يقول الله تعالى: «ومن يتوكل على الله فهو حسبه»، أي: كافيه ما هو في حاجة إليه، ويقول تعالى: «ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين».
والله سبحانه وتعالى هو الذي يكفي بفضله، ويصرف السوء بحوله وقوته، ويحاسب عباده في وقت واحد، ويجزي المحسن بإحسانه ويجازي المسيء بإساءته وفق علمه المحيط وإرادته النافذة وقدرته التامة وسلطانه العظيم.
فمن علم أن الله كافيه لم يرفع حوائجه إلا إليه، ثقة بفضله وتوكلاً عليه.
ومن علم أن الله معه في سره وعلانيته، وأنه أرحم به من نفسه على نفسه لم يستوحش من إعراض الخلق ولم يستأنس بقبولهم، مكتفياً بأنسه بالله، وهذا مقام فوق مقام الحب، كما ذكر الغزالي في كتاب المحبة من إحياء علوم الدين فإذا دامت هذه الحالة أرضاه مولاه بما يختاره له، فيؤثر الفقر على الغنى.
ومن أيقن بأن الله سيحاسبه على ما قدم وأخر لا يغفل عن هذا الحساب المنتظر أبداً، ولو غفل ساعة تاب واستغفر.
وقد جاء في مواعظ الأولين: عجباً لعبد يؤمن بالموت كيف يضحك ـ أي كيف يضحك على نفسه بطول الأمل ـ وعجباً لعبد يؤمن بالقدر كيف يغضب، وعجباً لعبد يؤمن بالرزق كيف يتعب ـ أي: كيف يتعب قلبه وعقله في انتظاره وعجباً لعبد يؤمن بالحساب كيف يغفل. وإذا تعمقنا في المعنى الثاني: وهو المحاسبة، حاسبنا أنفسنا أولاً بأول على كل كبيرة وصغيرة، قبل أن نحاسب فنعتذر فلا يقبل عذرنا ونعمل عملاً صالحاً ينفعنا في دنيانا وآخرتنا يكون برهاناً صادقاً على صحة إيماننا وسلامة يقيننا.
ونستعين على ذلك بالإكثار من ذكر الله بأسمائه الحسنى بوجه عام وباسمه «الحسيب» بوجه خاص حتى لا نغفل عن مصيرنا المنتظر. والموت يأتي بغنة، والحساب عسير، ليس بعد هذه الدار من دار إلا الجنة أو النار.
ففي الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة وقاية من الحرص والطمع، اللذين هما سبب في الغفلة عن الحساب والجزا، «ومن نوقش الحساب هلك».
ومراقبة الله عز وجل مقام من أعظم المقامات، كما يقول أولوا العلم والنهى.
وتكون هذه المراقبة ناشئة عن الذكر والفكر والخوف والرجاء فمن ذكر الله عز وجل وتفكر في مخلوقاته وخاف عذابه ولم ييأس من رحمته فهو المراقب حقاً لخالقه ومولاه.
وأما الجليل فهو اسم اجتمعت فيه آيات العظمة والمهابة والجمال والكمال، فهو الذي تنزه تنزيهاً تاماً عن الشريك والشبيه والمثيل، وتعالى علواً كبيراً عن كل ما لا يليق بذاته وصفاته وأفعاله. وهو الذي يعز من قصده بإغنائه عن سائر خلقه، ويذل من سأل غيره واعتقد أنه ينفعه ويضره.
وهو الذي جل قدره في قلوب العارفين، وعظم خطره في نفوس المحبين ففرغوا قلوبهم لذكره وشكره، وشغلوا أنفسهم بحسن عبادته فعاشوا منعمين بما هم فيه من النظر إليه والتواضع لعظمته.
وهو الذي جل أن تدركه الأبصار، أو تحيط بكنه ذاته وصفاته الأفهام.
ولم يرد هذا الاسم في القرآن الكريم، ولكن وردت مادته في سورة الرحمن مرتين.
(ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) (تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام).. ولكن لماذا اقترن الإكرام بالجلال؟
ليعتدل الميزان بين خوف العبد من عذابه ورجائه في مغفرته، فإن هذا الاسم يوحي بالمهابة والخوف، فكان من رحمة الله بعبده أن قرن عفوه بعقوبته، فجعل هذا الوصف ملازماً، فهو ذو الجلال والإكرام معاً.
وهذا كقوله جلا وعلا: (نبيء عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم).
والجليل من معانيه: أنه يجل أولياءه ويعظمهم بين عباده في الأرض وفي السماء ويكرمهم برفع درجاتهم في الجنة ويتجلى عليهم بنوره فيهتدون به إلى ما يريده منهم في الدنيا وفي الآخرة.
أما في الدنيا فإنهم يعرفون بهذا النور الحق حقاً فيتبعونه، ويعرفون الباطل باطلاً فيتجنبونه.
وأما في الآخرة فيهتدون به إلى المواقف التي خصصت لهم، ثم يهتدون بعد الحساب اليسير إلى مقاماتهم في جنات النعيم، وهم يقولون: «ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير».
رجاء علي