابريه.

زحام شديد

وأضاف المواطن سلطان مليح من سكان منطقة دبا الفجيرة بأن أحداً من أفراد عائلته تعرض لإصابات خطيرة مع عدد من أصدقائه خلال عبورهم شارع دبا ـ مسافي، فالطريق يكون مزدحماً بالسيارات بجميع أنواعها سواء كانت سيارات صغيرة أو حافلات أو شاحنات لنقل البضائع، حيث ان السير على هذا الطريق يحتاج إلى التركيز الشديد واليقظة التامة، فبعض سائقي السيارات يتجاوزون من المسار الأيمن والبعض الآخر من الكتف في مخالفة صريحة. كما أن البعض الآخر يسير بوسط الطريق بسرعة منخفضة جداً ما قد يتسبب في كارثة والسيارات من حوله تتجاوز بسرعة كبيرة من جهة اليسار أو اليمين اما الشاحنات فتشكل خطورة كبيرة على مرتادي الطريق.

موضحاً بأن هناك نوعاً من التواجد لدوريات المرور وأمن الطرق إلا انه ليس بالكثافة المطلوبة فهذا الطريق خطر جداً إلى جانب تضاريسه الطبيعية، فهو يحتاج إلى رقابة شديدة وانتشار مكثف للشرطة مع عدم التساهل في تطبيق النظام إضافة إلى تكثيف البرامج التوعوية عن خطورة تجاوز السرعة على هذا الطريق وخاصة قبل أوقات الإجازات والأعياد والمناسبات الموسمية.

فرحة لم تكتمل

وقال علي أحمد العبودي من سكان منطقة دبا الفجيرة بأن فرداً من أقاربه لقي حتفه على شارع دبا ـ مسافي مطلع السنة الجديدة. مشيراً إلى أنه من سالكي هذا الطريق وبشكل يومي قادم من دبا متجهاً إلى مسافي، مبيناً بأن هذا الطريق كان فرحة في السابق لكونه يختصر الكثير من المسافة والوقت ولكن سرعان ما تلاشت الفرحة جراء ما فقدوه من أقرباء وأصدقاء بهذا الطريق الملعون بنقمة الموت، ففي كل فترة أو بشكل يومي لابد من سماع خبر وفاة أو إصابات متفرقة بسبب حادث انقلاب أو تصادم أو انحراف أو تدهور، موضحاً بأن الطريق يشكل ممراً حيوياً من مناطقهم من دبا إلى الفجيرة، لافتاً إلى ما يشكله لهم من خطورة عندما يسلكونه واضعين أيديهم على قلوبهم خوفاً من وقوع مكروه بهذا الطريق الذي غيب الكثيرين بسبب حالته المنتهية الصلاحية والكثيرة المخاطر التي ترصدهم وتحدق بهم دائماً.

نهاية المجهول

وأضاف محمد سليمان الدوبي الذي يعتريه الحزن بأنه في سنة 1997 فقد شقيقته الكبرى والثلاث الأخريات من أخواته لديهن إصابات مزمنة بسبب حادث انقلاب بهذا الطريق، مضيفاً بأن وجود هذا الطريق بهذا الشكل يمثل خطراً واضحاً ومستمراً نظرا لعدم توفر مقومات السلامة فيه، مستطردا بأن ما يكلفه الشارع اليوم من مبلغ 250 مليونا، غدا ستكون تكلفته بالمليارات التي قد تثقل ميزانية الوزارة، ويصبح هذا الطريق نهاية للمجهول كمثلث برمودا، لافتا إلى أن هذا الشارع فقد به الأم والأب والأخت والأخ والأقرباء وعوائل بأكملها وما زال حصاده بالعشرات بصفة دورية.

حيث لا تجد بيتا في منطقة دبا لم يفقد عزيزا في هذا الشارع، موضحا بأن الدولة تصرف المليارات على توفير سبل الراحة لمواطنيها وتعليمهم وتأهيلهم ليشكلوا قوة عاملة لبناء هذا الوطن الغالي، وهذا المبلغ لن يكون عبئا ثقيلا إذا ما قورن بما يحصده الشارع يوميا من أرواح الناس الذي رحل فيه الجامعي والطبيب والمدرس والعسكري والطالب والمهندس. مشيرا إلى تزايد الكثافة السكانية لما تشهده المنطقة من عوامل جذب سياحية وتوسعات عمرانية واستثمارات مختلفة تستوعب أعدادا كبيرة من السياح والزوار من مختلف دول العالم، ما يجعلهم يسلكون هذا الطريق المحفوف بالمخاطر.

