في أحد الأيام اتصلت به إحدى الدوائر الحكومية لتخبره بأن البيت الذي يعيش فيه منذ عشرين عاماً قد أصبح في منطقة مبان خاصة بالعمارات الشاهقة وان عليه ان يحضر إلى تلك الدائرة ليعرضوا عليه تعويضا بدلا من بيته. لم ينم الرجل في تلك الليلة فرغم قناعته بما لديه من بيت شعبي إلا ان (زيادة الخير خير).
فكر الرجل بأنه سيطلب أموالاً كثيرة فهو بحاجة إلى أن يشتري قطعة أرض كبيرة ليقيم عليها ثلاث فلل، واحدة له والثانية لابنه الكبير والثالثة لابنه الأصغر. فكر أيضاً في شراء سيارات له ولابنه وزوجته ولم ينس ان يقوم برحلة طويلة إلى جنوب شرق آسيا فهناك يجد الإنسان ما يريد من متع الحياة.
في الصباح الباكر حمل الرجل أحلامه وذهب مع ابنه البكر إلى الدائرة الحكومية التي لم تبخل عليه بتعويض كبير تجاوزت أرقامه الأصفار الستة. بعد يومين من تسلمه المبلغ الذي أودع بشيك في أحد البنوك بدأت رحلة البحث عن الحياة الفارهة الجديدة فقد اشترى احدث السيارات له ولابنه ولزوجته وبعد فترة ذهب إلى أحد المكاتب السياحية حيث رتب له المكتب رحلة إلى تايلاند.
بدأ الرجل يشعر بطعم الحياة الجديدة وكذلك ابنه البكر فقد أصبح هو الآخر مولعاً بالأسفار إلى بلاد الشعوب الصفراء (شعوب دول جنوب شرق آسيا يسمون بالشعوب الصفراء). أحست الزوجة بأن زوجها بدأ يبدد الثروة التي حصل عليها ولهذا طلبت منه ان يكف عن السفر وان يلتفت إلى مستقبل أبنائه وان يقوم بعمل مشروع يدر عليه وعلى أسرته بعض الأموال بدلاً من الإنفاق هنا وهناك بدون حساب.
ورغم أن الرجل أبدى تفهماً لمخاوف زوجته الا أنه استمر في طريقه هو وابنه البكر، ما أثار حفيظة زوجته التي طلبت منه ان يقسم ما لديه من مال بين ابنه البكر وابنه الصغير حتى لا يضيع حق الابن الصغير، وعندما يكر لا يجد مالاً.
توزيع المال
تحت إصرار الزوجة قام الرجل بتوزيع ما بقي لديه من مال بين ابنه الصغير وابنه الكبير وزوجته واحتفظ هو الآخر بحقه في جزء من المال. قامت الزوجة بأخذ نصيب ابنها الصغير ووضعته باسمه في البنك، في حين بدأ الابن البكر استثمار ما لديه من مال في الأسهم والسندات، حقق الرجل مكاسب قليلة لكنها في النهاية كانت مصدر دخل له، وأخيراً فكر في أن يفتح مكتباً للاستثمارات العقارية والأسهم فقد أصبح لديه خبرة في هذا المجال لا بأس بها.
بدأ الرجل يعمل بجد ونشاط واستطاع خلال فترة قصيرة من الزمن ان يحقق مكاسب لا بأس بها كما أن عملاءه بدأوا يزدادون يوماً بعد يوم. كانت نظرته إلى العمل التجاري على انه مظاهر أكثر منه معرفة بالسوق لذا قام باستئجار مكتب فخم في أحد الشوارع المشهورة وأثثه بأفخم الأثاث وقام بإحضار عدد من الموظفين والسكرتيرات لإدارة عمله.
أحس الرجل بأنه يمتلك كل شيء وان الأمور لديه أصبحت على أفضل حال، الا أن الحقيقة كانت غير ذلك فرغم أنه يجني بعض الأموال من تجارته في الأسهم، والعقارات الا أن الدخل لا يساوي المصاريف، لذا اضطر ان يستدين من البنك، كان المبلغ الذي استدانة كبيراً وهذا رتب عليه أقساطاً شهرية في حين أن إيجار المكتب السنوي ومرتبات الموظفين وغيرها كلها أصبحت عامل ضغط عليه وعلى ميزانيته التي لم تتحمل كل ذلك.
