قال الشيخ: ما زلنا على أعتاب الحديث عن أبي بكر الصديق عبد الله بن عثمان أو عتيق كما أطلق عليه اسمه عليه الصلاة والسلام، والقلم والفكر يحاران من أين البدء وكيف المسير وأي المواقف التي يحسن عندها الوقوف والتفكر - وهي كثيرة - وأيها يحسن عندها الإجمال لضيق المساحة والوقت أو لعجز في رؤية كل الأنوار وفي تمثل الحكمة في كل الأخبار والآثار.
وقد رأيت أن أقف عن أبيات من الشعر قالها حسان بن ثابت شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة جمعت من لآلئ المعاني عقداً فريداً في وصف الصديق ومنزلته عند الرسول عليه الصلاة والسلام، وهي شهادة من رجل عاشر الصديق ورأى مواقفه ورأى مكانته بين المسلمين وعند النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، لا شهادة من سمع خبراً أو نُقل إليه أثر وهو بعيد زماناً ومكاناً عمن يتحدث عنه، وسأورد الأبيات مع تعليق لطيف لا يسيء إلى أثر سماع الشعر وعذوبته في النفس:
إذا تذكرت شجواً من أخي ثقة فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البرية أتقاها وأعدلها
بعد النبي وأوفاها بما حملا
الثاني التالي المحمود مشهده وأول الناس منهم صدق الرسلا
والثاني اثنين في الغار المنيف وقد طاف العدو به إذ صعد الجبلا
عاش حميداً لأمر الله متبعاً
بهدي صاحبه الماضي وما انتقلا
وكان حب رسول الله قد علموا من البرية لم يعدل به رجلاً
«خير البرية»... أي أطهرها وأزكاها وأكثرها ارتقاءً فوق قوانين الطين والتراب وتمثلاً للأخلاق الحميدة والشمائل الجليلة والجميلة، وهو «أتقاها»... بزهد عجيب في الدنيا وكرم فاق الحدود في تقديم كل ما يملك للدعوة الجديدة ونجاحها، وقد قارب أن يكون قد عُصم من الزلات في الجاهلية والإسلام، فنحن أمام نفس بيضاء طاهرة لم يغبش عليها شيء. وهو «أعدلها»... لما آل إليه الأمر بعد وفاة الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام فلم يحد عن الاستقامة ولم يمل إلى الدنيا بل زاد ورعه وخوفه منها على دينه وآخرته، ثم «الثاني التالي»...
وهو شرف لم ولن ينله أحد على سطح الأرض وهو يجعله مباشرة بعد الرسل والأنبياء، وقد شهد له الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وبشره بالفردوس الأعلى في أكثر من موقف في حياته، وقد فاق الناس كلهم بكونه «أول من صدق الرسلا»... وهي مرتبة الصديقية وقد أشار إليها القرآن العظيم والسيرة النبوية فيما لا يمكن أداء حقه هنا، هذا «الثاني التالي»...
بمعيته الدائمة مع الرسول الكريم هو من نال شرف المبيت في غار ثور في طريق الهجرة ورأسه صلى الله عليه وسلم في حجره وقد سّد ثغراً في الغار برجله، فلما لسعته أفعى انسالت دموعه ألماً ولم يتحرك حتى لا يزعج الحبيب عليه الصلاة والسلام فلما نزلت قطرة من دمعه على وجه النبي الشريف استيقظ وسأله عن الخبر فلما أخبره وضع الرسول الكريم يده على مكان اللسع فشفاه الله، وهي ليلة قال عنها عمر بن الخطاب وهو ثاني المقربين إلى الرسول الكريم «والله لليلة من أبي بكر خير من آل عمر». (البداية والنهاية 3/180).
عاش حياته رضي الله عنه حامداً الله تعالى بقوله وفعله فرحاً بالله ورسوله «قالت السيدة عائشة رضي الله عنها ما رأيت أبي أكثر فرحاً من يوم الهجرة يوم علم بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم»، وقد قوبل هذا الحمد والفرح بالله ورسوله بأنه كان حبيب رسول الله وأخيه كما قال عليه الصلاة والسلام، فلم يكن أقرب منه أحد وقد سئل يوماً من أحب الناس إليك قال عليه الصلاة والسلام عائشة، فسئل من الرجال؟ فقال أبوها -أي الصديق رضي الله عنه- (المطالب العالية 4/34).
الخيرية والطهارة والتزكية والارتقاء والتخلق بالخلق الحسن والزهد بالدنيا والكرم والسخاء بما فيها والتقوى والعدالة والاستقامة وعدم التحول والمعية الشريفة مع الرسول الأكرم مطلقاً في كل حياته وبصورة خاصة في الهجرة الشريفة، والحمد وكونه الحب الأول لحبيب الله محمد عليه الصلاة والسلام...... هذه اللآلئ النفيسة التي عبر عنها حسان بن ثابت هي بعض ما لأبي بكر رضي الله عنه.
ماهر سقا أميني