قال خبراء ومختصون بالمرور انه على الرغم من الجهود التي تقوم بها مختلف الجهات الأمنية والصحية والتربوية وغيرها في الدولة للتوعية بمخاطر الحوادث المرورية إلا أن هذه الحوادث وفق الإحصائيات ما زالت تعتبر السبب الرئيسي الثاني في الوفيات بالدولة بعد أمراض القلب والشرايين.
فقد بلغ عدد الوفيات من جراء حوادث السير عام 2006م، نحو 878 قتيلا وارتفع عام 2007 إلى 1056 قتيلا وبزيادة 178 وفاة لترتفع النسبة المئوية إلى ( 8. 16 % )، وهي نسبة عالية إذا ما قورنت بعدد السكان في الدولة. وإزاء هذا الأمر المقلق وحرصا على توفير السلامة والأمن على الطرقات كان لا بد من اتخاذ إجراءات صارمة لوقف هذه الظاهرة التي تؤثر بشكل كبير على خطط ومسيرة الدولة التنموية الأمر الذي استوجب إجراء تعديلات هامة على قانون السير والمرور الاتحادي وتغليظ العقوبات على المخالفين من خلال اللائحة التنفيذية للقانون أو ما يسمى ب( النقاط السوداء).
رفع نسبة الالتزام بين السائقين
من جانبه يؤكد العميد محمد سيف الزفين مدير إدارة المرور في دبي أن الهدف من تلك التعديلات يتمثل في رفع نسبة التزام مستخدمي الطريق بقواعد المرور وتقليل عدد الوفيات والإصابات. ويقول إن التعديلات شددت العقوبات على المخالفات الخطيرة مثل كسر الإشارة الحمراء وتجاوز السرعة المقررة والهرب من مكان الحادث الذي ينتج عنه وفيات وإصابات، نظرا لما تمثله تلك المخالفات من خطورة لا يستهان بها في التسبب بإيذاء الآخرين وتعريض حياتهم للخطر.
ويشير العميد الزفين أن تلك التعديلات والنقاط السوداء تعتبر رادعا قويا ستجعل مستخدمي الطريق أكثر تفكيرا وتركيزا أثناء القيادة لخوفهم من مغبة التورط في تلك المخالفات وتطبيق العقوبات عليهم. ويؤكد أن الردع له عدة جوانب منها ما هو مادي من خلال زيادة قيمة المخالفات والردع الآخر تأديبي ويتمثل في سحب الرخصة ومعناه أن هذا الشخص لا يصلح لقيادة مركبته على الطريق ويجب أن يخضع لدورات تأهيلية حتى يتمكن من تجاوز تلك المخالفات وعدم العودة لارتكابها.
المقدم محمود محمد الخميري مدير إدارة المرور والتراخيص في عجمان يقول إن تغليظ العقوبات ورفع الغرامات واحتساب النقاط السوداء سيسهم بلا شك في التقليل من الحوادث لأن العنصر البشري يعتبر من أهم العوامل المتسببة في الحوادث.
حماية الأرواح
من جانبه يعتبر العقيد غيث الزعابي مدير إدارة المرور في وزارة الداخلية أن تعديلات القانون ولائحة النقاط السوداء سوف يكون لها مردودها الايجابي في المستقبل القريب والمتمثل في خفض عدد الحوادث والتزام السائقين بقواعد المرور وأنظمته الأمر الذي يسهم بشكل كبير في خفض عدد الوفيات والإصابات.
وقال إن الهدف من تغليظ العقوبات التي تم تشديدها في بعض المخالفات الخطيرة هو تحقيق الردع المطلوب وضمان عدم عودة المخالف إلى ارتكاب المخالفة خاصة وان بعض العقوبات تتضمن السجن وسحب رخصة القيادة وغرامات مالية مرتفعة.
ويشير الزعابي إلى أن تعديلات القانون ستعمل على التزام فئة من السائقين وبشكل خاص صغار السن والشباب الذين يحملون رخص قيادة مؤقتة بقوانين المرور بشكل أكبر لأن العقوبة والغرامات التي فرضت على هذه الفئة تعتبر مشددة أكثر من غيرهم من السائقين.
