لم يكن (ر) يصبر على فراقها ليوم واحد فهي حبه الأول والأخير وهي كل حياته، لذا عندما جاءه عقد العمل في الخارج لم يفرح كثيراً بذلك كما يفعل غيره من شباب القرية. فرغم أن عقد العمل في الخارج سيوفر له المال الكثير الذي سيبني من خلاله لنفسه ولأسرته بيتاً من الاسمنت بدلاً من بيت الطين الذي يسكنه إلا أنه في قرارة نفسه كان يتمنى لو أنه يستطيع رفض السفر حتى يبقى إلى جانب (س) ليراها كل يوم وهي تذهب صباحاً لتملأ جرة الماء من أحد الجداول في الوادي المجاور.
العمل بجد ونشاط
عندما تسلم (ر) عمله فني كهرباء في إحدى الشركات وضع نصب عينيه أن يجد ويجتهد حتى يحقق أحلامه المادية ويعود إلى قريته ليتزوج من (س). مرت الأيام والأشهر والسنون الثلاث وأخيراً قرر (ر) أن يعود إلى قريته ليرى أهله ويتزوج من (س) كان (ر) قد جمع مبلغاً جيداً من المال وعندما حوله إلى عملة بلاده أصبح المبلغ كبيراً لذا بدأ مشروعه الأول وهو الزواج من (س) وبعد نحو ثلاثة أشهر عاد إلى عمله مصطحباً معه زوجته (س) حيث أحس بأن الحياة بدأت تبتسم له كيف لا وهو يملك المال والزوجة التي يحب. بعد تسعة أشهر رزق الزوجان بطفلة، ورغم ان (ر) كان يتمناها ولداً إلا ان ذلك لم يقلل من حبه لزوجته.
ومرت الأيام، وبعد سنتين رزق (ر) بطفلة ثانية، ما جعله يشعر بشيء من الحزن فالبنات يعتبرن عبئاً كبيراً على الأسرة في بلاده وذلك لان الأب مضطر لأن يجهزهن جهازاً فخماً حتى يتزوجن لذا فإن الفتاة من الأسرة الفقيرة عادة لا تجد من يتزوجها لأنها غير قادرة على تجهيز نفسها. عندما عرفت والدة (ر) بأنه رزق طفلة ثانية طلبت منه أن يتزوج امرأة أخرى بعد أن يطلق زوجته باعتبار ان المرأة التي تلد البنات هي امرأة غير صالحة وتجلب الحظ السيئ لزوجها وأهله.
طلبت الأم بإلحاح من ابنها ان يطلق زوجته وان يتزوج فتاة أخرى تنجب له ذكوراً بدلاً من الإناث وفعلاً قرر (ر) أن يسافر إلى قريته ويتزوج وفقاً لرغبة والدته إلا ان الشركة التي يعمل فيها لم تسمح له بالإجازة حيث ان مشاريعها كانت على وشك التسليم وهي بذلك بحاجة إلى كل جهد. في هذه الأثناء اقترح عليه أخوه وابن عمه ان يعرض زوجته على طبيبة لتعطيها بعض الأعشاب والأدوية لعلها تنجب طفلاً ذكراً، لذا لم يجد (ر) بداً من ذلك لأن الشركة رفضت إعطاءه الإجازة.
خلال زيارته لإحدى العيادات الطبية حاولت الطبيبة إقناع (ر) بأن المرأة ليست هي من يقرر ان كانت ستنجب طفلاً أم طفلة بل ان المرأة (جهاز مستقبل) وأن الرجل بعد إرادة الله هو الذي يحدد نوع المولود. كان هذا الموضوع العلمي أصعب من ان يستوعبه أو يصدقه (ر) لكنه تظاهر بأنه مقتنع بذلك حتى لا يبدو أمام الطبيبة بأنه إنسان جاهل.
