هل يُعْقَلُ أن يَتَنَكَّرَ المتَنَكِّرُونَ لتاريخِ محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم الحافِلِ بالصِّدْقِ والأمانةِ وجلائلِ الأعمال؟! وهل يُقْبَلُ أن يُسَخِّرُوا أَلسنتَهُم وأقلامَهُم للنَّيْلِ مِنْهُ ومِنْ سُنَّتِهِ وسيرتِهِ بأَسْوَأِ الكلماتِ وأَبْشَعِ الرُّسومات؟!

إنَّ هذا الجحودَ وهذا التَّنَكُّرَ لِفَضْلِ محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم ولأيادِيهِ البيضاء على الإنسانيةِ كُلِّها ليس له إلا تفسيرٌ واحدٌ هو أنَّ هؤلاءِ الذين سَفِهُوا أنْفُسَهُم وَجَدُوا في دعوةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وفي كتابِهِ الخالدِ ما يُعارِضُ أهواءَهم ويُقاوِمُ ضَلالَهم، ويَفْضَحُ طُغْيانَهم في البلاد والإِكثار فيها من الفساد، ورَأَوْا أنَّ دعوتَهُ صلى الله عليه وآله وسلم لا تَقِفُ في وجْهِها سُدُودٌ مَهْما أُحْكِمَتْ، ولاتَشُلُّ حَرَكَتَها قُيودٌ مَهْما شُدِّدَتْ، إنها بوضُوحِها وشُمُولِها، وواقعيتِها ومثاليتِها، ووسطيتِها وربانيتِها وعالميتِها تنتقل مِنْ قَرْنٍ إلى قَرْن، ومِنْ أَرْضٍ إلى أَرْض، ومِنْ قَلْبٍ إلى قَلْب، ومِنْ عَقْلٍ إلى عَقْل، وهذا كُلُّهُ يُثِيرُ حِقْدَهُم وحَسَدَهُم، ويجعلُ قُلُوبَهُم تَتَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظ! قال اللهُ تعالى: «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ».

وللهِ دَرُّ وَرَقَةَ بنِ نَوْفَل ما كان أَفْقَهَهُ عندما قال لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلاَّ عُودِيَ» (رواه البخاري).

هذه هي أسبابُ التَّطَاوُلِ على مَقَامِ رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم، ونحنُ نُوقِنُ بأنَّ هذا التَّطَاوُلَ - وإنْ كانَ يُثِيرُ غَضَبَنا ويُزَلْزِلُ مَشَاعِرَنا ـ كَمِثْلِ الزَّبَدِ يَذْهَبُ جُفاءً ولا يَنَالُ لا مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ولا مِنْ كِتَابِهِ ولا مِنْ دَعْوَتِه، بل على العكسِ يَزِيدُنا إيماناً وحٌبّاً وإعزازاً وتَمَسُّكاً، وهذا أَبْلَغُ وأفْعَلُ رَدٍّ على هذا التَّطَاوُل، وقديماً قال الشَّاعِرُ العَرَبِيُّ:

لَقَد زادَني حُبّاً لِنَفسي أَنَّني

بَغيضٌ إِلى كُلِّ اِمرِئٍ غَيرِ طائِلِ

وَأَنّي شَقِيٌّ بِاللِئامِ وَلا تَرى

شَقِيّاً بِهِم إِلا كَريمَ الشَمائِلِ

إننا وإنْ كُنَّا نشعر بالظُّلْمِ وبالدَّهْشَةِ لِكُلِّ هذه الضَّغائنِ والأحقادِ ضِدَّ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وضِدَّ كتابِهِ ورسالتِهِ لا نُخَالِفُ في مواقِفنا ورُدُودِ أفعالِنا الأدبَ الذي أدَّبَنا به رَبُّنا جَلَّ جَلالُهُ في قوله: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) وقولِهِ تعالى في سورةِ الأحزاب: (وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً).

إننا بإزاءِ هذا الأذَى الكثيرِ الذي يتعرَّضُ له الإسلامُ ونبيُّ الإسلامِ وكتابُ الإسلامِ سَنَلُوذ بالصَّبْرِ والتَّقْوَى كما أَمَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وسنفوِّضُ أمرَنا إلى اللهِ وكفَى به وكِيلا، ونحن نُوقِنُ بأنَّ عَاقِبَةَ الصَّبْرِ والتَّقْوَى والتَّوَكُّلِ علَى اللهِ ستكونُ ثَمَراتٍ يانِعة، وانتصاراتٍ باهِرة، وانتشاراتٍ للإسلامِ في الشرقِ والغرب، وصَدَقَ اللهُ العظيمُ إذ يقولُ في التَّعْقِيبِ علَى حَادِثةِ الإِفْكِ: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) ومِنَ الخيرِ في ذلك: تَوْجِيهُ أنظارِ العالَمِ إلى الإسلامِ وإلى نَبِيِّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم.

إننا ندعو قادةَ الرَّأْي والفِكْرِ في الغَرْبِ أن يُراجِعوا أنفسَهم، وأن يَثُوبُوا إلى رُشْدِهِم، وأن يَلتزمُوا الموقِفَ النَّزِيهَ مِنَ الإسلامِ ومِن نَبِيِّ الإسلامِ وقِيَمِهِ العظيمةِ وعطائِهِ للإنسانيةِ عَبْرَ العُصور، وأن لايَتَّخِذُوا مِنْ حُرِّيَّةِ التَّعْبِيرِ قَنْطَرَةً للهُجُومِ علَى الحُرُماتِ والمُقَدَّسات.

د. قطب عبدالحميد قطب