بدا انقسام اللبنانيين جلياً أمس حتى على الحزن، رغم أمطار غزيرة لم تنجح في تبريد الأجواء التي لم تشهد أي اشتباكات واقتصرت على التراشق الكلامي بين فريقي الموالاة والمعارضة، خلال إحياء الذكرى السنوية الثالثة لاغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في قلب بيروت، والذي أعقبه بقليل تشييع حزب الله لقائده العسكري الأبرز عماد مغنيّة، في الضاحية الجنوبية للعاصمة، لفت خلاله توعد أمين عام الحزب حسن نصرالله إسرائيل بحرب مفتوحة، ورده الحاد على الموالاة في لبنان، التي جددت تمسكها بترشيح قائد الجيش ميشال سليمان للرئاسة، وأنه لا قيمة للقمة العربية المقبلة إذا لم يتم انتخاب رئيس للبنان.

وعلى الرغم من المطر الغزير طوال النهار، تجلى الفرز اللبناني بتمكن كل من فريقي الموالاة والمعارضة من حشد مئات الآلاف، من المؤيدين الذين تقاطروا من كل المناطق للمشاركة في التجمعين. ولكن اليوم اللبناني كان لافتاً في الحفاظ على طابعه السلمي، ما خلا التراشق بالكلمات وتوجيه الاتهامات ضمناً وصراحة في سياق الكلمات التي ألقيت في المنصتين.

وأمام حشود قوى الأكثرية ومن وراء زجاج واق نصب على منصة في ساحة الشهداء وسط بيروت، ألقيت كلمات شددت على استكمال مسيرة الاستقلال وتطبيق العدالة في حق المتورطين في الاغتيالات.

وشدد سعد الحريري أحد أقطاب الأكثرية النيابية على أولوية انتخاب رئيس للبلاد، وأضاف «نريد العماد ميشال سليمان (قائد الجيش) رئيساً توافقياً لجمهورية لبنانية سيدة حرة عربية مستقلة». وهاجم بعنف النظام السوري متهماً إياه بمحاولة «تنفيذ حلم العدو الإسرائيلي بجر البلاد إلى حرب أهلية». كما أكد أن «لا قيمة للقمة العربية التي ستعقد في دمشق إذا لم يتم انتخاب رئيس للبنان.

وقال الحريري «أعداء لبنان ما زالوا يحاولون اغتيال لبنان كما حاول العدو الإسرائيلي اغتياله في حرب يوليو 2006». واضاف «المحاولة نفسها تارة من إسرائيل وتارة وبل مرات من المنتج الإسرائيلي الذي يسمى نفسه نظاما في دمشق»، مستعيدا بذلك عبارة «المنتج الإسرائيلي» التي سبق لدمشق أن وصفت بها قادة الأكثرية.

من جانبه، جدد الزعيم الدرزي وليد جنبلاط هجومه العنيف على سوريا وطهران، اللتين قال إنهما تدعمان المعارضة اللبنانية. وحذر من «الاستسلام والتخلي أمام النظام السوري والعصابات الملحقة به من أجل تمرير انعقاد القمة العربية، مشدداً على رفض مطلب المعارضة بالثلث الضامن أو المعطل في الحكومة.

وأكد رئيس الجمهورية الأسبق أمين الجميل أنه «قريباً سننتخب رئيساً جديداً توافقياً للجمهورية هو العماد ميشال سليمان (قائد الجيش) لنحافظ على الدور المسيحي في البلد». وشدد سمير جعجع رئيس الهيئة التنفيذية في حزب القوات اللبنانية على إنجاز المحكمة الدولية لمحاكمة المتهمين باغتيال الحريري وقال: «كنا نقول المحكمة آتية واليوم نقول المحكمة أتت».

وفي المقابل، اتهم الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله الأكثرية بالتبعية لإسرائيل والولايات المتحدة، مشدداً على بقاء لبنان «بلد الوحدة والمقاومة». وفي تلميح إلى جنبلاط قال نصرالله «من يطلب الطلاق ليرحل من هذا البيت وليذهب إلى أسياده في واشنطن وتل أبيب».

ورداً على فقرة وردت في كلمة سعد الحريري، قال نصرالله «لا يكفي أن يتناوب الخطباء على السباب ثم يأتي من يقول باليد الممدودة. اليد الممدودة عندما نرى أنها صادقة لن تجد أمامها إلا يداً ممدودة». وقال نصرالله «الذين يستدعون الجيوش لتشن حرباً على سوريا ولبنان لأنهم أصغر من أن يشنوا حرباً، نقول لبنان باق بلد الوحدة والمقاومة». وأضاف «ليسمعوا جميعاً.. لبنان لن يكون إسرائيلياً في يوم من الأيام. لبنان لن يقسم أو يفدرل (يصبح فدرالياً)».

