أكدت دراستان ميدانيتان أصدرهما مركز البحوث والدراسات الأمنية في شرطة أبوظبي أن ظاهرة معاكسة الذكور للإناث في الأماكن العامة في إمارة أبوظبي قد شهدت تراجعاً ملحوظاً بين العامين 20062007.
وبلغت نسبة تراجع المعاكسات نحو 84%، حيث بلغ عدد المقبوض عليهم في العام 2006 نحو 268 شخصا فيما لم يتجاوز عددهم خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي 73 شخصا مرجعة أسباب هذا الانحسار إلى فاعلية الضبط الجنائي وإجراءات الشرطة المشددة لمحاربة هذه الظاهرة، فيما بقيت فاعلية دور المؤسسات الضبطية الاجتماعية الأخرى «الأسرة والمدرسة والإرشاد الديني» دون المستوى المطلوب، وفقا لآراء عدد من المشاركين في الدراستين.
وتصدت الدراسة الأولى التي جاءت تحت عنوان «مشكلة معاكسات الإناث في الأماكن العامة في إمارة أبوظبي» إلى أبرز ملامح ودوافع هذه الآفة وسبل الوقاية منها، عبر مسوح ميدانية شملت عينة بحثية عشوائية قوامها (402) ذكر و(417) أنثى إضافة إلى دراسة المضبوطين بتهمة المعاكسة، خلال شهر ابريل من العام 2006 والبالغ عددهم 57 شخصا، فيما تصدت الدراسة الثانية لتقييم إجراءات الشرطة للحد من الظاهرة عبر مقارنة البيانات قبل وبعد تلك الإجراءات المشددة التي وجه بها الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان وزير الداخلية في ابريل 2006.
وتشير بيانات الدراستين اللتين أعدهما النقيب الباحث بشير صالح البلبيسي، إلى إقرار 89% من الإناث بوجود ظاهرة المعاكسات وأن 95% منهن قد تعرضن في وقت سابق للمعاكسة، كما أقر بذلك 88% من الذكور، فيما تنوعت أساليب المعاكسة بين المدح والإطراء لتشكل 45% وإلقاء رقم الهاتف (الترقيم) بنسبة وصلت 43%، وتوزعت باقي النسبة بين السب والشتم والتحرش الجسدي.
وعلى الصعيد الاجتماعي والاقتصادي فقد أوضحت الدراسة أن 78% من المعاكسين عزاب وثلثهم طلبة مدارس، مع ملاحظة ارتفاع المستوى التعليمي لديهم (64% ثانوي و 17% جامعي) ما يؤكد غياب الدور الفاعل للتعليم في تنمية الوازع الأخلاقي والنضج الإدراكي. فضلا عن ارتفاع مستوى المعيشة لديهم، إذ ان 40% من المعاكسين يسكنون في فلل وان 36% يعيشون في مناطق راقية، ومعدل دخل أسرهم الشهري 12 ألف درهم لنحو 56% منهم، الأمر الذي يفسر ميل المعاكسين إلى الإشباع النفسي بالأسلوب الاستهلاكي.
وأشارت الدراسة إلى أن 61% من آباء المعاكسين قد تزوجوا أكثر من مرة وجاء زواج الأب من أم غير مواطنة ليمثل نسبة 36% وان معظم الآباء لا يقضون وقتا طويلا مع أفراد أسرهم فضلا عن وقوع حالات طلاق بين الأبوين لنسبة 19% من العينة.
كما أكد 42% من المقبوض عليهم بتهمة المعاكسة، حدوث نزاعات وخلافات أسرية بين الوالدين، وتميزت معاملة الآباء لهم أثناء فترة المراهقة بالعطف والدلال وبنسبة عالية بلغت من جهة الأب 66% ومن جهة الأم 93% ما يؤثر سلبا في التنشئة الاجتماعية وميول الأبناء إلى الاتكال وعدم الثقة بالنفس وبالآخرين سواء.
غير أن الأهم من ذلك هو ما أكده 54% منهم، بأن الأسرة لم تكن تفرض عليهم أي قيود أو تعليمات أو مراقبة وتوجيه لسلوكهم أو سلوك رفاقهم، ما عزز مجددا، تأثير غياب دور الأسرة كوكيل اجتماعي أول في التنشئة الاجتماعية، إضافة إلى أن 49% منهم لم يتلق اهتماما كافيا في غرس القيم الدينية في نفوسهم، خلال مرحلة المراهقة، كوازع ومكون رئيسي لضمير الفرد ورادع لسقوطه في الرذيلة.