فكر الرجل بأن يزيد عملاءه، فكان أفضل طريقة لذلك أن أقام حفلة ضخمة في فندق خمس نجوم دعا إليها الكثير من الشخصيات المهمة ورجال الصحافة والإعلام، وفي اليوم الثاني كانت صوره تتصدر صفحات الملاحق الاقتصادية في كثير من الصحف الناطقة بلغات مختلفة أحس الرجل بفرحة كبيرة وسعادة ليس لها مثيل.
وهو يرى نفسه مزهواً في الصحف والمجلات كانت الحفلة التي أقامها الرجل من أجل الدعاية لمكتبه ناجحة للغاية من ناحية البروتوكول والاستقبال والتغطية الإعلامية إلا أنها لم تحقق الهدف الذي أقيمت من أجله فلم يزد عدد العملاء لديه وهذا ماجعله يفكر بطريقة أخرى أكثر جدوى، حيث هداه تفكيره لإقامة مؤتمر صحافي يشرح فيه سياسته الاقتصادية على أن يدفع مبلغاً كبيراً من المال مقابل نشر إعلانات في جميع الصحف ووسائل الإعلام.
كانت الحملة الإعلامية التي قام بها الرجل لمكتبه بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، فقد زادت التكاليف التي يتحملها دون أن يحقق له المكتب مردوداً مناسباً، بدأت الشيكات التي قدمها لبعض المستحقين مثل ايجار المكتب تعود إليه من العملاء بتوقيع وختم من البنك يشير إلى أن الشيك بدون رصيد بدأت الديون تتراكم عليه وهو لا يدري ماذا يصنع حتى انه أصبح مهدداً بفقدان مكتبه.
حاول الرجل أن يستدين من أصدقائه لكن المبالغ التي كان يطلبها كانت كبيرة، لذا لم يجد يداً تمتد إليه لإنقاذه من ورطته المالية هذه، ومما زاد الطين بله أنه لم يتوقف عن السفر والسهر رغم أزمته المالية الخانقة، وفي أحد الأيام تسلم إشعاراً من المحكمة يفيد بضرورة تسديد ما عليه من ديون مستحقة من ايجار المكتب وإلا فإنه سيتخذ ضده الإجراءات القانونية، كان هذا الشعار الذي تسلمه بمثابة الصاعقة فمن أين يأتي بالإيجار المستحق منذ ستة أشهر وهو مبلغ كبير ليس في حسابه ما يغطيه.
عاد الرجل مسرعاً إلى والده يطلب منه المدد الا ان والده أخبره بأن ليس لديه الكثير من المال، وان كل ما بقي لديه لايغطي الإيجار المطلوب. في اليوم الثاني من تسمله شعار المحكمة ذهب الرجل إلى مالك المكتب وطلب منه التأجيل لمدة شهر واحد على الأقل، وافق مالك المكتب على ذلك وقام بتأخير القضية في المحكمة أملاً منه في ان يتسلم شيكاً جديداً بالمبلغ، انقضى الشهر وعشرة أيام بعده.
حيث تسلم الرجل شعاراً من المحكمة من جديد يطالبه بتسليم المبلغ المستحق عليه وإلا فإن عليه مواجهة الاجراءات القانونية أحس الرجل بأن الدماء تغلي في عروقه، وبدأ يفكر ما سيؤول إليه حاله إذا فقد مكتبه، أو دخل السجن، بدأت الأفكار السوداء تطارده في كل مكان، وبدأ خائفاً من المستقبل فهو لا يتصور نفسه بدون مكتب فخم وبدون سكرتيرة حسناء، وسيارة فارهة وسهرات حمراء، لذا قرر أن يحضر المال بأي طريقة كانت.
حاول الرجل ان يذهب إلى البنك وان يرهن مكتبه مقابل مبلغ من المال الا ان البنك رفض ذلك حيث ان المكتب ليس ملكا له بل هو مستأجر لذا عادت الأفكار السوداء تطارده من جديد، ليس هذا فقط بل ان سيارته الفارهة أصبحت مهددة بالحجز من قبل البنك الذي مولها، لو لم يقم يتسديد الأقساط لأكثر من ثلاثة أشهر.