التعديلات بين الضرر والضرورة
ويرى الباحث محمود محمد عبد القادر مدير فرع الدراسات والبحوث المرورية في مركز البحوث والدراسات الأمنية في القيادة العامة لشرطة أبوظبي، وعضو اللجنة المكلفة باعداد اللائحة التنفيذية لتعديلات قانون المرور والسير، أن صدور اللائحة التنفيذية لتعديلات القانون أثار ردود أفعال متباينة بين أفراد المجتمع بسبب ما تضمنته اللائحة من تشديد للعقوبات في بعض المخالفات واستحداث نظام جديد لمحاسبة المخالفين لقواعد السير والمرور.
موقف السلامة المرورية في الدولة
وحول إحصائيات الحوادث يوضح الباحث محمود أن الإحصاءات خلال السنوات الأخيرة رصدت زيادة في أعداد حوادث الطرق سواء على الطرق الداخلية أو الخارجية وبالتالي تصاعدت تبعا لذلك أرقام ضحايا الحوادث من وفيات ومصابين بإصابات مختلفة،ويكفي الإشارة إلى أن عدد الوفيات من جراء حوادث السير عام 2006 بلغ 878 قتيلا، ارتفع عام 2007 إلى 1056 قتيلا وبزيادة 178 شكلت نسبة مئوية ( 8. 16 % )، وهي نسبة عالية إذا ما قورنت بعدد السكان في الدولة.
وبالنسبة لأسباب حوادث الطرق يوضح مدير فرع الدراسات والبحوث المرورية إلى أن الدراسات والأبحاث الميدانية تشير إلى أن العنصر البشري ( السائق / المشاة ) يتصدر قائمة أسباب حوادث المرور وبنسبة تبلغ 86 % نتيجة الأخطاء التي يرتكبونها حال استخدامهم للطريق، بشكل متعمد أو غير متعمد أو ناتج عن عدم الاحتياط أو عدم الانتباه أو الجهل بقواعد استخدام الطريق، ولا يتعدى نصيب العوامل الأخرى ( المركبة / الطريق / الأحوال الجوية ) أكثر من 14% من الأسباب.
ضرورة وحتمية تعديل العقوبات
ويرى الباحث أن القيادة الأمنية استشعرت خطورة ما آل إليه مستوى السلامة المرورية، بسبب نزيف الدماء على الطرق نتيجة الحوادث المتكررة، ولم تكن تلك الرؤية هي المحرك الوحيد وراء تبني نظام مروري أكثر صرامة تجاه المخالفين لرفع معدلات السلامة على الطرق إلى المعدلات الآمنة، بل أن النظرة الأكثر شمولا كانت تتمثل فيما يمكن أن تعكسه حوادث الطرق على الاقتصاد من آثار سلبية كالإحجام عن الاستثمار نتيجة عدم الاطمئنان إلى استعمال الطرق بشكل آمن أو تراجع الطلب السياحي على مدن الدولة مما يؤثر على ما حققته الدولة من مكتسبات على مدار العقود الثلاثة الأخيرة.
فلسفة تعديلات قانون المرور
وحول فلسفة التعديلات التي طرأت على القانون أوضح أن القانون في أي مجتمع يمثل دور الحماية لأبنائه ومن ثم فإنه وإن كان البعض يرى أن التشديد في عقوبات قانون ما تمثل نوعا من القيود أو تحد من التصرفات الفردية، إلا أنها تمثل في الوقت نفسه ـ في نظر الغالبية العظمى ـ ستارا من الحماية لا يستطيعون الحصول عليه إلا من خلال القانون.
وقد راعى المشرع عند تعرضه لتعديل بعض مواد القانون ولائحته التنفيذية احترام حرية الفرد التي لا تطغى على حرية الآخرين، كما تبنت سياسات عقابية حديثة في شكل آليات تحد من ارتكاب المخالفات القانونية وبالتالي تحد من وقوع الحوادث بعد أن أثبتت الدراسات أنه ما من حادث مروري إلا وسبقه مخالفة مرورية ما.