بعد خروجه من عيادة الطبيبة اندفع (ر) إلى رجل دين من مذهبه وشرح له قصة زوجته في إنجاب البنات، فما كان من رجل الدين إلا ان افهمه بأن الأمر بسيط، وعندما قال له (ر) بأن الطبيبة أفهمته بأنه هو المسؤول عن إنجاب الذكر أو الأنثى قال له رجل الدين بأن الطبيبة جاهلة رغم شهادتها العلمية وبأنه قادر على أن يجعل زوجته تنجب له الولد الذكر. بدأت (س) رحلة علاج مع رجل الدين وكان زوجها سخياً في الهدايا والأموال التي يقدمها إلى رجل الدين، لذا عندما حملت للمرة الثالثة شعر رجل الدين بزهو كبير وهو يقول لـ (ر) بأن زوجته حاملا بتوأم من الذكور وطلب رجل الدين من (ر) عدم السماح لزوجته بزيارة الأطباء حتى لا تذهب بركة أدويته ودعائه هباء.
فرح (ر) لهذا الخبر فرحاً كبيراً وقدم لرجل الدين مبلغاً كبيراً من المال هدية له على اهتمامه بزوجته واعداً إياه بأنه سيعطيه المزيد عندما يصل التوأم إلى الدنيا ويراهما بعينيه. كانت (س) تشعر بقلق كبير رغم ان رجل الدين طمأنها بأنها حامل في توأم من الذكور، فقد كانت تخشى أن تلد أنثى فتنقلب حياتها رأساً على عقب. مرت الأيام ثقيلة على (س) وأخيراً جاءت اللحظة الحاسمة حيث ولدت زوجته طفلة ثالثة، أحس (ر) بأن بركانا في داخله فصب جام غضبه على زوجته، وعلى رجل الدين الذي خدعه وأخذ أمواله وهداياه.
ذهب (ر) إلى رجل الدين محاولاً قتله إلا أن بعض الرجال الذين كانوا عنده أنقذوه من بين يدي (ر)، فرجع إلى بيته وكله غضب ولا يدري ماذا يعمل بهذه المصيبة التي وقعت على رأسه.
ذهب (ر) إلى حيث يسكن أخوه وابن عمه، في سكن عمال الشركة وعندما عرفا ما به اتفقوا جميعا على ان يتخلصوا من هذه المرأة التي ليس وراءها سوى المصائب المتمثلة بإنجاب البنات، كان رأي (ر) وأخوه ان يتخلصا من (س) وابنتها الوليدة وان يشيعوا بأن (س) توفيت وهي تلدها، وبذلك سيصدق الناس هذه الرواية خاصة وأن (س) وحيدة في الغربة وليس لها أهل أو أحد ليكذب هذه الرواية إلا أن ابن عمهما كان له رأي آخر وهو أن يطلقها، لكن (ر) عارض ذلك بشدة قائلاً بان الطلاق لن يحل المشكلة لأنه مضطر لأن ينفق على الطفلة الجديدة وعندما تكبر فان عليه أن يجهزها للزواج فهذا واجب كل أب تجاه بناته، لذا كانت فكرة الخلاص من (س) والطفلة الجديدة هي أفضل طريقة لإنهاء هذا الكابوس.
خطة الخلاص
بدأ الرجال الثلاثة (ر)، وأخوه وابن عمهما في نشر خبر وفاة (س) أثناء الولادة، لكن هذا الخبر لم يلق اهتماما وسط هذا الحشد الكبير من العمال الذين لا هم لهم إلا مشاكلهم اليومية ومحاولة حلها. بدأ الرجال يخططون لقتل المرأة وابنتها الوليدة مركزين على نقطة واحدة وهي ان ينفذوا خطتهم دون ان تكتشفهم الشرطة لذا بدأوا يدرسون كل الخطط بإحكام ويضعون أمامهم احتمالات الفشل والنجاح وأخيراً استقروا على أن يأخذوا (س) وابنتها في الليل ويقتلونهما في الصحراء ويرمون جثتيهما في إحدى الأماكن البعيدة في موقع لمحاجر مهجورة.
