طفت على السطح بعض الدعوات تؤيد حق الفتاة في الاستقلال بحياتها بعيداً عن أسرتها وهو مطلب بدأت بعض منظمات حقوق المرأة تعليه وتؤكد عليه مدعية أن تحقيق هذا المطلب يحقق المساواة بين الجنسين ويدلل على أن المرأة مخلوق قوي قادر على الاعتماد على نفسه بدون حام له.
وهكذا تأتي هذه الدعاوى لتكون محاولة جديدة يستخدمها بعض الكارهين للإسلام لاختراق المجتمع وتقويض الكيان الأسرى الذي هو في الأساس الركيزة الأساسية التي يقوم عليها المجتمع ومن ثم فإن تقويض هذه الأركان يهدد المجتمع العربي بأسره
إلا أن الثابت في هذا الأمر أن المطالبين بهذا المطلب تناسوا أننا نعيش في مجتمع إسلامي تحكمه شريعة منزلة من السماء ذات تقاليد وقيم سامية تهدف إلى الحفاظ على الفتاة بعيداً عن الشبهات، وهذه الشريعة تهدف بالأساس إلى تحقيق الاستقرار للكيان الأسري.
تقول د. عزة فتحي أستاذ التربية بجامعة عين شمس: يجب ألا نربط في أذهاننا بين الإقامة المستقلة عن بيت الأسرة وبين الانحراف السلوكي، لأن إقامة الفتاة أو الشاب مع أسرهم ليست هي العاصم الوحيد للانزلاق وهذه ليست دعوة لتشجيع الفتيات على الاستقلال بحياتهن بعيداً عن أسرهن،
وترى أنه إذا اضطرتها ظروف العمل أو التعليم، فلا مانع إطلاقاً وهو ما نراه هذه الأيام ولا ينتقده المجتمع. وترى د. عزة أن الجانب المرفوض من هذه الفكرة هو أن تترك الفتاة منزل أسرتها رغبة في حرية أكثر أو استقلالاً بذاتها أو للبعد عن مشاكل نفسية داخل نطاق أسرتها،
حيث إن هذه الفكرة قابلة للتطبيق لدى المستويات العالية اجتماعياً التي لا تجد مشكلة في الحصول على شقة منفصلة كبداية لحياة مستقلة، لكنها قد تكون خطوة البداية على طريق السقوط، وعادة ما يكون الانحراف بسبب التقليد الأعمى لأصدقاء السوء،
حيث أثبتت الدراسات الحديثة أن 90 % من أسباب انحراف الشباب يرجع إلى أصدقاء السوء، فالشباب يرفض السلطة الوالدية والمجتمعية، ولمقاومة تلك الفكرة يجب أن نربي أبناءنا على أسس سليمة حتى لا تؤثر فيهم تلك الأفكار الغريبة.
وتنصح د. عزة بأن الأجدى لعلاج هذا الأمر أن تكون البداية بالحوار الدائم والمثمر مع الأبناء فمن خلال إقامة علاقة صداقة بين الآباء والأبناء نتعرف على أفكارهم وآرائهم ونراقب تحركاتهم، فنستطيع التدخل في الوقت المناسب لصد أي فكر خاطئ قبل أن يخترق عقولهم ثم تأتي الخطوة الثانية وهي تعليم أبنائنا الدين الصحيح بعيداً عن التطرف والمغالاة،
فعلى مدى التاريخ كان الدين من أهم وسائل الضبط الاجتماعي باعتباره العرف الحاكم في المجتمع ويسبق القانون في أهميته بالنسبة للأفراد، وإذا كان الدين هو الذي سيحكم تصرفات أبنائنا فلا خوف عليهم، ومن أهم عوامل التربية السليمة تحقيق المساواة بين الولد والبنت حتى لا تكون فكرة ظلم الفتيات داخل الأسرة مدخلاً آخر لأفكار غربية هدامة تحاول حل مشاكلنا.
وتقول د. آمال هلال أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة عين شمس: نحن مجتمع شرقي محمل بمجموعة من القيم والتقاليد التي يحكمها المنهج الإسلامي، فيضع الحدود والأطر التي يجب أن يتصرف فيها الإنسان، ففي الحديث الشريف «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» والأسرة راعية لأبنائها ويجب أن تستمر في هذه الرعاية حتى يصيروا أفرادا صالحين في المجتمع.
