بعد يومين من التوغل البري في شمال قطاع غزة، انسحب جيش الاحتلال الاسرائيلي من الاراضي التي احتلها مؤكداً أن «عملية عسكرية واحدة انتهت، لكن هناك عمليات عسكرية كثيرة على الأبواب، وكاشفاً انه قرر ان يستريح يومين من المجازر خلال زيارة وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس للمنطقة، ومبقيا في الوقت ذاته القطاع تحت محرقة الغارات الجوية المستمرة، والتي اسفرت منذ بدء العدوان الذي وصفه رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض بأنه يفوق حرب 67، عن اكثر من 130 شهيدا بينهم 14 سقطوا امس، اضافة لمئات الجرحي ودمار هائل في المباني خاصة في جباليا.

وقالت مصادر فلسطينية ان «الدبابات والاليات المدرعة الاسرائيلية انسحبت من غالبية المناطق في حي التفاح شمال شرق مدينة غزة وبلدة جباليا باتجاه المناطق الحدودية». وهو ما اعتبرته حركة (حماس) انتصاراً للمقاومة وفشلاً للعدوان.

واكد مصدراسرائيلي الانسحاب، لكنه قال ان «الغارات الجوية ستستمر ردا على الهجمات الصاروخية من قبل الفلسطينيين».

وقال مسؤول حكومي في إسرائيل إن إسرائيل تأخذ «يومين من الاستراحة» أثناء زيارة وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس للقدس ورام الله اليوم وغداً.

من ناحيته قال مسؤول عسكري إسرائيلي رفيع المستوى إن الجيش سيشن«عمليات عسكرية كثيرة» في قطاع غزة بعد انتهاء عملية« الشتاء الحار».

ونقل موقع«يديعوت أحرونوت»عن المسؤول العسكري الإسرائيلي قوله إن «عملية عسكرية واحدة انتهت، لكن هناك عمليات عسكرية كثيرة على الأبواب».

في هذه الاثناء، قالت مصادر امنية فلسطينية ان« الاف الفلسطينين اندفعوا باتجاه المناطق التي انسحب منها الجيش الاسرائيلي حيث خلفت الدبابات دمارا كبيرا طال المنازل والبنى التحتية بما في ذلك الطرقات والازقة».

وتابعت ان«بساتين الحمضيات والزيتون باتت مناطق جرداء وكأنها لم تكن مزروعة بعد تجريفها. وبقيت اعمدة الكهرباء والهاتف المحطمة ملقاة بعرض الطرقات وشبكات المياه مقطوعة». واضافت«يمكن لمن يدخل البلدة مشاهدة بقع دماء وبقايا اشلاء على الطرقات وبين الازقة الضيقة وفي داخل منازل تعرضت للقصف، حيث كان صبية يجمعون بقايا قذائف وحاجيات مقاتلين سقطوا في الميدان».

وقبيل الانسحاب انضم 9 فلسطينيين جدد الى قائمة شهداء المحرقة الاسرائيلية ، خمسة منهم في سلسلة غارات جوية متتالية، واربعة انتشلوا من تحت الانقضاض في غزة. كما استشهد فتى فلسطيني برصاص مستوطن اسرائيلي قرب مستوطنة تلمون اليهودية في منطقة رام الله شمال الضفة الغربية. وقالت مصادر حقوقية فلسطينية ان«الاحتلال اعتقل خلال توغله البري لمدة يومين شرق بلدة جباليا ما لا يقل عن 80 فلسطينيا».

ولاحقاً، أفادت مصادر طبية وشهود عيان أن فلسطينياً استُشهد وأصيب اثنان آخران في قصف إسرائيلي على شمال قطاع غزة.وأوضحت المصادر أن الشهيد من «سرايا القدس» التابعة لحركة «الجهاد الإسلامي».

كما أفادت مصادر طبية فلسطينية أن أربعة فلسطينيين توفوا متأثرين بجروح كانوا أصيبوا بها الأحد خلال العملية الإسرائيلية على شرق جباليا. وقالت المصادر إن الشهداء هم «عارف دغمش ووليد أبو يوسف وحسن أبو جاسر وغسان عبد ربه».

واعلن سلام فياض امس، عن ان العمليات الاسرائيلية«غير مسبوقة وتفوق حرب العام 1967» عندما احتلت اسرائيل الاراضي الفلسطينية. وقال فياض للصحافيين في رام الله «رغم اعلان الجيش الاسرائيلي الانسحاب، الا ان الوضع خطير.. خطير جدا، وما زلنا تحت الخطر».

