في متابعة لمقال سابق عن الاحتراق النفسي لدى العاملين مع ذوي الاحتياجات الخاصة استوقفتني صرخة بين سطور رد بعثت به مجموعة من العاملين في احد مراكز التربية الخاصة في إماراتنا الحبيبة وليستميحني القارئ عذرا لعدم ذكري لاسم ذلك المركز حرصاً على العاملين فيه، ولا اخفي عليكم انه اعتصرني الألم وراودني شعور غريب لما يلحق بتلك الفئة من العاملين مع أطفالنا من ذوي الاحتياجات الخاصة وما يتعرضون إليه من ضغوط نفسية إضافية.

كل ذلك ونحن نشهد هذا التطور والرقي في مختلف المجالات ونحاول مواكبة التطور الإداري كمديري لتلك المراكز بما نقدمه في مجال رعاية وتأهيل فئة غالية على قلوبنا ونرى الاهتمام الذي يوليه قادتنا للخدمات الإنسانية بشكل عام، ثم نفاجئ بوجود مديري لا يعرفون ما هي التربية الخاصة وما هي حقوق وواجبات العاملين معهم وما يجب توفيره لمن تحت إداراتهم وما هي الضغوط التي يواجهها هؤلاء العاملون.

لعله من المناسب ان اقتبس من ذلك الرد بعض العبارات لتوضيح الصورة لكم (....أترى الذي أنهكه التعب والحر الشديد يتلمس الظل والماء ليروي عطشا يكاد يقضي عليه) قد يكون هذا التشبيه مبالغاً فيه نوعاً ما ولكن الدقائق التي قضيناها ونحن نقرأ مقالتك التي تدور حول الاحتراق النفسي عند العاملين مع ذوي الاحتياجات الخاصة أشعرتنا أن كل كلمة نقرأها هي كحبة مطر منعشة.. باردة..

كانت كل كلمة كافية لتروي ظمأنا الذي استمر أكثر من عقد من الزمان ونحن نتحرى شخصاً يحس بنا، يلتفت إلينا، يعترف بأننا نقوم بعمل يستحق أن يوصف بكلمات أعمق من الكلمات التي نسمعها باستمرار، نحن نعرف أننا مأجورون خيراً من عند الله تعالى، في الدنيا والآخرة إن شاء الله، ولكن هذا لا يزيدنا إلا إصراراً أن نحصل على اعترافا بجهد و فضل نستحقه.

نحن نستحق أن يلتفت إلينا، وأن تذكر حقوقنا عندما تذكر حقوق من نعمل لأجلهم، صحيح أننا نستلم راتبا كل آخر شهر نظير عملنا معهم، لكن يا سيدي هذا العمل يجب أن لا يتم مجازاته بالمال فقط فالمال نستطيع أن نحصل عليه لقاء أي وظيفة أخرى أقل جهداً وحرقاً للنفوس....).

إن الحاجة هنا ـ اقتباسا من النص ـ ليس إلى راتب مادي، بل تتعدها إلى أبعد من ذلك، تتعداها لا إلى ما لا يحتاج الى جهد الى كلمة صادقة من تلك الإدارات تقديراً لتلك الجهود، يكون لها مفعول الراتب أو أكثر. ونحتاج إلى التمحيص والتدقيق قبل الاختيار فالاختيار المناسب للإدارة هو أساس نجاح عملنا في مراكز ذوي الاحتياجات الخاصة، فالعاملين تحت تلك الإدارات يستحقون منا الكثير الكثير يستحقون التكريم والإجلال والتشجيع والتعاون والترغيب،

مرة أخرى أرى انه من الضروري أن اقتبس هنا من الرد (إننا لا نستحق أن يتم معاملتنا بالترهيب وتجاهل الترغيب.... لا نستحق ذلك ونحن الذين أفنينا من عمرنا أكثر من عقد من الزمان مع هؤلاء الضعفاء نتلمس فيهم مواطن القوة لنبرزها للمجتمع، نعلمهم وندربهم ونشجعهم ولا نيأس في حين يأس منهم ذويهم، نحن نستحق أكثر من راتب مادي، نحن نحتاج إلى راتب معنوي يومي أو أسبوعي أو حتى شهري، هي كلمة طيبه في حقنا والتفاتة بسيطة لجهودنا.....).

(نحن نحتاج إلى أن نشرك في عمليات اتخاذ القرارات المهمة التي يطلب منا تنفيذها و نحن آخر الناس علماً بها، نحن نحتاج إلى أن يستفاد من خبراتنا)، (نحن نحتاج إلى الإدارة الفاعلة لا الجاهلة الإدارة التي تتيح لنا مساحة من الحرية لا الاستعباد مساحة من الطمأنينة لا التهديد والوعيد وأوراق لفت النظر والإنذارات والاستيضاح، مساحة نعامل فيها كبشر كآباء وكأمهات تحتاجنا أسرنا وأولادنا لا كعاملين تمتهن كرامتهم بالكلام الجارح نحن نحتاج إلى الإدارة الفاعلة التي تكلمت عنها.. حتى لا نحترق نفسياً أكثر...).

لقد تطرقنا سابقاً إلى مصادر الضغوط النفسية التي تواجه العاملين مع ذوي الاحتياجات الخاصة وما يواجهونه من احتراق نفسي تنوعت مصادره واختلفت باختلاف نوعية الإعاقة ودرجتها وما هو مطلوب منهم تجاهها وتجاه المجتمع، وأكدنا في مقالنا على دراسات حديثة أكدت على أهمية التحفيز والتشجيع الدوري للعاملين مع ذوي الاحتياجات الخاصة وما له من دور ايجابي في التخفيف من درجة الاحتراق التي تصيب كوادرنا العاملة مع فئة الإعاقة.

إلا أن ما استوقفني في هذا الرد أنني لم اتطرق بشكل مكثف لاحد الاسباب الرئيسية لعزوف الكوادر الوطنية عن العمل مع ذوي الاحتياجات الخاصة والى زيادة درجة الاحتراق النفسي لدى العاملين منهم مع تلك الفئات والذي تجلى في الإدارة غير المتفهمة وغير المدركة لطبيعة العمل والصعوبات التي قد يواجهها هؤلاء الأشخاص في خضم تدريبهم وإشرافهم على أبنائنا من ذوي الاحتياجات الخاصة.

وتتعدى ذلك إلى الجلوس خلف الكرسي وإملاء الأوامر وخلق جو من الاستعباد وعدم الطمأنينة، دون تلمس احتياجات العاملين وإشراكهم في اتخاذ القرارات وتوفير جو صحي مناسب للتفاعل والعمل المثمر الجاد.

إن التغيير يحتاج إلى كثير من الجهد إلا إنني واثق كل الثقة بأنه لا يصح إلا الصحيح وانه في نهاية المطاف سيكون الشخص المناسب في المكان المناسب وسينعم العاملون مع ذوي الاحتياجات الخاصة بحقوقهم وسنجد إدارات مخلصة هدفها قبل كل شيء تطوير كوادرها لما فيه مصلحة فئة الإعاقة العاملين معها.

تعليقاتكم واستفساراتكم ستؤخذ بعين الاعتبار

Emadi@dubaiautism center.ae