ظهرت على سطح الميدان التربوي العديد من الممارسات الطلابية الخاطئة وكان آخرها لفتا للانتباه ارتداء طلبة من الجنسين في بعض المدارس الخاصة التي تتبع النظام الأميركي أو البريطاني في التدريس سترات خارجية عليها رسومات وصور تدعو إلى ممارسة بعض الطقوس المحرمة شرعا والمنافية للعادات والتقاليد ورغم جهل الطلبة بأن هذه الرموز تعكس توجها فكريا.

إلا أنهم ممعنون في هذا التصرف إلى جانب تصرفات أخرى كالتدخين واستخدام العنف والعبارات البذيئة وغيرها من السلوكيات الدخيلة على مجتمعاتنا المحافظة. وفي الوقت الذي نحمل فيه الطلبة جزءا من المسؤولية نتيجة إقدامهم على مثل هذا النوع من الأعمال، إلا أن البعض عزا انتشارها وتفشيها في الميدان التربوي دون ـ رادع ـ إلى غياب المشروعات التربوية في خطة الإصلاح والتطوير المركزية في وزارة التربية والتي تعالج السلوكيات وتهتم بالقيم، وتعمل على تعزيز الأخلاق والسلوكيات الإيجابية لدى الطلبة.

وطالب تربويون بتكثيف البرامج والأنشطة والمسابقات المركزية التي تستهدف بث القيم الإيجابية في نفوس الطلبة، والقضاء على السلوكيات السلبية، وعدم التركيز فقط على تطوير المنظومة التعليمية، من خلال المناهج والبرامج التدريسية المتبعة، التي لا يمكن ان تحقق هدفها المنشود دون الاهتمام بالسلوكيات الإيجابية والأخلاق الحميدة، وشددوا على ضرورة التنويع في غرس القيم التربوية بشكل مشوق وجذاب، وإجراء دورات تدريبية للمعلمين لتنمية قدراتهم في تفعيل القيم التربوية، تتناسب مع المواقف والمشاكل التي تواجه المجتمع.

وكانت معلمة في إحدى المدارس الخاصة لاحظت تزايد نسبة الطلبة الذين يرتدون ملابس برسومات تروج لطقوس محظورة وأخرى منافية للقيم والعادات وعند سؤالها للطلبة عن سبب ارتدائهم لهذا النوع من الملابس التي تباع في احد المراكز التجارية الكبرى بمبلغ باهظ يصل الى 5 آلاف درهم أجابوا انها مجاراة للموضة ليس اكثر ومع انها قامت بتوضيح خطورتها مدعمة بالصور والمواضيع التي حصلت عليها عبر مواقع في الإنترنت، إلا أن الطلبة عاندوا واستمروا على ما هم عليه، مشيرة إلى أنها شعرت بالأسى لردة فعلهم السلبية مع أنها توقعت تجاوبا سريعا من قبلهم.

وقالت فتحية زيد رئيس قسم الإدارة التربوية بتعليمية الشارقة انه رغم تضمين المناهج الدراسية المطورة، الكثير من القيم والجوانب التربوية المختلفة، اضافة الى الاهتمام الذي توليه بعض المدارس لهذه الجوانب في المسابقات والأنشطة التي تنظمها، إلا انها مازالت قاصرة ولا تواكب التغييرات المجتمعية والثقافات المتعددة التي تعصف في المجتمع، وباتت تشكل خطورة على قيم المجتمع واخلاقه وعاداته وتقاليده، مشيرة إلى وجوب الاهتمام بالجانبين التربوي والتعليمي لطلابنا بشكل متواز، يحفظ سلوك الطلبة واخلاقهم، وبذات الوقت ينمي مهاراتهم الشخصية والعلمية، ويؤهلهم لقيادة عجلة التنمية في المجتمع.

وأضافت زيد ان النصاب المرتفع من الحصص للمعلمين وكثافة المناهج قد أثرا سلبا على اهتمام المعلمين بغرس القيم التربوية، خاصة وان الحصة اصبحت بالكاد تكفي للمنهاج، لافتة الى ان التطور التكنولوجي المتسارع، والسيل الجارف من القنوات الفضائية الهابطة، اصبحا يحتاجان الى طريقة جديدة وتنوع في اساليب غرس القيم التربوية بشكل مشوق وجذاب، مشددة على ضرورة اجراء دورات تدريبية للمعلمين لتنمية قدراتهم في تفعيل القيم التربوية، تتناسب مع المواقف والمشاكل التي تواجه المجتمع.

