يقول الله تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شر يره)، وإذا كان الإسلام لا يحقر شيئاً من السيئات مهما كان في نظر الإنسان صغيراً تافهاً لا يساوي شيئاً، فإنه كذلك لا يحقر شيئاً من الحسنات مهما كان صغيراً في نظر الإنسان لا يساوي شيئاً.
ومن رحمة الله بهذه الأمة أن جعل الحسنات تكفر السيئات بسبب أن الإنسان بشر معرض للأخطاء والذنوب والهفوات. فمن السيئات التي لا يلقي لها الإنسان بالا ولا يهتم بها كلمة صغيرة يتكلم بها لا يلقي لها بالاً، وهي في الميزان كبيرة عظيمة عند الله. يقول عليه الصلاة والسلام: «إن العبد يتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب».
وقد سأل أحد الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم: أو نحن مؤاخذون بما نتكلم به ؟ قال : ثكلتك أمك، وهل يكب الناس على وجوههم في نار جهنم، إلا حصائد ألسنتهم. فإذا اقترف المسلم سيئة، فعليه أن يتبعها بحسنة، فإن الحسنة تمحوها، إذا كانت من حقوق الله يقول تعالى: (إن الحسنات يذهبن السيئات).
ويقول عليه الصلاة والسلام: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها»، أما حقوق البشر فلا بد من إرضائهم وطلب السماح منهم. وباب الحسنات والثواب مفتوح على مصراعيه، فكل ما يفعله المسلم محتسباً خالصاً لوجه الله، فإن الله يكتب له الثواب لدرجة أن المسلم يضع اللقمة في فم امرأته يريد بذلك إدخال السرور عليها فيثيبه الله على ذلك. يقول عليه الصلاة والسلام: «عجبا للمؤمن إن أمره كله خير، إن أصابه خير حمد الله، وشكر، وإن أصابته مصيبة حمد الله، وصبر، فالمؤمن يؤجر في كل أمره حتى اللقمة يرفعها إلى امرأته».
ويقابل أخاه المسلم فيبتسم في وجهه، يريد بذلك إدخال السرور إلى قلبه يثيبه الله على ذلك، يقول عليه الصلاة والسلام: «لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق». وإذا زرع المسلم زرعاً فيأكل منه الإنسان أو الطير والحيوان، فيثيبه الله على ذلك إذا أحسن النية، يقول عليه الصلاة والسلام: «ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة». ويقول عليه الصلاة والسلام: «وفي بضع أحدكم صدقة».
وقد استغرب الصحابة من ذلك فقالوا:«أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟ فأجابهم عليه الصلاة والسلام ليزيل عنهم الشبهة «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟» قالوا: نعم، قال: «فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر»، وهذا من كمال رحمته بهذه الأمة وتيسيره على عباده المؤمنين. وقال عليه الصلاة والسلام: «كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة وتميط الأذى عن الطريق صدقة».
وفي حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم «إن الله يحب أن يؤخذ برخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته». فأخبر أن الله يحب إتيان رخصه، كما يكره فعل معصيته، ذلك لأن الرخص إنما أباحها لحاجة العباد إليها، والمؤمنون يستعينون بها على عبادته، فهو يحب الأخذ بها، لأن الكريم يحب قبول إحسانه وفضله كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم «القصر صدقة، تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته». ولأنه بها تتم عبادته، وطاعته، وأما ما لا يحتاج إليه الإنسان من قول وعمل بل يفعله عبثاً، فهذا عليه لا له، كما في الحديث «كل كلام ابن آدم عليه لا له، إلا أمراً بمعروف، أو نهياً عن منكر، وذكر الله».
رجاء علي