ويؤكد مدير فرع الدراسات والبحوث المرورية إن تعديل قانون السير والمرور قد جاء في التوقيت المناسب لمحاولة القضاء على سلوكيات سلبية من السائقين أدت إلى نتائج أكثر سلبية، وأثرت في المجتمع بشكل سلبي وحرمت جمهور مستعملي الطريق من التمتع بطرق آمنة.
تعديلات اللائحة التنفيذية
تعتبر التعديلات التي أدخلت على اللائحة التنفيذية لقانون السير والمرور نوعا من الطفرات التشريعية التي تحسب ـ وبحق ـ للمشرع الإماراتي وتعتبر نقلة حضارية وطفرة في تبني سياسة عقابية لا تعتمد فقط على العقوبة المالية كجزاء لما يقترفه المخالف من جرم بل تتجاوز هذا المفهوم إلى مفهوم مزدوج يحقق الأمان والسلامة على الطريق، ويتعامل مع المخالف باعتباره مصدرا للخطر يحتاج إلى إعادة تأهيله مرة أخرى للحد من خطورة سلوكياته السلبية، ويمكن تلخيص التعديلات في لائحة القانون على الوجه التالي:
تطبيق نظام احتساب النقاط المرورية:
ويؤكد أن ما استحدثته السياسة العقابية في هذا النظام هو منح حوافز للمخالف الذي يرغب في الإقلاع عن ارتكاب المخالفة أو الذي يشعر بأنه يحتاج إلى إعادة تأهيل يمكنه من تعديل سلوكه ويضفي على هذا السلوك نوعا من الالتزام من أجل حماية باقي مستعملي الطريق.
فأجازت اللائحة لمن لم يصل إلى الحد التراكمي للنقاط ( 24 نقطة ) أن يتقدم للحصول على دورية في إعادة تأهيل السائقين وعند إتمامها يتم خصم عدد من النقاط التي حُمّلت عليه من قبل تقديرا لمبادرته في إصلاح وتعديل سلوكياته وتلقي المزيد من التدريب على مهارات القيادة التي تجنبه ارتكاب المخالفات المرورية.
بيد أن اللائحة قد تصدت بشدة لعدد من المخالفات الخطيرة التي أشارت الدراسات الميدانية والتحليلية لحوادث الطرق أنها كانت وراء وقوع العديد من الحوادث الجسيمة مثل تخطي الإشارة الضوئية الحمراء عمدا، أو القيادة تحت تأثير المواد الكحولية أو المخدرة أو القيادة بطيش وتهور وبصورة تشكل خطرا على مستعملي الطريق أو الهروب من رجل المرور حال استيقافه، أو تجاوز السرعات المحددة على الطرق حيث تمثل هذه المخالفة أكثر المخالفات شيوعا وأكثرها تسببا للحوادث الجسيمة.
كما كان لتعديلات اللائحة التنفيذية دورا في تقدير ارتكاب المخالفة للمرة الأولى أو تقدير الظرف الذي ارتكبت فيه المخالفة، فأجازت للمخالف أن يتقدم للجهة المختصة بطلب لرفع حجز المركبة مقابل سداد مبلغ عن كل يوم من أيام الحجز، إلا أن هذا الإجراء يعد جوازيا ويخضع للسلطة التقديرية لإدارة المرور تقدره وفقا لأسبقيات المخالف وعدد المخالفات التي ارتكبها ومدى اعتياده على ارتكاب المخالفات.
تعديل 14 مادة في القانون
اشتمل تعديل القانون على 14 مادة في متن قانون المرور والسير رقم 21 لسنة 1995، هي المواد: 1، 7، 14، 16، 25، 38، 49، 50، 51، 52، 56، 57، 61، 63 وتمحور التعديل في بعض التعريفات الذي وجد نتيجة للمتغيرات في المجتمع ضرورة تعديلها مثل تعريف الطريق في المادة (1) بأنه «كل سبيل مفتوح للسير العام دون حاجة إلى إذن خاص، وكل مكان عام يتسع لمرور المركبات، ويسمح للجمهور بارتياده سواء كان ذلك بإذن أو بترخيص من جهة مختصة أو بغير ذلك وسواء كان ارتياده بمقابل أو بغير مقابل».