خطة معلقة

وأفاد المواطن محمد الخطيب أن خطة تطوير الشارع ربما اقترحت منذ سنة 1990 ومازالت ملفات التداول للآن دون تنفيذ، لافتا إلى أن الشارع أنشئ في السبعينات من القرن الماضي وهي مدة طويلة إذا ما قيست بمدى ما قدمه الشارع من خدمات وعكسه من تطور كبير، إلا أنه الآن أحيل إلى التقاعد ولابد من وضعه ضمن أولويات الجهات المعنية. مستعرضا الحادث الذي تعرض له أخوه في هذه الطريق عندما قام وعدد من أصدقائه بانتظار سيارة إسعاف قادمة من أبوظبي باتجاه المنطقة بغرض توجيه سائق الإسعاف إلى منزل شخص متوفى من ذات المنطقة، مبينا أن سيارة الإسعاف كانت بالوسط وسيارة أخيه خلفها.

ثم جاءت سيارة قادمة من المسار الآخر ومتجاوزة تم تفاديها من السيارة الأمامية وسيارة الإسعاف ما أدى إلى تفاجئ أخيه بالسيارة المتجاوزة كون السيارة التي أمامه تغطي معالم الطريق ليصطدم بها مباشرة وجها لوجه ما أسفر عنه وفاة سائق السيارة المتجاوزة وشخص آخر برفقته ووفاة أخيه وصديقه في السيارة الأخرى فيما أصيب شخص برفقتهم بعاهة مستديمة.

مضيفا في الوقت ذاته بأن المواصفات المعدة للطريق لا تشتمل على تخطيط للطريق بتقويم ازدواجيته إلى جانب عدم وضع سياج جانبي للمحافظة على سلامة مرتاديه. موضحا بأن خطورة الطريق تكمن به إذا ترك بهذه الحالة، والتي تستلزم توسعته بالإضافة إلى وضع خطوط المسارات عليه وإيجاد حل سريع إما بتغير مسار الطريق أو إزالة ما يسمى بـ (طلعة مسافي) والتي تكمن الخطورة بها إذا تركت بهذا الشكل.

مأساة تهور

وقد اعترف سيف محمد من مواطني دبا الفجيرة بتهوره عندما أقدم على التجاوز من خلف شاحنة، ليفاجأ بسيارة أخرى قادمة من الجانب الأمامي للمسار الآخر، ليحاول الرجوع إلى موقعه ولكن سيارة أخرى أخذت موقعه ما أجبره على الخروج من الطريق بالكامل، لتنحرف سيارته وتنقلب بعد ذلك، لينتج عن الحادث بقاءه شهرين فاقدا الوعي في العناية المركزة ووفاة والدته وأخته وابنه الذي كان عمره آنذاك عاما واحد فقط، ولازال أربعة كانوا برفقته يعانون من إصابات مختلفة واثنان خرجا سالمين من الحادث، لذا طالب بضرورة تدخل الجهات المسؤولة عن هذا الطريق لإصلاحه على الفور وتوسعته بالإضافة إلى وضع القوانين واللوائح التي تمنع مرور الشاحنات. متمنيا من كل مسؤول أن يشاهد هذه الصور وأن يضع نفسه مكانه ـ لا سمح الله .

مخاطر وخطر

وأوضح محمد عبد الله موظف في إحدى الدوائر المحلية بالفجيرة أنه يذهب يوميا إلى عمله في الفجيرة انطلاقا من دبا، فهو يلاحظ ازدحاما في الطريق نظرا لكثرة الموظفين الذاهبين إلى الفجيرة، وبعضهم يكون مسرعا ومعرضا حياته وحياة غيره من المواطنين للخطر، وتستخدم هذا الطريق في اليوم العادي أكثر من 4000 سيارة تزيد في أوقات العطلات إلى أكثر من 6000 سيارة ما بين الصالون والشاحنة.

دبا ـ الطويين أضعف الإيمان

كما بين المواطن طاهر الحفيتي أنه بحكم عمله في إمارة دبي وسكنه في دبا الفجيرة، مضطر لأن يقطع هذا الطريق ذهابا وإيابا بشكل مستمر، فقد شاهد بنفسه حوادث مأساوية بسبب السرعة الزائدة أو بسبب الازدحام الشديد أحيانا، خاصة وان هذا الطريق تكثر به سيارات النقل الثقيل والحافلات، الأمر الذي يجبره أحيانا إلى التحول إلى خط الطويين الذي لا يقل خطرا عن طريق الموت ولكنه يفضله حتى وإن وصل متأخرا على ألا يصل أبدا لا سمح الله.

