قال الشيخ: كان ابوبكر الصديق أول من أسلم من الرجال، وقد فرح الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم بإسلامه فرحاً شديداً تصفه السيدة عائشة رضي الله عنها قائلة: فانطلق وما بين الأخشبين أحد أكثر سروراً منه بإسلام أبي بكر (البداية والنهاية 3 /29).

وأبو بكر رضي الله عنه كان رجلاً واعياً ذا فكرٍ يقظ وحافظة ذاكرة حاضرة، وكان رضي الله عنه قد سمع البشارة بقدوم نبي جديد في العرب ومن قريش تحديداً أكثر من مرة ومن أكثر من شخص كورقة بن نوفل، بحيرا الراهب في الشام وأمية بن الصلت وزيد بن عمرو بن نفيل في مكة، وكان رضي الله عنه تاجراً ذا مال وفير وسمعة طيبة.

كما كان عالماً بالأنساب استأمنته قريش في أمور الديات والمغارم ولا يستأمن في هذا إلا الرجل الحصيف الأمين، فإذا أضفت إلى كل هذا صلته بالرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام حوالي العشرين سنة قبل البعثة وقفت على معنى كريم أشار إليه الرسول الكريم «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا» (أبو يكر الصديق: علي الصلابي 26).

وإذا كان الرسول قد فرح بإسلام أبي بكر فإن أبا بكر فرح بالله ورسوله فرح الباحث عن الحقيقة وقد وجدها، وفرح من يبحث عمن تركن اليه نفسه وتشتاق إليه روحه، وإلا فما الذي دفعه رضي الله عنه إلى الإلحاح على النبي الكريم في الظهور وإعلان الدعوة في البيت الحرام وعلى مسامع أكابر المجرمين حتى ضرب وأوذي ، فلم يعرف وجهه من أنفه ولم يعد إلى وعيه إلا بعد فترة.

حتى قال رجال بني تيم لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة، ثم تكلم رضي الله عنه آخر النهار وكان أول ما نطق به السؤال عن الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام ولم يطمئن حتى حمل إلى الرسول الكريم في دار الأرقم، فأكب عليه الحبيب محمد عليه الصلاة والسلام فقبله ورق له رقة شديدة، فقال أبو بكر: بأبي وأمي يا رسول الله ليس بي بأس إلا ما نال الفاسق من وجهي، وهذه أمي برة بوالدها وأنت مبارك فادعها إلى الله وادع لها عسى الله أن يستنقذها بك من النار فدعا لها ودعاها إلى الله فأسلمت (السيرة النبوية: ابن كثير 1 /439).

ومن يقرأ هذه الأحداث لا يرى فيها إلا الحب لله ورسوله والفرح بهما وقد استوطنا في قلبه رضي الله عنه، فما الذي يدفعه للجهر بالدعوة، والمسلمون يومها لا يزيدون على أربعين رجلاً، وما الذي يجعله يحتمل الأذى والضرب وما الذي يجعله لا يذوق طعاماً ولا شراباً إلا بعد رؤيته عليه الصلاة والسلام، ثم ما هذا البر بأمه وقد ألح عليه أمر إسلامها ونجاتها وهو في ألمه ووجعه.

ثم إن أبا بكر عزم على الهجرة إلى الحبشة تاركاً عزه وجاهه وماله في قريش، فلقيه ابن الدغنة فقال له: مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج، إنك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق فأنا لك جار ارجع واعبد ربك في بيتك فعاد معه رضي الله عنه.

فقال أشراف قريش لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا، ثم قام أبو بكر رضي الله عنه فابتنى مسجداً في داره وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فيقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه ومن شجوه وبكائه، فقام رجال من كبراء قريش واعترضوا على ابن الدغنة خوفاً على ما سموه فتنة لنسائهم وأبنائهم وطلبوا منه أن يصلي في بيته دون ما ابتناه من مسجد حتى لا يسمع أحد صوته، فلما كلمه ابن الدغنة قال أبو بكر فإن أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله عز وجل (فتح الباري 7 /274).

وهكذا فإن ما دفع أبا بكر إلى الهجرة إلى الحبشة بدينه هو ما جعله يرد جوار ابن الدغنة عندما طلب منه ألا يجهر بصلاته بحيث يسمع من خارج بيته، وهو الذي جعله لا يذوق الطعام بعد أن ضرب حتى يرى الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم، وهو الذي جعله ينفق من ماله في تحرير من أسلم من الرقيق، وهو من جعله يكاد يرقص فرحاً عندما أخبره الرسول الأكرم بأنه سيرافقه في هجرته إلى يثرب. قالت السيدة عائشة عن ذلك اليوم: فو الله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ (السيرة النبوية: ابن كثير 2 /233 ـ 234).

ماهر سقا أميني