قيم تربوية

وقال مشعل خميس الخديم ان كثيرا من المناهج المطورة الجديدة تتضمن قيما تربوية مختلفة، ولكنها غير واضحة المعالم، وليست على شكل مشروع واضح الأهداف من قبل وزارة التربية والتعليم، وانما تمر عبر اجتهادات شخصية من إدارات المدارس التي بعضها تفعل هذه القيم وتختار من الرسائل التربوية التي تبثها عبر المعلمين وانشطتها ومسابقاتها والاذاعة المدرسية ما يعزز من بعض القيم التربوية، وأهمها: بر الوالدين والصدق والامانة وطاعة الوالدين واحترام المعلم وغيرها من القيم، بينما قد لا تهتم مدارس اخرى بتركيز انشطتها على الجوانب التربوية لاهتمامها اكثر بالجوانب العلمية والمعرفية.

واضاف الخديم ان المدارس تشهد حاليا غيابا لمشروع مركزي واضح المعالم يهتم بالقيم التربوية ويعمل على تعزيز الاخلاق والسلوكيات الايجابية لدى الطلبة، عبر برامج وانشطة ومسابقات مركزية، مشيرا الى ان التركيز على التنمية المهنية للمعلمين والاداريين، وتطوير المناهج والمعرفة، دون الالتفات الى القيم التربوية التي من المفترض ان تسير جنبا الى جنب مع التطور المعرفي والتقني والتكنولوجي، اصبح يهدد بظهور سلوكيات سلبية في المجتمع لا تحمد عقباها.

وأكد علي الحوسني مدير مدرسة المجد النموذجية انه لا يوجد اي مشروع مركزي تتبناه وزارة التربية لتعزيز القيم الايجابية في المدارس، من خلال المسابقات والانشطة التي تقيمها، مشيرا الى ان شغل الوزارة الشاغل هو تنمية مهارات الطلاب والمعلمين في اللغة الإنجليزية والحاسوب، وذلك على حساب القيم والسلوكيات الايجابية التي من المفترض ان تعزز في المدرسة، والتي لم تعد كما كانت احدى المحاضن التربوية الهامة ، لغرس الاخلاق الايجابية، والمثل والقيم الحسنة بين الطلبة.

وأضاف الحوسني انه بات على وزارة التربية ان لا تغفل الجانب التربوي لأنه يعد الوعاء الذي يحفظ المجتمع، خاصة وأن طلبة المدارس والجامعات هم أحد أهم أركانه، مشيرا إلى أن عليها الان قبل اي وقت مضى تنظيم برامج، تهدف الى حفظ الموروث الوطني، المستنبط من العادات والتقاليد العربية الاصيلة ومن ديننا الاسلامي الحنيف، وخاصة في عصرنا الحالي الذي يتعرض فيه الطلبة الى سيل وموجة من الرسائل المشبوهة من وسائل الاعلام والتي تحتاج الى خط دفاع مجهز بكافة السبل والامكانات المتاحة.

حركة التغيير

وقال عبدالله كتارة (ولي أمر) إن حركة التغيير والتطوير التي تقوم بها وزارة التربية أصبح محورها الرئيس هو المناهج، دون أي التفات من قريب او بعيد للقيم التربوية التي هي من المفترض ان تسبق التعليم، مشيرا الى ان المجتمع بحاجة الى جيل واع مثقف، مؤهل لسوق العمل، ولكنه قبل كل شيء يجب أن يحفظ تراثه وأصالته وعاداته وتقاليده، وان يكون متمسكا بدينه الإسلامي الحنيف، لأن لا نجاح لاي مجتمع دون اخلاق، حتى وان كان يملك كافة سبل النجاح من تكنولوجيا ومعرفة التي تمكنه من ذلك.

واوضح كتارة ان التركيز على اللغة الانجليزية في تدريس كافة المواد يفقد الاهتمام باللغة العربية التي هي عنوان وجودنا وعنوان حضارتنا واصالتنا وتراثنا، مشيرا الى ان الاعتماد على المناهج المستوردة التي تخاطب الطلبة من بيئة مختلفة عن بيئتهم التي ولدوا وعاشوا وترعرعوا فيها، ما يؤدي الى تشتيت الطلبة بين ثقافات متباينة، وبالتالي ضياع ثقافة المجتمع الاصلية .

