سأل النبي صلى الله عليه وسلم أبيّ بن كعب رضي الله عنه وقال: (أي آية أعظم في كتاب الله)؟ قال: آية الكرسي؛ فضرب على صدره، وقال: «ليهنك العلم أبا المنذر وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ لَهَا لِسَانًا وَشَفَتَيْنِ تُقَدِّس الْمَلِك عِنْد سَاقَ الْعَرْش». رَوَاهُ مُسْلِم. وورد انه من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح؛ وهي مشتملة على عشر جمل؛ كل جملة لها معنى عظيم جداً.

(اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) (البقرة: 255)

تتضمن آية الكرسي قواعد التصور الإيماني وتذكر من صفات الله سبحانه ما يقرر معنى الوحدانية في أدق مجالاته وأوضح سماته وهي آية جليلة الشأن عميقة الدلالة واسعة المجال، وكل صفة من هذه الصفات تتضمن قاعدة من قواعد التصور الإسلامي الكلية ومع أن القرآن المكي في عمومه كان يدور على بناء هذا التصور فإننا نلتقي في القرآن المدني كذلك في مناسبات شتى بهذا الموضوع الأصيل الهام الذي يقوم على أساسه المنهج الإسلامي كله ولا يستقيم هذا المنهج في الحس إلا أن يستقيم ذلك الأساس ويتضح ويتحول إلى حقائق مسلمة في النفس ترتكن إلى الوضوح واليقين.

وتبرز هنا الأهمية البالغة لوضوح صفة الله سبحانه في الضمير الإنساني التي جاء الإسلام فجلاها هذا الجلاء المبين وأنقذ الضمير البشري من ذلك الركام الثقيل ومن ذلك الضلال والخبط في الظلماء الذي وصم معتقدات السابقين. وكل صفة إلهية من هذه الصفات التي تضمنتها هذه الآية تمثل قاعدة يقوم عليها التصور الإسلامي الناصع كما يقوم عليها المنهج الإسلامي الواضح.

الله لا إله إلا هو..هذه الوحدانية الحاسمة التي لا مجال فيها لأي انحراف أو لبس مما طرأ على الديانات السابقة بعد الرسل كعقيدة التثليث المبتدعة من المجامع الكنسية بعد عيسى عليه السلام ولا لأي غبش مما كان يرين على العقائد الوثنية التي تميل إلى التوحيد ولكنها تلبسه بالأساطير كعقيدة قدماء المصريين في وقت من الأوقات بوحدانية الله ثم تلبيس هذه الوحدانية بتمثل الإله في قرص الشمس ووجود آلهة صغيرة خاضعة له هذه الوحدانية الحاسمة الناصعة هي القاعدة التي يقوم عليها التصور الإسلامي؛ والتي ينبثق منها منهج الإسلام للحياة كلها.

وعن هذا التصور تنشأ قاعدة استمداد القيم كلها من الله؛ فلا اعتبار لقيمة من قيم الحياة كلها إذا لم تقبل في ميزان الله ولا شرعية لوضع أو تقليد أو تنظيم يخالف عن منهج الله وهكذا إلى آخر ما ينبثق عن معنى الوحدانية من مشاعر في الضمير أو مناهج لحياة الناس في الأرض على السواء. من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه وهذه صفة أخرى من صفات الله؛ توضح مقام الألوهية ومقام العبودية فالعبيد جميعا يقفون في حضرة الألوهية موقف العبودية؛ لا يتعدونه ولا يتجاوزونه يقفون في مقام العبد الخاشع الخاضع.

الذي لا يقدم بين يدي ربه؛ ولا يجرؤ على الشفاعة عنده إلا بعد أن يؤذن له فيخضع للإذن ويشفع في حدوده وهم يتفاضلون فيما بينهم ويتفاضلون في ميزان الله ولكنهم يقفون عند الحد الذي لا يتجاوزه عبد إنه الإيحاء بالجلال والرهبة في ظل الإلوهية الجليلة العلية يزيد هذا الإيحاء عمقا صيغة الاستفهام الاستنكارية؛ التي توحي بأن هذا أمر لا يكون؛ وأنه مستنكر أن يكون فمن هو هذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه.

أحمد عبد المجيد