الى ذلك، قال رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت امس امام لجنة الشؤون الخارجية والدفاع في البرلمان «الجيش لا يزال في قلب المعركة ضد حركة حماس». واضاف«ان ما حصل في الايام الاخيرة ليس حادثا معزولا». واستطرد «كل شيء ممكن» متحدثا عن «غارات جوية وعمليات توغل برية وعمليات كومندوس»محتملة. واكد مجددا على ان هدف العمليات الاسرائيلية هو «الحد بشكل جذري من اطلاق الصواريخ (على اسرائيل)، واضعاف نظام حماس الى درجة يصبح معها عاجزا عن السيطرة على قطاع غزة».

وقال الرئيس الفلسطيني محمود عباس لدى استقباله القنصل الأميركي العام في القدس جاك والاس إنه مستعد للتوسط من أجل التوصل إلى هدنة بين إسرائيل وحركة «حماس» لـ «تجنيب شعبنا المزيد من الضحايا والمعاناة».

وكان عباس قد علق محادثات السلام مع إسرائيل في أعقاب أحدث موجة من أعمال العنف التي بدأت الأربعاء الماضي وأسفرت عن استشهاد 130 فلسطينياً حتى الآن.

وقال الرئيس الفلسطيني إنه «يسعى للتوصل إلى تهدئة شاملة ومتبادلة مع الجانب الإسرائيلي بما في ذلك العمل على إعادة فتح المعابر لتسهيل حياة المواطنين في قطاع غزة». ودعا الحكومة الإسرائيلية إلى التجاوب مع هذه المبادرة.

وأضاف أنه«لا يمكن تغيير الوضع من خلال عملية عسكرية واحدة، لكن لا شك في أن سلسلة عمليات عسكرية ستشن، وخلال ذلك علينا إبداء الصبر وطول نفس، وستتلقى المنظمات الإرهابية ضربة شديدة وسيؤدي هذا الأمر ايضا إلى تغيير الوضع الميداني، وأيضا في مجال صواريخ القسام».

وقبل ساعة من مغادرة وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس واشنطن في زيارة للمنطقة أمس دعا البيت الأبيض الشعب الفلسطيني إلى أن يختار بين الإرهاب أو الحل السياسي.

وقال الناطق باسم البيت الأبيض غوردون جوندور في تصريحات للصحافيين على متن طائرة الرئاسة، التي كانت تقل الرئيس جورج بوش من ولاية تكساس إلى واشنطن أمس، عندما سئل عن التوقعات من زيارة رايس، في ضوء تدهور الوضع في قطاع غزة فأجاب: «إن لدينا رسالة واضحة: على الشعب الفلسطيني أن يختار بين الإرهاب، أو اختيار الحل السياسي الذي يقود إلى قيام دولة فلسطينية تعيش جنباً إلى جنب في سلام وأمن مع إسرائيل».

وحدد غوردون الشرط الأول لحصول ذلك، أي اتخاذ الخيار السياسي بالقول: «إن أول شيء يجب على حماس أن تقوم به هو أن تتوقف عن إطلاق الصواريخ التي تستهدف المواطنين الإسرائيليين، ويجب أن يتوقف إطلاق الصواريخ، أولا، ثم بعد ذلك تعود الأطراف إلى طاولة المفاوضات لاتخاذ القرارات».

ودعا الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى استئناف المحادثات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي وقال: لقد سمعنا أنه علق المفاوضات، وأننا نريد لتلك المحادثات أن تستأنف بأسرع ما يمكن.. وهذا ما ستبحثه رايس مع عباس وقادة آخرين في المنطقة.

وعما إذا كان الرئيس بوش، يشعر بأن إسرائيل تستخدم القوة المفرطة، قال غوردون: « ان حماس هي التي بدأت وذلك باستمرارها بإطلاق الصواريخ على المواطنين الإسرائيليين ويجب أن يتوقف إطلاق الصواريخ».

في موازاة ذلك، دعت المفوضة العليا لحقوق الانسان في الامم المتحدة لويز أربور امس، إلى إجراء تحقيق مستقل بشأن مقتل عشرات المدنيين الفلسطينيين بينهم أطفال نتيجة الغارات الإسرائيلية على غزة.

من جانبه، اعتبر وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير امس، ان«استفراس» اسرائيل بقطاع غزة «لن تأتي بنتيجة». وشبه الوضع بين اسرائيل وقطاع غزة بـ «حلقة مفرغة لا يمكن الخروج منها».