طريق الشر
ذهب الرجل إلى أحد الفنادق ترافقه سكرتيرته الحسناء وبقي فيه حتى بعد منتصف الليل حيث احتسى كمية كبيرة من الكحول، عاد الرجل إلى بيته وايقظ والدته وطلب منها ان تعطيه مالديها من مال وجواهر وذهب، وقال لها انه في وضع سيئ وانها إذا لم تعطه المال والذهب الذي لديها فإنه سيدخل السجن.
أشفقت المرأة على ابنها ووعدته ان تعطيه كل شيء في الصباح لكنها عنفته بشدة على رائحة الخمر التي كانت تفوح من فمه. في صباح اليوم التالي جمعت الأم مالديها من مال وجواهر وسلمتها لابنها البكر حتى يذهب ويسدد الأقساط المستحقة على المكتب طالبة منه عدم إخبار والده بذلك .
اخذ الرجل المال وسدد جزءاً من الأقساط أما بقية المبلغ فقد حجز تذكرتي سفر له ولسكرتيرته حيث توجها إلى بلادها بحجة ان والدتها مريضة. لم يهنأ الرجل كثيراً فقد بدأت المطالبات المستحقة عليه من جديد، وبدأت المشاكل المالية تحاصره من كل مكان وهنا قرر ان ينهي جميع مشاكله المالية حيث ذهب إلى والده وطلب منه ان يعطيه نصيب أخيه الصغير الموضوع باسمه في البنك واعداً والده بأنه سيعيد المبلغ لأخيه الصغير عندما تتحسن ظروفه.
ما كاد والده يسمع بذلك حتى نهر ابنه وقال له بأنه لن يعطيه شيئاً فهذا الجزء من المال من حق الابن الصغير الذي لم يحصل على أي شيء من الثروة، لكن الابن البكر كان مصراً على الحصول على المال فهذه فرصته الأخيرة لان يبقى مستمتعاً بالجاه والموظفات الحسان والمركز الاجتماعي الذي يحسده عليه الكثير من الأصدقاء الذين لا يعرفون وضعه الحقيقي ولكي يتخلص الأب من إلحاح ابنه قال له أمهلني إلى الغد حتى أفكر في الموضوع، ذهب الشاب إلى مكتبه وهو يمني النفس بأن يحصل على حصة أخيه من المال المودع في البنك.
وعندما عاد في المساء كرر نفس الطلب من والده واعداً إياه بأنه سيعطي أخيه ضعف المبلغ عندما تتحسن ظروفه لكن والده فاجأه بالرفض الشديد، ليس هذا فقط بل أعطاه ورقة من البنك مفادها ان المبلغ المالي الخاص بالابن الصغير يبقى محفوظاً في البنك على شكل وديعة حتى يبلغ الابن سن الثامنة عشرة دون ان يحق لأحد التصرف به إلا الابن الصغير نفسه.
عندما شاهد الابن البكر الورقة جن جنونه وبدأ يرغي ويزبد، ويكيل لوالده شتى أنواع السباب والشتائم لم يكتف بذلك بل قام وصفع والده على وجهه واستمر بضربه حتى وقع الرجل مغشياً عليه وكاد يموت. لم يشأ الرجل ان يقدم بلاغاً للشرطة خوفا على ابنه من السجن أما الابن فقد هجر بيت والده وبدأ ينام في المكتب وعند الأصدقاء.
بدأ الرجل عاجزاً عن تسديد الأقساط وعن دفع رواتب الموظفين لذا بدأ الموظفون بالانسحاب من المكتب الواحد تلو الآخر، لكن الذي جعل الرجل ينفجر غضباً هو ان يرى سكرتيرته تتخلى عنه بعد ان انفق عليها الكثير من المال ففي أحد الأيام تأخرت السكرتيرة كثيراً عن المكتب وهذه لم تكن عادتها وعندما اتصل بها على هاتفها النقال أخبرته بأنها وجدت عملاً في مكان آخر وأنها رتبت لذلك منذ أكثر من شهرين.