هدف هذا التعديل إلى توسيع مفهوم الطريق وإخضاع كافة مستعمليه لقانون السير طالما كان استخدامه يتصف بالعمومية وعليه فإن الطرق التي كانت تعتبر خاصة ولا تخضع للقانون في مفهوم القانون قبل التعديل مثل الأندية وساحات الانتظار الملحقة بالمراكز التجارية أو مواقف انتظار السيارات بها أصبحت كلها تعد من الطرق العامة والتي يخضع استخدامها لقواعد قانون السير والمرور..
كما ألزم التعديل الوارد في المادة (7) من القانون المشاة بعبور الطريق من الأماكن المخصصة للعبور الآمن كما حظر عليهم الوقوف بنهر الطريق، وكان المبرر لهذا التعديل ما أظهرته الإحصاءات من وقوع العديد من حوادث الطرق (الدهس) ضد المشاة نتيجة عدم التزامهم بالعبور من الأماكن المخصصة للعبور، وبالتالي يمكن محاسبة المشاة وتوقيع عقوبة الغرامة عليهم عند مخالفتهم لقواعد القانون وعدم الالتزام بالعبور من الأماكن المخصصة لهم.
وغلظ التعديل في المادة (49) العقوبة على اصطناع أو تقليد لوحات الأرقام المعدنية للمركبة أو استعمال لوحات مصطنعة أو مقلدة، أو طمس أو تغيير بيانات اللوحات، أو نقل لوحة من مركبة إلى أخرى دون إذن من سلطة الترخيص أو عدم الوقوف دون عذر مقبول عند وقوع حادث مروري منه أو قيادة مركبة تحت تأثير المواد المخدرة أو الكحول.
ووصل بالعقوبة إلى الحبس والغرامة التي لا تقل عن 25 ألف درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين. والهدف من ذلك هو تأمين الطريق من أخطار عمدية يرتكبها البعض وتؤدي في الغالب الأعم إلى عواقب وخيمة أكدتها عملية تحليل أسباب حوادث السير التي اعتمدت كأساس لمقترحات التعديل.
ولتحقيق المزيد من الأمان على الطريق، فإن مواد القانون تشتمل على إجراءات احترازية وتدابير يتم اتخاذها حيال المخالفين بغرض تحقيق نوع من الردع الخاص في نفس المخالف يمنعه من العودة لارتكاب المخالفة، ونوع من الردع العام يمنع من لم يقترف المخالفة من الإقدام على ارتكابها ومنها على سبيل المثال سحب رخصة القيادة من المخالف لفترة.
وقد تلاحظ أن عددا من المخالفين الذين يتم سحب رخصهم يعودون لقيادة السيارات قبل استيفاء مدة سحب الرخصة، واستردادها، فغلظت المادة (50) من القانون هذا الفعل وجعلت العقوبة المقررة له هي الحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر وبغرامة لا تقل عن 5 آلاف درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين.
وعالجت المادة رقم (51) ظاهرة سماح الآباء لأبنائهم دون السن أو ذويهم أو معارفهم أو غير الحاصلين على رخصة قيادة بقيادة المركبات مما يؤدي إلى وقوع حوادث جسيمة نتيجة عدم الدراية بقواعد القيادة أو عدم السيطرة على المركبة نتيجة الجهل أو نقص الخبرة، فغلظت العقوبة على من يسمح بذلك لتكون الحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر أو الغرامة التي لا تقل عن خمسة آلاف درهم.
ومن أهم ما جاءت به التعديلات هو تبني السياسة التشريعية تطبيق نظرية العود لارتكاب المخالفة باعتبارها موجبا لتغليظ العقوبة من خلفية أن المخالف لم تردعه العقوبة التي وقعت عليه في المرة الأولى، فاعتبر التعديل أن العودة لارتكاب المخالفة في خلال سنة ظرفا مشددا يستوجب تشديد العقوبة على المخالف.
أبوظبي ـ «البيان»