وقال عبدالرحمن شهيل (ولي أمر) ان وزارة التربية والتعليم تركز على تطوير التعليم باعتباره هاجسا اساسيا، وما نراه اليوم من مشاريع كمدارس الغد وغيرها من المشاريع يؤكد حرص الوزارة على تحسين التعليم ومخرجاته، لكنها تغفل عن الجانب التربوي الذي لا يقل اهمية عن مشاريع تطوير التعليم، ما ادى الى حالة من الضعف انعكس على الطلبة في الجوانب التربوية وبروز سلوكيات بعيدة عن مجتمع الامارات.

مشيرا الى ان ما يشهده المجتمع من سلوكيات سلبية مثل عدم احترام الوالدين والعبث بالممتلكات العامة، وانتشار التدخين وغيرها من السلوكيات السلبية التي لم تكن موجودة قبل سنوات لم تظهر في المجتمع الا بسبب ضعف الرسائل التربوية التي اخذت تبثها المدارس، وانشغالها عن ذلك بانهاء مناهج مستوردة خاوية من القيم التربوية.

واضاف شهيل انه ينبغي على ادارت المدارس ان تركز على التربية بالدرجة الاولى لتحفظ هوية المجتمع الذي يعاني من خلل التركيبة السكانية، ودخول ثقافات مختلفة تحمل عادات وتقاليد لا تتناسب مع مجتمعنا، كذلك عليها ان تنظم البرامج والمسابقات التي تحفظ الطلبة من مخاطر العمولة الثقافية، والوسائل الاعلامية الهابطة.

وترى فاطمة السجواني الاختصاصية النفسية في منطقة الشارقة التعليمية أن السلوكيات السلبية التي انتشرت في الميدان التربوي وبين صفوف الطلبة تحتم على وزارة التربية الاهتمام بتربية الأجيال ووضع برنامج متكامل ضمن خطتها الإستراتيجية لان التركيز على تطوير محتوى المناهج ابخس حق الجوانب التربوية التي لا تقل أهمية عن الجانب التعليمي بأي شكل من الأشكال داعية الوزارة بعد اكتمال خطة تطوير المناهج السعي حثيثا لتبني الخطط التي من شانها إبراز مواهب وطاقات الطلبة واستغلالها في قنوات مفيدة وهو ما يحتاج إلى مساحة من الوقت ينبغي للتربية توفيرها إذا ما أرادت تحقيق نجاحات في هذا الإطار.

مؤكدة في السياق ذاته أن خطة التطوير الحالية أسهمت في تخليص الطلبة من أساليب التعلم التقليدية وأكسبت الطالب مهارات ذاتية عالية لا يمكن إنكار دورها المحوري في تغيير ذهنية بعضهم نحو الأفضل. وقالت السجواني إن التركيز على عملية إصلاح المعلم وتأهيله لتربية الأجيال أهم بكثير من إصلاح المناهج وتطويرها وانه لا فائدة من تطوير المنهج بينما تمارس سلوكيات غير تربوية.

مشددة على أن الوزارة يجب أن تولي جانب التربية أهمية قصوى

وقالت الدكتورة غريس شامي المستشارة التربوية يجب على الوزارة الاهتمام بالتربية قبل التعليم وانحسار الاهتمام بهذا الجانب والتركيز على مشاريع تطوير المناهج ينذر بوجود خطر كبير فاليوم ضعفت الرابطة بين الطالب والمعلم من جهة وولي الأمر من جهة أخرى وما نحتاجه هو العمل بأسلوب التقييم الطلابي لصغار السن لان التعامل معهم بأسلوب تربوي صحيح يسهم في تشكيل شخصيات سوية مقبلة على التعليم مشددة على أن ذلك لن يحدث إلا بتعاون الأسرة التي باتت تهمل الطالب وتضع المسؤولية كاملة على عاتق المدارس

مشددة على أن بعض المدارس ترتكب الأخطاء في تعاملها مع الطلبة من خلال استخدام أسلوب الضرب والعقاب الجماعي دون الأخذ بالأساليب التربوية الصحيحة التي ستؤتي نتائج مضمونة لافتة إلى أن غالبية العاملين في حقل التعليم خاصة العاملين في المدارس الابتدائية تنقصهم الخبرة والثقافة اللازمة للتعامل التربوي الصحيح مع الطلبة وهي النقطة التي يجب على وزارة التربية والتعليم التنبه لها وتخصيص دورات ومراكز لتدريبهم على آليات التعامل التربوي الصحيح والتي سينتج عنها بلا شك مخرجات تعليمية عالية المستوى.

استطلاع: فراس العويسي ونورا الأمير