وحول العوامل الدافعة لفعل المعاكسة، فقد أظهرت اتجاهات مسوح الضحايا للإناث والتقرير الذاتي للذكور، تقاربا كبيرا في الاتجاهات، إذ أن نسبة 83% منهم يرون أن غياب الوازع الديني يأتي في المرتبة الأولى، يليه اتساع وقت الفراغ 79%، وإهمال الأسرة لمسؤولياتها في التوجيه والإشراف احتل المرتبة الثالثة بنسبة 75%، تلاها سلوك وتصرفات بعض الإناث ورغبتهن في المعاكسة من قبل الذكور سواء باللباس غير المحتشم أو التبرج و الإفراط في الزينة.
علما أن القانون يجرم فعل التحرش بالأنثى والتعرض لها على وجه يخدش حياءها بصرف النظر عن موقف الضحية من هذه الجريمة سواء بالرفض أو القبول. ودللت الدراسة على الإدراك التام للمخاطر الاجتماعية التي ينطوي عليها فعل المعاكسة، إذ أكد 88% من المبحوثين على أن المعاكسة تؤدي إلى خلل في الأخلاق والقيم وانحراف الشباب عن الطريق القويم.
كما أكدت 87% من عينة الإناث أن المعاكسة تعد عاملا مساعدا على انتشار الرذيلة وفساد الأخلاق، واعتبر 74% منهم أن المعاكسة تعني التعدي على حرية الآخرين وفقدان الإحساس بالمسؤولية فضلا عن كونه نوعا من العنف الموجه ضد المرأة وشكلا من الأشكال القهرية.
وطالبت الدراسة بضرورة تعميم فكرة استخدام كاميرات المراقبة المتوفرة في الأسواق والمراكز التجارية، واستخدامها كوسيلة إدانة للأشخاص الذين يرتكبون فعل المعاكسة. وتدريب رجال الحراسة التابعين لشركات الأمن الخاصة على التعامل مع تلك الظاهرة بحزم والإبلاغ عن أي تجاوزات بالتنسيق مع أجهزة الشرطة.
كما أوصت الدراسة بأهمية تكثيف الندوات والمحاضرات لتوعية طلاب المدارس (ذكورا وإناثا) والتركيز على دعم القيم النبيلة والسلوك الايجابي بالتنسيق بين الشرطة المجتمعية ومنطقة أبوظبي التعليمية. فضلا عن عقد الندوات التلفزيونية والكتابات الصحفية المدعمة لدور الأسرة لاضطلاعها بدورها الايجابي نحو الأبناء وحث أولياء الأمور على انتهاج أسلوب التفاعل والحوار اليومي مع الأبناء، إلى جانب الاستفادة من الإرشاد الديني في البرامج التلفزيونية وفي خطب صلاة الجمعة لمحاربة هذه الآفة.
أما الدراسة الثانية والتي تصدت لتقييم إجراءات الشرطة للحد من ظاهرة المعاكسات وعبر مقارنة البيانات قبل وبعد تلك الإجراءات المشددة التي بدأ تنفيذها في ابريل 2006م، وذلك وفقا لاستراتيجية شرطة أبوظبي الرامية إلى إعادة النظر والتقييم الدائم لكافة الإجراءات الشرطية وصولا إلى أفضل المستويات، فقد اظهر 3. 77% من عينة الدراسة اتجاها ايجابيا نحو جملة الإجراءات المتخذة، ما ساعد على ضبط سلوك المعاكس والحد من الآثار السلبية الناجمة عن هذا السلوك.
ويعود السبب برأيهم (عينة الاتجاه الايجابي) إلى خوف الذكور من تنفيذ العقوبة والقبض عليهم وتشديد إجراءات الرقابة على الأماكن العامة من قبل عناصر التحريات والمباحث الجنائية في شرطة أبوظبي. أما عينة ( الاتجاه السلبي إزاء إجراءات الشرطة) والبالغ نسبتها 7. 22% فقد اظهر معظمهم أن سبب تكوين رأيهم السلبي عن تلك الإجراءات يعود إلى عدم مخالفة الإناث المبالغات في التبرج في الأماكن العامة وهو ما يفسر عدم رضاهم عن تلك الإجراءات، فضلا عن غياب الضوابط لجميع الفئات في حالة إلقاء القبض على الذكور المعاكسين.