كان الرجل على استعداد لأن يخسر كل شيء إلا هذه المرأة فقد كان مرتبطا بها ارتباطا عاطفيا عنيفاً لذا فإن فقدانها يعني له الكثير من الألم. بدأ الرجل يتخيل بأن سكرتيرته التي أحبها من كل قلبه ستكون مع رجل آخر غيره يستطيع ان يدفع لها مرتبها أما هو فقد أصبح عاجزاً لا يستطيع ان يحتفظ بالمرأة التي أحبها وملكت عليه كل عواطفه.
ثورة الغضب
اتصل الرجل بسكرتيرته طالبا لقاءها الا أنها رفضت لكنه قال لها بأنه يريدها لأنه يرغب في إعطائها راتبها المتأخر، بعد تردد حضرت السكرتيرة حسب الموعد وفي المكان الذي حدده الرجل لكنها لم تحضر وحدها بل كان معها اثنان من أبناء جنسها، طلب الرجل من سكرتيرته ان تأتي معه إلى السيارة حيث يحتفظ بالمال، كانت المرأة مترددة لكنها أخيراً ذهبت معه، حاول الرجل ان يدخل سكرتيرته السيارة الا أنها رفضت.
عند ذلك حاول ان يدخلها عنوة حيث بدأت بالصراخ، لكن صراخها لم يمتد طويلاً فقد حضر الرجلان اللذان كانا معها وأوسعاه ضرباً، فلم يكد يتلقى ضربة كاراتيه من أحدهم حتى سقط على الأرض وقبل ان ينهض كانت ضربة كاراتيه من الرجل الآخر قد أسقطته أرضاً من جديد ولم يفق إلا وملابسه ملطخة بالدماء التي كانت تنزف من انفه وأسنانه.
توجه الرجل إلى بيت والده مصمما على أخذ النقود التي تخص أخيه الصغير، لأنه لا يستطيع استرجاع سكرتيرته الا بتلك الفلوس. تقدم الابن البكر من والده وقال له بأنه لن يخرج من البيت إلا وقد حصل على الفلوس، فقال له والده بأن هذا الأمر قد انتهى وأنه لا يملك المال وان الفلوس الخاصة بالابن الصغير والتي في البنك لا يستطيع أحد ان يتصرف بها نهائياً الا الابن الصغير عندما يكبر ويصبح عمره (18) عاما) هذا الكلام لم يقنع الابن البكر وقال لوالده بأنه يستطيع ان يذهب إلى البنك ويلغي الوديعة، لكن والده رفض ذلك قائلاً كيف سيلاقي الله وقد ضيع نصيب ابنه الصغير.
بدأ الإبن يثور ويشتم والده، فما كان من والده إلا ان دخل إلى غرفة نومه تاركاً ابنه البكر يزمجر ويلعن ويسب، أحس الابن بأن والده لن يعطيه المال الذي يريده لذا ذهب إلى المطبخ لإحضار سكين لقتل أبيه، لكنه قبل ان يجد السكين وجد مطرقة حديد.
أخذ الابن المطرقة ودخل غرفة نوم أبيه فوجده مستلقياً على السرير، فقال لأبيه إما أن احصل على نصيب أخي وإلا سأقتلك، فقال له أبوه لن أعطيك نصيب أخيك فهذا ليس من حقك أما أنت فقد أخذت حقك وأكثر. هنا أمسك الابن بالمطرقة ورفعها في الهواء ثم هوى بها على رأس أبيه بأقصى قوة، وقبل ان يفيق الرجل من الصدمة وهول الضربة عاجله ابنه بضربة ثانية وثالثة حتى بدأت جمجمته تتفتت.
بدأت الأجهزة الأمنية تبحث عن القاتل حيث وجدته ينام في إحدى السيارات، في المحكمة وقف القاتل خلف القضبان يستمع إلى الحكم حيث حكمت عليه المحكمة بالسجن خمسا وعشرين عاما مع الشغل والنفاذ. اقترب الطفل الصغير من أخيه وقال له لو اعطيتك الفلوس هل ستعيد لي أبي !؟.
أحمد سلطان