وتتساءل د. آمال عن الهدف من وراء هذه الدعوة، ولماذا خصوا الفتاة بها؟ هل الفتاة لم تحصل على الحرية المطلوبة للتقدم في حياتها المهنية والتعليمية؟ موضحة أن الواقع الملموس يكشف عن حالات كثيرة لفتيات اضطرتهن ظروف خاصة بالعمل أو التعليم إلى الإقامة بعيداً عن أسرهن،
لكن هذا القدر من الحرية يكون دائماً محاطاً بقدر أكبر من الحماية سواء عن طريق بعض الأقارب الذين يقيمون بالقرب منها ويمكن للفتاة اللجوء إليه وقت الحاجة أو بتوالي زيارات أفراد أسرتها لها حتى يعطوا سياجاً من الحماية حولها.
وترى د. هلال أن هذه الدعوة ليست بهدف إعطاء قدر أكبر من الحرية للفتاة ومساواتها بالرجل بل هي دعوة لتحطيم قيم المجتمع، فهي دعاوى غربية تنتقى بعض الفئات المهزوزة والهشة التي يمكن استغلالها للترويج لتلك الأفكار والتعبير والدفاع عنها، فتنقلها تلك الفئات دون وعى بالهدف الأساسي منها وعادة، ما تلقى تلك الدعاوى الرفض من جانب المجتمع المحصن بالأخلاقيات ولعدم قدرتها على خرق قناعاته الراسخة.
وتدعو إلى ضرورة الانتباه إلى أن هذه الدعاوى المستوردة الهادفة وراء تحطيم الثقافة الخاصة بمجتمعنا الإسلامي عن طريق خلخلة العلاقات الأسرية، فالأسرة هي خط الدفاع الأخير الذي يجب أن نحافظ عليه والميزة التي نتفوق بها على الغرب وهدمها هو هدم للمجتمع كله.
ومن ثم يجب أن نعي أن تمسكنا بالترابط الأسري لا يعني أننا متخلفون بدليل أن الغرب يعاني من ضياع مفهوم الأسرة لديه .. في حين مازالت بعض الأسر في الريف الأوروبي تتمسك بالقيم، فالأخلاقيات والقيم الأصيلة واحدة في كل الأديان السماوية ولكن الاختلاف بينها يكون في الحدود والقواعد.
وتؤكد د. آمال ضرورة مناقشة أي قضية مجتمعية من كل جانب ومناقشة أضرارها وفوائدها لتحديد مدى قدرتها على النجاح أو الفشل عند التطبيق، وأنه لا يجب أن نغفل هنا أهمية دور العلماء الدعاة في مناقشة تلك القضايا ليس بالترهيب بل بشكل يتناسب مع الفكر والثقافة السائدة الآن في المجتمع.
ويرى د. أحمد محمد الشرنوبي أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية بكلية أصول الدين جامعة الأزهر أن المناداة بحق الفتيات في الاستقلال عن أسرهن والحياة بعيداً عنهم بدعوى العمل أو الحرية أو المساواة بالرجل فكرة شيطانية منكرة لا يقبلها الدين.
ولا يرتضيها العقل ولا تتماشى مع تقاليد مجتمعاتنا الشرقية فمن شأنها أن تجرد المرأة من كل عوامل القوة والحماية وتحرمها من الملجأ الآمن المتمثل في الولي الأمين عليها المتكفل بحمايتها ورعايتها والوقوف بجوارها إذا شعرت بما يتهددها.
كما أن من شأنها ألا تجعلها هدفاً للطامعين المتربصين الذين لا يقيمون وزناً للشرف ولا للفضيلة، مشيراً إلى أن استقلال المرأة بالمعيشة وحدها قد يجعلها ضعيفة أمام تيارات الانحلال والمجون التي لا تتوقف عن العمل في محيط المجتمع الإسلامي تحت دعاوى متعددة منها الحرية والموضة والمساواة بالرجل.
ويضيف: أتصور أن هذه الفكرة جذورها غربية يمارسها الغرب مع الفتيات والشباب الذين ينتقلون من مرحلة دراستهم الثانوية إلى الجامعية حيث تدعمهم مادياً وعلمياً وتمنحهم مرتبات شهرية تدفع لجامعاتهم مقابل تعليمهم على أن يكون هذا المال قرضاً يسدد على الأمد الطويل عند العمل، فتمكنهم بذلك من الاستقلال عن ذويهم.
