يكرم الحق سبحانه وتعالى المسلم الذي يعرف حدود نفسه ويحافظ على حقوق الناس ويتحلى بالخصال الحميدة التي تجعله متواضعا هينا لينا يعامل الناس بالحسنى مما زاده الله إجلالا وتوقيرا واحتراما ورقق قلوب الناس له فأحبوه وقدروه. والمسلم الحكيم هو الذي يعرف أن الشرف في التواضع واحترام الناس وتقديرهم والوفاء لهم بحقوقهم وخفض الجناح لهم وإنزال الناس منازلهم فلا يحتقر أحدا لعلو منصبه أو لغناه وجاهه العريض، لأنه يعلم أن من تواضع لأخيه المسلم رفعه الله.
روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من تواضع لأخيه المسلم رفعه الله، ومن ارتفع عليه وضعه الله (رواه الطبراني في الأوسط). وروى ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال على المنبر: أيها الناس تواضعوا فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من تواضع لله رفعه الله، وقال انتعش (أي ارتفع وانهض من عثرتك) نعشك الله، فهو في أعين الناس عظيم، وفي نفسه صغير، ومن تكبر قصمه الله (أي كسره وأخره، وفي المصباح قصمه الله، أي أهانه وأذله وقبل قرب موته) وقال: إخسأ فهو في أعين الناس صغير وفي نفسه كبير.
والمعنى: الذي يشعر في نفسه الضعة والذلة لله والاحتياج لمساعدته ونفسه متواضعة احترمه الناس وعظموه وأحلوه، والذي يتفاخر ويتكبر على الناس أذله الله، وتراه من ضعف عقله معتزلا مهانا حقيرا ويحسب أنه كبير. المسلم العاقل هو الذي يختلط بالناس ويصبر على أذاهم ولا يتكبر عليهم لأنه يعلم ان الكبرياء لله وحده، ومن لم يهذبه إيمانه ويقوم سلوكه ويهديه إلى طريق الخير والرشاد فمتى يهتدى؟ أينتظر حتى يحين أجله ويقول: رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت.
وعندها يندم يوم لا ينفع الندم، المسلم الحكيم هو الذي لا يتعالى على زملائه في العمل بحكم منصبه ولا يتعالى على جيرانه بل يخفض لهم جناحه رقة ورحمة بهم ويسعى في مصالحهم ويلقاهم بوجه طليق ويشاركهم في أفراحهم وأتراحهم ولا يسمعون منه إلا الكلام الحسن الذي ينم عن تواضعه الجم معهم ومع كل من يتعامل معهم.
روي عن حذيفة رضى الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة قال: ألا أخبركم بِشَرّ عباد الله؟ ألفظ المستكبر، ألا أخبركم بخير عباد الله؟! الضعيف المستضعف ذو الطمرين لا يؤبَهُ لَهُ، لو أقسم على الله لأبرّه. (رواه أحمد ورواته رواة الصحيح)
تثنية طِمر: وهو الثوب الخلق، أي من تظهر عليه علامات الضعف والذلة وخشية الله لا يحترمه الناس ويدفعونه عن أبوابهم، لو حلف على وقوع شيء، أجاب الله سؤاله لعظم منزلته عند الله تعالى. قيل: التواضع تواضعان: أحدهما محمود والآخر مذموم، والتواضع المحمود: ترك التطاول على عباد الله والإزراء بهم، والتواضع المذموم: هو تواضع المرء لذي الدنيا رغبة في دنياه، والعاقل يلزم مفارقة التواضع المذموم على الأحوال كلها ولا يفارق التواضع المحمود.
والتواضع لله عز وجل على ضربين: أحدهما: تواضع العبد لربه عندما يأتي من الطاعات غير معجب بفعله ولا راءٍ له. والتواضع الآخر: هو ازدراء المرء لنفسه واستحقاره إياها عند ذكره ما قارف من المآثم حتى لا يرى أحداً من العالم إلا ويرى نفسه دونه في الطاعات وفوقه في الجنايات ولله در القائل: ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعاً.. فكم تحتها قوم هُم منك أرفَعُ.
قال تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (القصص 83). وقال تعالى: وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (لقمان 18) وتتابعت نصوص السنة المطهرة محذرة المؤمنين من أن تلامسهم نزوة من كبر في لحظة من لحظات الضعف الإنساني. يقول المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه: «من تعظم في نفسه أو اختال في مشيته لقي الله عز وجل وهو عليه غضبان» (أخرجه البخاري في الأدب المفرد).
ويقول صلوات ربي وسلامه عليه: «العز إزارى والكبرياء ردائي فمن ينازعني في واحد منهما فقد عذبته» (رواه مسلم).
لقد كانت سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم مثالاً حياً في التواضع، فكان إذا مر على صبية يلعبون سلم عليهم وهش لهم وتبسَّط معهم وقد كان يغرس في نفوس الصحابة خلق التواضع فيقول: «لو دُعيت إلى كُراعٍ أو ذراعٍ لأجبت، ولو أهدى إلى ذرائع أو كراعٍ لقبلت». ويظهر أثر التواضع على المسلمين الحكماء، لتراهم في وقت الزحام في الطرقات يصبرون حتى يأخذوا طريقهم ولا يتبرمون من تصرفات البعض بل يلتمسون لهم العذر.
حامد واكد