أعرب الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، الذي بدأ زيارة تاريخية إلى بغداد، عن رغبته في «فتح صفحة جديدة» في العلاقات بين البلدين الجارين، لكن طهران رفضت إعادة التفاوض على اتفاقية الجزائر الحدودية الموقعة عام 1975. رغم تقديم الرئيس العراقي جلال طالباني ما يشبه التعهد بالسعي إلى التخلص من جماعة «مجاهدي خلق» الإيرانية المعارضة فيما دعا رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الدول العربية والإسلامية بعدما التقى نجاد في المنطقة الخضراء المحصنة والخاضعة للسيطرة الأميركية إلى أن تحذو حذو إيران وتساعد في إعادة بناء العراق.

وفي مستهل زيارة إلى بغداد ،هي الأولى لرئيس إيراني، قال نجاد أمس: «الزيارة تفتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين وستخلق أجواء جديدة في المنطقة هدفها توطيد العلاقات الممتازة ونريد أن نطور علاقتنا في مجالات سياسية واقتصادية».ووصف خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره العراقي، مباحثاته مع طالباني بأنها «إيجابية للغاية».

وأكد نجاد على أن «زيارة العراق من دون الدكتاتور تبعث على السرور. لقد جر طوال تلك الفترة الشعب إلى الاستضعاف وأساء إلى العلاقات بين دول الجوار»، في إشارة إلى الرئيس الراحل صدام حسين.

ورحب طالباني بالزيارة «التاريخية» لأحمدي نجاد، واصفاً نتائج المحادثات بأنها «ايجابية». وقال: إن العراق يسعى إلى «التخلص» من منظمة مجاهدي خلق، كبرى حركات المعارضة الإيرانية في المنفى.

وأضاف: إن وجود منظمة «مجاهدي خلق» أو «مجاهدي الشعب» الإيرانية المعارضة «مسألة بحثناها سابقاً، إن وجود هؤلاء كمنظمة إرهابية على الأراضي العراقية ممنوع وفقاً للدستور، نسعى للتخلص منهم».كما اتهم نجاد الولايات المتحدة ب«جلب الإرهابيين إلى المنطقة»، داعيا في الوقت ذاته واشنطن إلى تغيير نظرتها تجاه طهران.

وقال نجاد في مؤتمر صحافي مشترك مع زعيم المجلس الأعلى الإسلامي عبد العزيز الحكيم «قبل ست سنوات، ما كان حاضرا في منطقتنا من هؤلاء الإرهابيين، وما إن وطأت أقدام الغرباء وجد الإرهابيون». وأضاف ردا على الاتهامات الأميركية بدعم طهران للمجموعات المسلحة «نحن نعتقد أن مقارعة الإرهاب لا تحتاج إلى توجيه تهم إلى هذا وذاك». وأضاف إن «توجيه التهم لا يحل في مشكلة الأميركيين شيئا، ونحن نعتقد أن الأميركيين يجب أن يغيروا نظرتهم تجاه هذه القضايا».

كما أجرى نجاد في اليوم الأول لزيارته التي تستغرق يومين مباحثات مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في مكتب الأخير في المنطقة الخضراء المحصنة في بغداد.

وقال مسؤول في مكتب المالكي: إن «الرئيس الإيراني نقل بواسطة سيارات وتحت حماية مشددة من منزل الرئيس جلال طالباني (حيث جرى الاستقبال الرسمي) إلى المنطقة الخضراء».

وعقب لقاء المالكي نفى نجاد اتهامات واشنطن لطهران بدعم الميليشيات الشيعية في العراق. وقال خلال مؤتمر صحافي مشترك مع المالكي: إن «توجيه الاتهامات يزيد من مشاكل الولايات المتحدة في المنطقة. يجب أن يفهم الأميركيون أن الشعب العراقي ليس معجباً بأميركا». وعن الحوار بين إيران والعراق، قال: «أجرينا حواراً لتحقيق تعاون في مجالات الطاقة والصناعة والنقل»، مشيراً إلى «نقاشات حول الأمن والعلاقات الإقليمية».