الرقابة معدومة

من جهة أخرى أوضح محمد حسن الذي يعمل سائقا لنقل طالبات إحدى الكليات في الفجيرة، بأنه شاهد العديد من الحوادث المأساوية على خط الموت الذي يتحرك عليه يوميا. مناشدا الجهات المعنية بوضع قوانين صارمة على المسرعين والمخالفين الذين ينتقلون بشكل أهوج بين المسارات وتكثيف التواجد على طول الخط وتسيير دوريات الشرطة لتغطية الطريق بشكل كامل لأن حياة الناس غالية ولا يجب تعريضها للخطر من سائق مستهتر أو مخالف. موضحا أنه في أحد الأيام خرجت إحدى السيارات عن مسارها ودخلت على الخط الذي أسير فيه وكادت تتسبب في انقلاب الحافلة لولا لطف الله سبحانه وتعالى.

انتظار وترقب

ومن جانبه، قال سلطان المؤذن عضو المجلس الوطني الاتحادي ان الموضوع ليس بالجديد. ومع ذلك فإن له أهميته وهو يستحق المناقشة، خصوصا وأن نسبة الضحايا ومعدل الحوادث في تزايد مستمر إذا ما تمت مقارنته بالتطورات الكبيرة التي تشهدها المنطقة في الوقت الحالي، مبينا أن خير تشخيص للقضية أو لمشكلة الشارع هو البحث عن أسبابها ووضع نهاية لتلك الدراما المحزنة. منوها أن 250 مليون درهم مبلغ قليل لتطوير طريق الموت «دبا ـ مسافي» بتقويم ازدواجيته وفقا للتقارير الرسمية.

مبينا بأن وزارة الأشغال العامة أعلنت في وقت سابق أن المشروع سوف يبدأ العمل به مع بداية العام 2009 تقريبا وبشكل تدريجي باعتباره مدرجا بشكل نهائي في ميزانية العام الحالي نظرا لعمل الدارسات الفنية التي تستغرق وقتا طويلا وأساسيات سليمة وخدمات متنوعة وهائلة إلى جانب ميزانيته المالية الضخمة.

لافتا إلى وضعه سؤالا لوزارة الأشغال العامة عن خطة التطوير وذلك في 14 مارس 2007 عن سبب التأخير في إنشاء طريق مزدوج بحارتين من دوار مصنع الاسمنت بدبا إلى دوار مسافي باعتباره من الطرق الحيوية والنشطة ويربط إمارات الدولة بالساحل الشرقي والمناطق التابعة له، ويستخدمه يومياً عدد كبير من الناس خاصة الشباب المواطنين الذين يعملون في أبوظبي ودبي ولكن نظراً لضيق الطريق وقلة الصيانة تقع عليه أحياناً حوادث قاتلة حتى أنه سمي «طريق الموت» فهل هناك نية لدى الوزارة في بناء هذا الطريق ليصبح ذا اتجاهين لتخفيف هذه الحوادث؟.

وطالب المؤذن وزارة الأشغال العامة والجهات المعنية كافة بتمهيد الطريق لعبور شارع الموت بأمان من خلال إيجاد السبل الكفيلة للتقليل من ضحايا حوادث السيارات لأن الشارع أصبح مقبرة الموت السريع وضحايا الشارع يتكاثرون، وبشكل خاص إذا علم بأن الطريق يستغله أصحاب الشاحنات والمركبات ذات السرعة الجنونية وهو ذاته الذي يعبر به الطلبة إلى جامعاتهم ومعاهدهم بالفجيرة إلى جانب عدد كبير من الموظفين.

وعلى الرغم مما تؤكده الجهات المعنية الممثلة ببلدية دبا من جهة ودائرة الطرق والأشغال والزراعة بالفجيرة من جهة اخرى عن التعاون المشترك بهدف تقديم سبل الأمان والحماية لمستخدمي هذا الطريق إلا أنها أخلت مسؤوليتها عن نواقص الطريق، فالمطبات الصناعية والإنارة الأرضية لتوضيح ملامح هذا الطريق الوعر والصعب لم تعد توفر الأمان ، إذن ما هي البدائل لمحاصرة الحوادث المتكررة؟ فليس من المعقول أن تأتي أرواح الناس بالدرجة الثانية من الأولويات. ليتكرر ذات السيناريو صباح كل يوم جديد دون أن تلوح في الأفق أية بادرة لوضع حد لذلك المسلسل المؤلم.

الفجيرة ـ ناهد مبارك