في هذه الأثناء تذكر (ر) حبه الأول لذا طلب من أخيه ان يقوم بقتل (س) وابنتها لأنه لا يستطيع ان يتخيل بأنه سيقتل المرأة التي أحبها بجنون، إلا أن الأخ رفض معللاً ذلك بضعف قدرته على القتل، لذا استقر الرأي على ان يقوم ابن عمهما بذلك. قبل عملية القتل بيوم واحد ذهب الرجال الثلاثة يتفقدون المكان الذي سيقتلون (س) وابنتها فيه واستقر رأيهم على مكان لقطع الحجارة كان المكان مهجوراً وبعيداً ووجوده مناسب جداً لتنفيذ خطتهم.
ليلة تنفيذ الخطة أعلن ابن عمهما رفضه لقتل المرأة فهو لا يريد ان يتحمل هذا الجرم وحده، فلو اكتشفت الشرطة ذلك فإنه سيتحمل المسؤولية كاملة، هنا عرض عليه (ر) مبلغاً كبيراً من المال مقابل وعد بأن الشرطة لن تعرف هذه القصة أبداً، وفي حالة أنها عرفت بذلك فإن الجميع سيعترفون بأنهم شركاء في هذه الجريمة.
أخيراً وافق الرجل على ذلك وفي الوقت المحدد انطلق الجميع في سيارة (ر) باتجاه المحجرة المهجورة، أحست المرأة بأن خطراً يحيق بها هي وابنتها فقد رأت في وجوه (الشياطين) الثلاثة الغدر والخسة. بدأت (س) تستجدي الحياة لها ولابنتها من زوجها وبدأت تذكره بحبه لها وحبها له، لكن الرجل بقي مصمماً على رأيه.
بدأت المرأة تصرخ لكن بضع لكمات على وجهها أسكتتها عندما وصل الجميع إلى المكان المحدد نزلوا وسحبوا (س) إلى مصيرها وعندما أوصلوها إلى المكان المقرر ان يقتلوها فيه، قاموا بتكميم فمها وربط قدميها ويديها وقالوا لابن عمهما اقتلها ونحن سننتظرك في السيارة، حاولت المسكينة ان تصرخ لكن ظلام الليل وقسوة الشياطين الثلاثة كانت أكبر من وصول صرختها إلى أحد.
عندما ذهب (ر) وأخوه تقدم ابن عمهما من (س) وقال لها بأنه سيبقي على حياتها مقابل ان تعطيه نفسها، فوافقت على ذلك لذا قال لها حاولي ان تخرجي بعض الصرخات وكأنني أقتلك فعلت المرأة ذلك وهي لا تصدق بأنها لن تموت وان الرجل سيتركها هي وابنتها على قيد الحياة. قال لها الرجل بأنه سيقول لزوجها ولأخيه بأنه قتلها هي والطفلة ووعدها بأنه سيعود إليها في الصباح الباكر ليأخذها إلى مكان آمن.
بعد ذلك ذهب الرجل إلى (ر) وأخيه وقال لهما بأنه قتل (س) وابنتها وطلب منهما الانصراف من المكان بأقصى سرعة حتى لا يراهما أحد. انطلق الرجال الثلاثة عائدين إلى بيت (ر)، في الصباح قال الرجل لـ (ر) بأنه لن يذهب إلى العمل لأنه لا يزال خائفاً من ان يكشف أمرهم أحد كما أن أعصابه مشدودة بسبب قتله لـ (س) وابنتها.
بعد أن ذهب (ر) وأخوه إلى العمل ذهب ابن عمهما إلى حيث (س) حيث وجدها في حالة يرثى لها من التعب والخوف والإرهاق ورغم الحالة السيئة التي كانت بها (س) قام الرجل باغتصابها مرات عدة، ثم أعطاها بعض الطعام والماء وطلب منها أن تبقى في مكانها حتى تدبر أمرها. بقيت (س) في تلك المنطقة النائية خمسة أيام لا تستطيع الخروج من المحجرة خوفاً على حياتها وحياة ابنتها وكان خلال الأيام الخمسة يأتي إليها الرجل ويقوم باغتصابها مرات عدة.