من جهته، دعا رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الدول العربية والإسلامية إلى أن تحذو حذو إيران وتساعد في إعادة بناء العراق. وقال: «آفاق التعاون والتعامل بين البلدين واسعة جداً وفي مختلف القطاعات والمجالات، وسنوقع اتفاقات بين الطرفين في مختلف المجالات». وأضاف «لذلك، لا حدود بالنسبة إلينا في العراق أن ننفتح على أي فرصة من هذه الفرص للتعاون مع دول الجوار لاسيما إيران».

وتابع «أؤكد مرة أخرى أن هذه الزيارة وما ترتب عليها وما تمخض عنها من نتائج ستكون قطعاً مشجعة وباعثة للأمل ودافعة لبقية إخواننا وأشقائنا من دول الجوار لزيارة العراق والانفتاح على تجربة العراق الديمقراطي الجديد». وأشار إلى أن «العراق الجديد ليس عراق الدكتاتورية بل هو بلد دستوري ديمقراطي اتحادي لا يسمح باستخدام أراضيه منطلقاً للمنظمات الإرهابية ضد أصدقائه وأشقائه، وأضاف: «سنسعى لإنهاء وجود المنظمات الإرهابية كالقاعدة ومنظمة مجاهدي خلق وحزب العمال الكردستاني وأي جهة تعمل على زعزعة الأمن والاستقرار وتسيء إلى علاقاتنا مع دول الجوار».

ورغم إعلان نائب الرئيس العراقي عادل عبد المهدي في وقت سابق أن العراق يريد استثمار زيارة نجاد لحل نزاعات قديمة، من بينها ترسيم الحدود المشتركة بين البلدين، قال الناطق باسم وزارة الخارجية الإيرانية محمد علي حسيني أمس: إن إيران لن تعيد التفاوض بشأن اتفاقية الجزائر الحدودية لعام 1975.

وأضاف حسيني في مؤتمر صحافي أسبوعي انه عندما جاء المسؤولون العراقيون إلى طهران «أجرينا محادثات طيبة وبناءة في إطار اتفاقية 1975 بشأن بعض القضايا بما في ذلك النزاعات الحدودية وقضايا أخرى متعلقة بالنهر». وعندما سئل ما إذا كانت زيارة نجاد للعراق ستتضمن المفاوضات بشأن اتفاقية عام 1975 أجاب «لم نجر محادثات بشأن الاتفاقية ولن نجري مثل هذه المحادثات».وفي المطار عندما سئل أحمدي نجاد ما إذا كان سيجرى مناقشة الاتفاقية خلال الزيارة إلى العراق لم يجب.

وضعت الجهات المنظمة باقات ورد بنفسجية خلال حفل الاستقبال الرسمي الذي أقامه الرئيس العراقي جلال طالباني لنظيره الإيراني محمود أحمدي نجاد أمس الأحد. وقال نجاد الذي ارتدى بدلة رمادية وقميصاً أبيض اللون، لدى سؤاله عن الدافع وراء زيارته إلى العراق «يجب طرح السؤال لدى عدم التقاء الأخوة وليس عند التقائهم».

وقاطع الرئيس العراقي جلال طالباني نظيره الإيراني لدى مخاطبته إياه ب«فخامة الرئيس»، قائلا »ادعوني مام جلال»، في إشارة إلى اللقب الكردي ومعناه العم جلال. وقال طالباني لنظيره الإيراني «أتمنى لكم البقاء فترة أطول في العراق». وتولى مترجم نقل حديث الرئيس الإيراني من الفارسية إلى العربية للصحافيين، لأن طالباني يتحدث الفارسية بطلاقة.

وطلب الرئيس العراقي (74 عاماً) في منتصف المؤتمر الصحافي كرسياً للجلوس نظراً للسمنة التي يعاني منها فيما واصل أحمدي نجاد (51 عاماً) حديثه واقفاً.

وقد رفعت الإعلام الإيرانية والعراقية على جانبي الطريق الرئيسي عند مدخل المجمع الرئاسي حتى مقر إقامة أحمدي نجاد.

من جهة أخرى، وقع رئيسا اتحادي الغرف التجارية في العراق وإيران في بغداد أمس، على اتفاق يتعلق من بين أمور أخرى بتسهيل مرور شاحنات النقل بين البلدين وتأمين تأشيرات خاصة لرجال الأعمال والتعاون في مجال إقامة معارض تجارية والمشاركة في المناقصات في البلدين.