ويؤكد د. أحمد الشرنوبي أن نشر مثل هذه الفكرة والتمكين لها في مجتمعنا سيؤدي إلى ظهور تلك السلبيات التي يعاني منها الغرب - في مجتمعنا الإسلامي - ان من الجهل أن ننقل إلى أمتنا أفكاراً تعاني من سلبياتها الأمم الأخرى خصوصاً أن لدينا ديناً يأبى هذه الفكرة ويرفضها لتعارضها الصريح مع تشريعاته التي تدعو للفضيلة.
وتحفظ المرأة من كل ما يتهددها وتحافظ على حياتها وطهرها وعفتها بالبعد عن عوامل الانحراف والتضليل وصيانة عرضها من ألسنة المفترين وأوكل بذلك إلى وليها أباً أو ابناً أو أخاً أو عماً. .. إلخ. فإذا تزوجت تكفل بذلك زوجها، وجعل جزاء ذلك الجنة.
كما وردت بذلك النصوص ففي الحديث الشريف «من كان له ثلاث بنات يؤويهن ويرحمهن ويكفلهن وجبت له الجنة البتة، قيل يا رسول الله: فإن كانتا اثنتين؟ فقال: وإن كانتا اثنتين» فرأى بعض القوم أن لو قالوا واحدة لقال واحدة.
وتقول د. آمال يس أستاذ الفقه بكلية الدراسات الإسلامية جامعة الأزهر: دأبت بعض الجمعيات النسائية تحت شعار حقوق الإنسان على محاولة الخروج بالمرأة مما ينبغي أن تكون عليه من الحفظ والصيانة بدعوى أن للمرأة حقوقاً كما للرجل وان من حق المرأة أن تستقل بنفسها وتنفرد بحياتها بعيداً عن أسرتها متناسين بذلك أن القصد في الشريعة الإسلامية من الحضانة والولاية هو التعهد بما يصلح الصغير - ذكراً كان أو أنثى - ويقيه
مما يؤذيه وتربيته جسمانياً ونفسياً وعقلياً كي يقوى على النهوض بتبعات الحياة والاضطلاع بمسؤوليتها في وقت لا يستطيع فيه أن يستقل بأمره وللحضانة والولاية في الشرع أمد ينتهي ببلوغ الصبي الرشد والفتاة حتى تتزوج، ومن هنا فليس للفتاة الانفراد بنفسها ولأبيها الحق في منعها.
وتضيف: ان لم يكن لها أب فلوليها وأهلها منعها من ذلك وهذا يعني أن الفتاة إذا بلغت فإن ولاية الولي العاصب المحرم تستمر عليها وله حق ضمها إليه مادامت بكراً وهذا بخلاف الذكر فله حق الانفراد لاستغنائه عن أبويه ببلوغه عاقلاً رشيداً.
فتنتهي الولاية على النفس بشرط أن يكون مأموناً على نفسه وليس لأحد عليه ولاية الضم، ومع ذلك لا يستحب له أن ينفرد عن أبويه ويقطع بره بهما، أما إذا بلغ الذكر وكان غير مأمون على نفسه كان لوليه العاصب أن يضمه إليه لحاجته إلى من يحافظ عليه حتى يأمن على نفسه.
وتشير د. آمال يس إلى أن هناك حالات قد تستقل فيها المرأة بنفسها منها أن تصبح كبيرة السن بلا زواج ولا يخشى عليها من الفتنة فلها حينئذ أن تنفرد عن أوليائها، ما دام لا يخشى عليها من الفساد وكذلك إذا كانت ثيباً فليس لوليها ضمها إليه لخبرتها بالحياة وصعوبة التغرير بها، أما إذا كانت غير مأمونة على نفسها أو يخشى عليها من الفتنة إذا انفردت بنفسها فلوليها العاصب حق ضمها.
كما يجوز أن تستقل المرأة إذا عدم أولياؤها كأن مات أبواها، كما يجوز لها الاستقلال بنفسها إذا كان العاصب غير أمين وغير قادر على الحفظ لأن الولاية إنما هي للحفظ والإصلاح فلا يتولاها من اشتهر بالفساد. وترى د. آمال أن الدعوة إلى انفراد المرأة بنفسها واستقلالها عن أبويها إنما هي دعوة غربية خالصة بعيدة تماماً عن شريعتنا الإسلامية.
القاهرة - وكالة الصحافة العربية