أكد الدكتور أحمد الحداد كبير المفتين ومدير إدارة الإفتاء بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي أن المخاطر المترتبة على تجميد الأجنة كثيرة وليست في حسبان كثير من المتعاطفين مع استصدار قانون التجميد، وقال: لعلهم تعللوا بالحماية القانونية التي ستحاط بالقرار الذي يمكن أن يتخذ في هذا الصدد.
وأضاف: أننا لا نهمل الحماية القانونية بل نؤكد عليها ونعول عليها كثيراً، إلا أنها لا تحمي المحاذير الشرعية في كثير من الأحوال، مؤكدا أن الوازع القانوني يمكن التخلص والهروب منه لدى كثير من المستهترين. وكانت لجنة الشؤون الصحية والعمل والشؤون الاجتماعية في المجلس الوطني الاتحادي قدمت رسالة إلى وزارة العدل لإمدادها بنماذج للفتاوى المعمول بها في مسألة تجميد الأجنة في بعض الدول العربية ومنها السعودية ومصر والأردن، وطالبت الوزارة بإفادة اللجنة بفتوى قاطعة حول المسألة بصفتها الجهة الاتحادية المعنية بهذا الشأن. وقد ناقشت اللجنة الفتوى التشريعية عن مدى جواز «تجميد وحفظ الأجنة» من الناحيتين الشرعية والطبية، خلال اجتماعها العاشر الذي عقدته الأسبوع الماضي في مقر الأمانة العامة في دبي، وبحضور ممثلين من دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي، ودائرة القضاء في أبوظبي، ووزارة الصحة، والهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف في أبوظبي، ومركز دبي للإخصاب، ومستشفى توام بالعين.
سد ذرائع الفساد... وأشار الدكتور الحداد إلى أن من قواعد الشريعة الإسلامية، بل من مصادرها التشريعية: سد ذرائع الفساد أينما وجدت، ولو على طريق الاحتمال، وقررت في ذلك قاعدة مطردة هي: درء المفاسد أولى من جلب المصالح. وتساءل: أي مفسدة أكبر من اختلاط الجينات والتلاعب بها المؤدية إلى اختلاط الأنساب؟ وأوضح أن من القواعد الخمس الكلية التي اتفقت عليها الملل والشرائع: الحفاظ على النسل والنسب، وقال: قد سمعنا وأسمعنا ما يحدث من تلاعب بهذه الجينات لدى فاقدي الوازع الديني والأخلاقي كما حدث في أحد المراكز في الدولة وكما ورد إلينا من سؤال عن واقعة في بعض الدول العربية، وما قرأناه في بعض الدول كاستراليا، وما هو مشهور لدى كثير من الناس عن بنوك الأجنة التي تباع فيها الجينات وتشترى. وقال: فهل نريد أن نشرع لما يعظم خطره وزلله ولو احتمالا، فقد يصبح هذا الاحتمال واقعاً إذا كثرت المراكز التي سمعنا أن نحو 86 مركزاً في انتظار التشريع لاستصدار تراخيص لإنشائها في الدولة، بينما هي في الدول المتقدمة كأميركا وبريطانيا لا يتجاوز عدد مراكز التخصيب فيها عن عدد أصابع اليد الواحدة، فماذا يراد من هذه الكثرة إلا اللعب الفاضح التي يضيق عنها نطاق قانون الحماية.
مشيرا إلى أنه مع هذه الكثرة المرتقبة لا يعدو أن يكون حبراً على ورق، وكما يقول المثل: يتسع الخرق على الراقع، وقد قيل أيضاً: الكثرة تغلب الشجاعة، وما حال كثير من العيادات بل المستشفيات الخاصة عنا ببعيد لدى من يعانيها.
المحاسن والمساوئ
وأضاف: سألني كثير من الناس عن دوافع تجميد الأجنة وموانعها، فقلت: لا يخلو حال من أحوال الناس وعمل من أعمالهم عن محاسن ومساوئ (دوافع وموانع) والشريعة الإسلامية شريعة عدل وإنصاف ووسطية، فلا تمنع الشيء لمانع يغمره إيجابيات كثيرة حتى تكون سلبياته أكثر وضرره أكبر من نفعه، فإن كثرت المحاسن فإن المساوئ تغتفر والحسنات يذهبن السيئات، وإذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث... هذا منهج الشرع العام.
وقال: إذا تأملنا في دوافع تجميد الأجنة مما أسموه الضرر النفسي عن المرأة بتكرار التخصيب ثانية وثالثة، والمادي ببذل النفقات الطائلة من أجله، والحسي من احتمال لحوق ضرر على المرأة جراء التخصيب مرة أخرى.