وهدد نصر الله إسرائيل بالإزالة من الوجود وخوض حرب مفتوحة معها. وأكد استعداد حركته لخوض «حرب مفتوحة» ضد إسرائيل معتبرا أن حرب يوليو 2006 لم تنته بعد ولن تنتهي إلا بزوال «الكيان الصهيوني».

وكشف أن عماد مغنية كان ضمن القياديين في «حزب الله» خلال حرب إسرائيل على لبنان، مؤكدا في الوقت نفسه أن «الحزب في أتم الجهوزية لمواجهة أي عدوان محتمل على لبنان».

وقال إنه «في أي حرب مقبلة لن ينتظركم عماد مغنية واحد.. لقد ترك لكم عماد مغنية خلفه عشرات الآلاف من المقاتلين المدربين المجهزين الحاضرين للشهادة».

وحذر من أنه «إن كانت إسرائيل تريد حربا مفتوحا فلتكن كذلك وليسمع ذلك العالم كله». وأضاف «هم الصهاينة يرون في استشهاد الحاج عماد، إنجازا كبيرا ونحن نرى فيه بشارة عظيمة بالنصر الآتي والحاسم والنهائي إن شاء الله.

وليطمئن كل المحبين والقلقين وليعرف العدو من جهة أخرى انه ارتكب حماقة كبيرة جداً فأنا بين يدي الحاج عماد وأمام إخوانه الذين يعرفون كل الحقائق، أقول للصديق والعدو: لا وهن ولا ضعف ولا خلل في جسد المقاومة وصفّ المقاومة».

وأصدرت إسرائيل تعليمات مشددة بتوخي الحذر لرعاياها الموجودين في الخارج وذلك خشية أن يكونوا هدفا لعمليات انتقامية محتملة.

وأكد «مكتب مكافحة الإرهاب» التابع لرئاسة مجلس الوزراء الإسرائيلي في بيان ان «تعدد الاتهامات ضد إسرائيل اثر اغتيال مغنية تزيد من التهديدات لحزب الله ضد الأهداف الإسرائيلية في الخارج». وحذر «من مخاطر خطف إسرائيليين في الخارج وخصوصا رجال الأعمال».

كما تلقت القوات الإسرائيلية المنتشرة على طول الحدود مع لبنان أوامر بتشديد إجراءاتها الأمنية ضد أي هجمات.

وصرح مسؤول أمني إسرائيلي لإذاعة الجيش الإسرائيلي طالبا عدم كشف هويته ان حزب الله «تلقى ضربة قوية بمقتل» عماد مغنية. وأضاف إن «حزب الله سيحاول العثور على نقطة ضعف ومهاجمتها ولكن دون ان يؤدي ذلك الى إشعال حرب مع إسرائيل، وذلك لكي يثبت انه تم الانتقام لمغنية».

لكنه رأى انه من غير المرجح ان يطلق حزب الله صواريخ على شمال إسرائيل كما فعل خلال الحرب التي جرت صيف 2006 مع إسرائيل خشية رد فعل «شديد» من إسرائيل يدفع ثمنه لبنان.

وجددت الولايات المتحدة التأكيد على «دعمها الكامل» لقوى الأكثرية. وقال الناطق باسم وزارة الخارجية شون ماكورماك للصحافيين «اليوم هو ذكرى اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري». وأضاف «هذا الأمر يذكر العالم بأسره وكذلك اللبنانيين بالتضحيات التي قدمها كثيرون من الناس في العالم وفي لبنان من اجل بناء دولة قوية وديمقراطية».

وعن تهديدات نصر الله قال «بشكل عام إن تصريحات من هذا النوع تكون مبعث قلق كبير ولا بد أن تنذر الجميع بالخطر»، معتبرا أن لحزب الله «تاريخا طويلا من العنف والإرهاب في كل أنحاء العالم».

وتابع «في كل مرة توجه فيها منظمة إرهابية تهديدا إلى ديمقراطية، إلى دولة عضو في الأمم المتحدة، لا بد أن تكون مبعث قلق لجميع الأمم المتمدنة في العالم».

بيروت ـ علي بردى والوكالات