أحست (س) بأن الرجل غير جاد في إنقاذها مما هي فيه وأنه يفضل بقاءها بعيداً عن الناس حتى يستمر في استعباد جسدها، لذا قررت ان تخرج من مكانها وليكن ما يكن، في أحد الأيام ومع أشعة الصباح الأولى بدأت (س) تمشي على غير هدى تجر جسدها المتهالك وتحمل ابنتها بين يديها وأخيراً رأت شخصاً من بعيد، بدأت تنادي بأعلى صوتها لكن الصوت لشدة ضعفها لا يكاد يسمعه أحد، وأخيراً بدأت تلوح للشخص بقطعة قماش كانت على رأسها.
جاءها الرجل وعندما وصلها كانت قد سقطت على الأرض حاول الرجل ان يعرف منها شيئا لكن لسانها أبى أن ينطق بشيء. اتصل الرجل بالشرطة التي حضرت في الحال وتم إرسال (س) وابنتها إلى المستشفى حيث تم إسعافها، وبعد ذلك تمكنت من سرد قصتها إلى ضابط الشرطة الذي جاء إلى المستشفى ليأخذ أقوالها.
تمكنت الشرطة من تحديد المكان الذي كانت فيه (س) لذا وضعت بعض أفراد من التحريات بالقرب من المكان مختبئين خلف الصخور في حين ذهب أحد الضباط إلى المكان الذي كانت فيه (س) وجلس في مكانها انتظاراً لأن يحضر الرجل الذي كان يقوم بالاعتداء عليها.
لم يطل الانتظار كثيراً حيث جاء الرجل واندفع إلى حيث من المفترض ان تكون (س) وما كاد يدخل المحجرة حتى ذهب إلى (س) لكنه تفاجأ بأن الذي هناك ضابط شرطة. تم اعتقال الرجل الذي اعترف بمشاركته في التخطيط للخلاص من (س) وابنتها لكنه أنكر اعتداءه عليها غير ان هذا الإنكار تبدد بعد ان كشف المختبر الجنائي بأن آثار الاعتداء موجود على ملابس السيدة حيث كشف المختبر بأن الآثار التي وجدت على ملابس السيدة تحمل نفس الـ خء للرجل، تم الاهتداء إلى (ر) وأخيه حيث تم اعتقالهما. طلب (ر) من الضابط ان يرى (س) حتى يتأكد بأنها لم تمت فعلاً وأثناء اللقاء طلب (ر) من (س) ان تسامحه لكنها رفضت وأخبرته ما كان يعمل بها ابن عمه من اعتداء عليها.
محاولة قتل
اجتمع الشياطين الثلاثة في السجن (ر) وأخيه وابن عمهما كان (ر) يشعر بأن ابن عمه قد خدعه حيث أخذ فلوسه واعتدى على زوجته وهو سبب وجوده وراء القضبان. في أحد الأيام بينما كان المساجين يجلسون في صالة الطعام تقدم (ر) وأخيه، من ابن عمهما وأمسكا بملعقتي طعام وهجما عليه محاولين قتله بغرس يد إحدى الملاعق في عنقه والأخرى في قلبه. بدأ الرجل يصرخ فاندفع السجناء لحمايته من (ر) وأخيه من جانب آخر بدأت (س) وابنتها بالتعافي حيث طلبت منهما إدارة المستشفى المغادرة، لكن السيدة بدأت تبكي فهي لا تعرف أين تذهب، تم الاتصال بقنصلية بلادها التي راحت تبحث عن ابنتي (س) عن طريق الشرطة وبمساعدة بعض موظفي القنصلية.
وأخيرا استطاعت (س) ان ترى ابنتيها من جديد وتم حجز تذاكر سفر لـ (س) ولبناتها الثلاث، حيث عادت إلى قريتها تحمل بين جنباتها ذكريات مريرة بينما زوجها وأخوه وابن عمهما يقبعون في السجن بتهمة محاول القتل والاغتصاب.
احمد سلطان