وأكد الدكتور الحداد أن هذه الأمور وإن سميت أضرارا والضرر يزال، إلا أنها ليست كذلك في الحقيقة لأمرين:
الأول: أن الضرورة التي تبيح المحظور هي التي تذهب الحياة أو تكاد إن لم ترتكب، وهي التي أسقط الله تعالى عندها الحرج عن المرء فأباح معها الميتة ومال الغير ونحو ذلك كما قال سبحانه: «وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه».
ثانيا: أنها ترد على المرء من غير اختياره، لا التي يرد المرء عليها بمحض الاختيار والرضا.
والواقع في الحالين أن ما ذكر لا يكون من باب الضرورات بحال لسببين: أما الأول فلأن هذه ليست ضرورة؛ لما تقدم من تعريف الضرورة، فقد علمت أن هذه المسائل لا تتوقف عليها الحياة، وقد تكون هذه من باب الحاجيات التي يريدها الشارع، وقد تنزل منزلة الضرورة أحياناً عامةً كانت أو خاصة، إلا أن هذه الحاجة تندفع بتخصيب واحد، وهو الذي يتم تلقيحه وتنميته في رحم الأم حتى يتكون، فلا داعي بعد ذلك لحفظ الأجنة المجمدة لأجل مجهول.
الضرر النفسي وارد
وأوضح أن ما يقال من أن الأم تتحمل ضرراً بإعادة التخصيب ثانيةً نفسياً وجسمانياً ومادياً، فيجاب عن ذلك بما يلي: أما الضرر النفسي فإنه وارد عليها منذ أن شعرت بالعقم، وكان عليها أن تصبر وتعلم أن الله تعالى يجعل من يشاء عقيماً، ومع ذلك فإن الشريعة لم تسد عليها الباب، بل قد تقرر جواز التخصيب حتى يتم التلقيح وينجح بإذن الله، فاندفع عنها الأذى النفسي الذي كانت تحمله وما بقي معها إلا زيادة الفضول وحب العناء، فإن الغريزة النفسية قد تحققت بالمولود الأول.
وذكر: أما الضرر الجسماني المتوقع بنحو 20% فإن على الطبيب المعالج أن لا ينصحها بإعادة التخصيب طالما قد تحقق لها المراد بالإنجاب، وعليه أن يمتنع وعليها أن تصب، فإن خاطرت بنفسها فإن رضاها بذلك ينفي ضررها ولعلها لا تنجو من الإثم لأن الإنسان لا يجوز له الإقدام على فعل ما فيه ضرر بنفسه.
وعن الضرر المادي أكد انه لا ينبغي تسميته ضرراً؛ لأن من يطلب ولداً لا يهون عليه بذل 20 ألف درهم مثلاً، بل أكثر من ذلك، لأن من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل (ومن يخطب الحسناء لم يغلها المهر)، ولا يقدم على ذلك إلا مقتدر على مثل هذا المبلغ وأكثر، كما أنه ينبغي أن يقابل هذا القول بالمبالغ التي سيدفعها رسوم الحفظ كل سنة، وفيها من الغرر الكثير حيث إنه قد لا يحتاج إليها.
وأما الثاني: فإذا كانت الضرورة هي التي ترد على المرء من غير اختياره ولا يقدر على دفعها إلا بارتكاب المحظور، فإن هذه المسألة هي التي وردت عليها بمحض اختيارها، وهي تعلم نتائجها النفسية والمادية والجسدية، فعليها أن تتحمل نتائجها وقد حظيت بمرادها في الحمل الأول الذي حقق مقصدها ومقصد الشارع في بقاء النوع الإنساني.
عدم الاستعجال
وأشار إلى أنه إذا كانت الدول المتقدمة التي لها صبغة دينية قد امتنعت عن تقنين هذا الوضع لما ترى فيه من خطر التلاعب بالأجنة، فما بالنا ونحن دولة إسلامية مصدر دستورنا الأساس هو الإسلام، ما بالنا نستعجل ونحرص على السبق في هذا المجال الذي لو حدث في أيام سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه لجمع له مشيخة قريش والمهاجرين والأنصار رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وإذا كانت المجامع الفقهية قد حددت موقفها من هذه القضية ومنعت التجميد بعد حصول التلقيح وأوجبت أن تترك الأجنة بعد ذلك من غير عناية طبية حتى تموت بنفسها، فما بالنا بعد ذلك نأتي إلى شواذ الأقوال وأضعفها بينما جهابذة العلماء والأطباء المتخصصون يمنعون ذلك؟!.
