قال الشيخ: لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، أو كما قال عليه الصلاة والسلام، والأمر ليس مجرد إنشاء تعبيري أو مجاز بلاغي يعبر عن عظم حب المؤمن لله ورسوله، فهو ادعاء يخضع لمئة اختبار وإن سقط المؤمن السالك في واحد من هذه الاختبارات عليه أن يراجع إيمانه وما قام عليه.

ونعود لأبوبكر الصديق، الذي أحب الله ورسوله وصدق في حبهما، فلم يعد للدنيا وما فيها من زينة أي تعلق بقلبه، ففي غزوة بدر كان ابنه عبدالرحمن في جيش المشركين فلما أسلم قال عبدالرحمن لأبيه الصديق: لقد كنت أتحاشاك وأتحول عنك عندما كنت أراك فلم أرد قتلك وقد كنت هدفاً قريباً لي في أكثر من مرة، فما الذي أجاب به الصديق وهو الرحيق المختوم من الصدق الصافي الذي لا تشوبه شائبة من كذب أو حتى من مجرد مجاملة: لو أني رأيتك يومها لقتلتك (تاريخ الخلفاء ص64).

والأمر هنا حقيقة لا جدال فيها، وواقع لا مساومة فيه، وإلا فما الذي تعنيه تضحية الصديق بنفسه وتعريضها للخطر في الدفاع عن المصطفى عليه الصلاة والسلام من أوائل أيام الدعوة المكية، مروراً بالهجرة التي اصطفى الله الصديق فيها ليكون في صحبة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم فكان فيها عجائب في حب الصديق للصادق وخوفه عليه وتقديم نفسه في توقع الخطر أو اختباره،

وانتهاءً بالغزوات والوقائع بين المسلمين والمشركين حيث حضرها الصديق رضي الله عنه إلى جانب المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو بين أن يمعن سيفه في عدو الله وبين أن يشرعه فوق رأس النبي الأعظم حارساً له من كل أذى، وأبو بكر رقيق يملأ الحب واللين والرفق قلبه وجوانحه ولا ضير في كلمة ترضي ابنه وقد أسلم وانتهى أمره إلا أنه الصديق وكفى.

ويروي الحاكم (3/ 473) ما يتصل بنفس الخبر فقد برز عبدالرحمن بن أبي بكر قبل بدر وهو يصيح هل من مبارز؟ وقف الصديق وهو بين يدي الرسول الكريم واندفع ليبارز من؟ ابنه. وهل كالابن عند أبيه، إلا أن الرسول الأعظم أمسك بيده فلم يرد عليه الصلاة والسلام أن يواجه الأب ابنه وقال له برقة وبرحمة، وبرشدٍ وحكمة: متعنا بنفسك يا أبا بكر.

وفي يوم الهجرة جند الصديق أكثر أهل بيته ليكونوا في خدمة نجاحها وسلامة صاحبها عليه الصلاة والسلام، فعندما جاء النبي إلى بيت أبي بكر ليعلمه بأن الله سبحانه وتعالى قد أذن له بالهجرة كانت عائشة وأسماء رضي الله عنهما في مجلس أبيهما فقال له عليه الصلاة والسلام أخرج عني من عندك فقال أبو بكر: يا رسول الله إنهما ابنتاي... فقد كان الصديق يعرف ابنتيه وتربيته لهما وفيهما.

أما عبدالله بن أبي بكر فقد كان يتسقط أخبار كبار قريش وما يقولونه ويقررونه في أمر ملاحقة المهاجرين ثم يأتي في الليل إلى حيث النبي والصديق فيخبرهما بما عرف ثم يقوم حارساً عليهما حتى الصباح.

وأما عائشة وأسماء رضي الله عنهما فقد جهزا طعام النبي وصاحبه، وقد جاء أبو جهل وصحبه فطرقا باب أبي بكر ففتحت له أسماء رضي الله عنها فسألها أين أبوك فأجابت ب«لا أعرف»، فلطمها لعنه الله على وجهها، كما أوحت رضي الله عنها لجدها الأعمى وقد علم بهجرة ابنه مع الرسول عليه الصلاة والسلام بأن قد ترك مالاً عندما وضعت يده وهو ضرير على حفنة من الحصى داخل الجراب الخاص بالمال فطمأنته حتى لا يكثر لغوه ويتردد على مسامع الناس.

وهذا عامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق يرعى الغنم مع رعيان مكة حتى إذا أمسى أراح بغنم الصديق على النبي عليه الصلاة والسلام وصاحبه حتى إذا احتلبا وذبحا انتظر عبدالله بن أبي بكر حتى يعود إلى مكة فيتبع آثاره بما معه من غنم ليخفي آثار سيره.

ترى ألم يتصرف آل الصديق وأهله بكل حكمة ومسؤولية مع الهجرة، ألم يكتموا السّر فيجهزون للهجرة جهازها ثم يكون ابن الصديق ـ عبدالله- ناقلاً للأخبار وابن فهيرة مزوداً بالطعام ماسحاً لآثار ابن الصديق وكل ذلك بأعلى درجات الانضباط.

ماهر سقا أميني