وأضاف: إذا كانت مرجعيات الفتوى في الدولة التي لم يشأ المجلس النيابي ولا الوزارة المختصة تخطيها حتى أخذت رأيها وقد أصدرت هذه المرجعيات فتواها المستندة إلى فهم الواقع وقرار المجامع وإدراك المقاصد الشرعية، فكان من المتعين أن تكون الفتوى كقول القائل:
إذا قالت حذام فصدقوها فإن القول ما قالت حذامِ وحذام هذا الفن هم الأطباء والفقهاء، والأطباء في هذا المقام صيادلة والفقهاء أطباء، لا سيما أن حذاق الأطباء قد اتفقوا مع الفقهاء في المنع.
وأكد أن كون هذا العمل جاريا في بعض الدول الإسلامية فهو كذلك في الدولة أيضا، والفارق الأساس هو عدم التشريع، لأن التشريع يفتح بابا لا ينسد ولا يقدر عليه، فهو لم يشرع بقانون كما يراد له الآن.
وختم الدكتور الحداد كلامه بقوله: لهذا كله وغيره أكثر أبدى العلماء تحفظهم نصحا لولي الأمر وللمسلمين، وكان بوسع ولي الأمر أن يختار القول الأضعف لو أراد إصداره، ولا حرج عليه في ذلك لما يراه من المصلحة الموكولة إليه، إلا أنه حفظه الله ووفقه أراد أن يحمل العلماء مسؤوليتهم أمام الله تعالى وأمامه وأما م الأمة. زاده الله حرصا وحفظه ونائبه وحكومته ووفقهم لكل خير.
مجمع الفقه الإسلامي يؤكد عدم جواز التجميد
انتهى مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره السادسة المنعقدة في مارس من عام 1990م، على عدم جواز عملية تجميد الأجنة وجاء في قراراته:
- في ضوء ما تحقق علمياً من إمكان حفظ البويضات غير الملقحة للسحب منها، يجب عند تلقيح البويضات، الاقتصار على العدد المطلوب للزرع في كل مرة، تفادياً لوجود فائض من البويضات الملقحة.
- إذا حصل فائض في البويضات الملقحة بأي وجه من الوجوه، فإنها تترك دون عناية إلى أن تنتهي حياة ذلك الفائض على الوجه الطبيعي.
- يحرم استخدام البيضة الملقحة في امرأة أخرى، ويجب اتخاذ الاحتياطات الكفيلة بالحيلولة دون استعمال البيضة الملقحة في حمل غير مشروع.
وهو ما أوصى به المشاركون في ندوة الكويت الفقهية الطبية الخامسة، المنعقدة في الفترة من 24-27 /10 /1989م، إذ ورد في توصية هذه الندوة «تترك البويضة الملقحة لشأنها للموت بدلاً من إعدامها، أو استعمالها في البحث العلمي.. وأن الوضع الأمثل أن لا يكون هناك فائض منها، وذلك باستمرار العلماء في أبحاثهم عن طريق الاحتفاظ بالبويضات غير الملقحة، وعدم تلقيحها إلا عند الحاجة إليها، مع إيجاد الأسلوب الذي يحفظ لها القدرة على التلقيح السَّوِي بعد ذلك».
ضوابط تمنع اختلاط الأنساب
يرى بعض العلماء إباحة هذا التجميد، إذا وُجدت الضَّوابط التي تكفل عدم اختلاط الأنساب، أو التلاعب بتلك الأجنة، أو استعمالها في غير النقل إلى رحم صاحبة البويضة، وإذا قام بعملية الحفظ هذه جهة موثوقة، تحكمها قوانين تنظيم عملية الحفظ هذه، وهو ما انتهت إليه ندوة طفل الأنابيب التي انعقدت بجمعية العلوم الطبية الإسلامية بعمَّان في الأردن، والذي اجتمع فيها أعضاء اللجنة الفقهية الطبية لهذه الجمعية من أكتوبر 1992م إلى يناير 1994م.
حيث اشترطت لجواز عملية التجميد هذه (أن يقوم بالتلقيح الخارجي لجنة طبية موثوقة علمياً ودينياً، في مركز حكومي، أو مؤسسة رسمية غير رِبْحِيَّة، ولهذه المؤسسة أن تقوم بتجميد الخلايا الجنسية في ثلاجات خاصة لتحفظ حياتها، وبناء على ذلك لا يجوز تجميد الأَجِنَّة والاحتفاظ بها، إلا إذا وُجدت ضمانات تَكْفُل عدم اختلاط الأنساب، والتلاعب بتلك الأجنة).
إضاءة
استدل القائلون بحرمة حفظ هذه الخلايا بطريق التجميد بما يسد الذرائع وذلك على النحو التالي:إن حفظ هذه الخلايا الجنسية قد يترتب عليه محظور شرعي في المستقبل، فقد يموت صاحب المَنِي، فيُستعمل منّيه هذا استعمالاً محرماً، كما في بنوك أو أماكن مخصصة لذلك، قد يترتب عليه اختلاط الخلايا المحفوظة ببعضها.
دبي ـ السيد الطنطاوي


