منذ قيام دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1971 أولت الحكومة الاتحادية مسألة الإسكان عناية خاصة وعملت على تأمين مسكن لكل مواطن. كما نهجت الحكومات المحلية ومؤسسات أخرى النهج نفسه، حيث جرى إنشاء العديد من المدن والقرى والأحياء السكنية متضمنة عشرات آلاف الوحدات السكنية في مختلف مناطق الدولة، فضلا عن توزيع عشرات آلاف الوحدات من الأراضي على المواطنين بهدف بناء مساكن لهم.

وتأتي مكرمة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي بإنشاء 40000 وحدة سكنية للمواطنين تتويجا واستكمالا للجهود الحكومية المتوالية بتوفير السكن لكل مواطن من أبناء الدولة والذين قابلوا هذه المكرمة بالعرفان والتقدير.وحدة الدراسات في «البيان» تنظم ندوة لمناقشة ما تم انجازه حتى الآن على هذا الصعيد والخطط المستقبلية التي تسعى الدولة لانجازها تحت عنوان:«الإسكان الحكومي في الإمارات العربية المتحدة ... مسكن لكل مواطن».وتدعو لها نخبة من المسؤولين في مجال الإسكان الحكومي ورجال الأعمال ومديرو الشركات العقارية والمختصون بقضايا الإسكان والبناء والتطوير الحضري للتعرف على المنجزات في هذا المجال والمشاريع المستقبلية وذلك من خلال المحاور التالية:* المحور الأول : حجم المشاريع الإسكانية التي تم إنشاؤها حتى الآن والجهات التي تولت انجاز هذه المشاريع. * المحور الثاني : دور القطاع الخاص في دعم المشاريع الحكومية وإقامة وحدات سكنية خاصة بموظفيها.

* المحور الثالث : طموحات السكان الإماراتيين ومدى تلبية الإسكان الحكومي لواقع النمو الديموغرافي والخطط المستقبلية المتوقع تنفيذها. وأكد المشاركون في الندوة خلال الحلقتين الماضيتين أن الجهود الاتحادية والحكومية المحلية لم تكن كافية خلال الثلاثين سنة الماضية من عمر الاتحاد ولأسباب كثيرة ولذلك تم الانتقال بالقضية الإسكانية إلى مرحلة متقدمة بإنشاء مشروع زايد للإسكان ومؤسسة محمد بن راشد للإسكان بهدف توحيد الجهود بهذا الخصوص وتطوير العمل بعيدا عن الروتين والبيروقراطية لتلبية طموحات المرحلة الحالية والمقبلة والتي تشهد طلبا متزايدا على الإسكان نظرا للزيادة الكبيرة في عدد السكان المواطنين.والذين يتقدمون بطلبات للحصول على مساكن حكومية كما دعا المشاركون القطاع الخاص بالمساهمة في حل مشكلة الإسكان سواء بتقديم قروض السكن الميسرة للموظفين أو ببناء مساكن للمحتاجين وغير القادرين أسوة بما قام به بعض رجال الأعمال والميسورين، وفي هذه الحلقة نستكمل بقية الآراء بشأن دور القطاع الخاص في حل أزمة السكن في الدولة ثم نعرض لبعض المقترحات التي تقدم بها المشاركون في الندوة ضمن المحور الأخير.

وتاليا التفاصيل:* عبد الله الخديم: أريد في هذا المحور أن أتكلم ليس فقط عن القطاع الخاص وإنما عن القطاع العام والوزارات والمؤسسات العامة بحيث يكون هناك إلزام قانوني بضرورة توفير خدمة الإسكان للموظفين. وهذا الإلزام يمكن أن يتم بسن قانون أو تشريع مرتبط بالقروض السكنية وتعطى التسهيلات للموظفين وبالتالي يخفف العبء عن المؤسسات العاملة في قطاع الإسكان ويمكن أن تكون هذه الخدمة مرتبطة بسنوات الخبرة والأداء المتميز. ومن جانب آخر فان المؤسسات الخاصة والعامة يمكنها تنفيذ فكرة إنشاء مجمع سكني خاص بموظفيها سواء كان المجمع دائما أو مؤقتا على شكل بناية سكنية تكون ملكيتها للمؤسسة ثم يسكنها الموظفون ولو بالإيجار بسعر رمزي، إلى أن يتم حصول هذا الموظف على السكن الحكومي الخاص به. والمجمعات السكنية الخاصة بالإضافة لمساهمتها في حل مشكلة الإسكان فإنها تشجع الروابط الإنسانية بين الموظفين وتوفر لهم عناء أزمة المواصلات خاصة إذا كان سكنهم بالقرب من مكان عملهم. وهنا فان الحملات الإعلامية تلعب دورها الايجابي في التشجيع على تنفيذ هذه الأفكار وخروجها إلى ارض الواقع.

وبالنسبة للقطاع الخاص فانا أضم صوتي للأستاذة ليلى بدري في ضرورة مساهمة القطاع الخاص ليس فقط لموظفيه بل للمجتمع بشكل عام فعليه خدمة هذا المجتمع الذي ينتمي إليه خصوصا وان الدولة تحتضنهم وتسهل لهم عملهم ونجاحهم فعليهم تخصيص نسبة معينة من ميزانية شركات القطاع الخاص للخدمة المجتمعية سواء كان هذا في مجال الإسكان وهو ما يهمنا هنا أو في أي مجال آخر.

* حسين البشر: في الآونة الأخيرة بادرت عدة جهات خيرية والحمد لله ببناء المساكن للمواطنين في إمارات مختلفة من الدولة ونتمنى أن يشارك الإعلام في حملات لإبراز هذا الحدث وإظهاره حتى نشجع التجار والقطاع الخاص بالقيام بمثل هذه المبادرات.

ويمكن للإعلام تغطية المبادرات الشخصية التي يقوم بها التجار وتكريم كل من يساهم في حل أزمة السكن، ونحن نعلم أن هناك جهات خاصة توفر السكن لموظفيها طيلة فترة خدمتهم سواء بدفع الإيجارات أو بناء سكن خاص لموظفيها وهنا اقترح استقطاع مبلغ مادي على المعاملات والتجار لتشكيل صندوق دعم للجهات الإسكانية في الدولة .

وذلك كمساهمة مجتمعية من القطاع الخاص ولو بسيط ويمكن استثمار هذه الأموال وبناء المساكن من العائدات والذي أتوقع مع مرور الوقت أن تصبح المحصلة كبيرة ومجزية، وعلينا تكريم رجال الأعمال والشركات الذين لهم مساهمات في قطاع الإسكان ومساندتهم ونعطيهم الأولوية في الحصول على المشاريع والأعمال.

وذلك حتى نشجع غيرهم في الدخول بمثل هذه المبادرات، وهناك بعض الجهات الحكومية وشبه الحكومية كما ذكر الأخوة تقدم القروض السكنية لموظفيها لدعمهم في بناء مساكن خاصة بهم كما أن بعض هذه الجهات تؤمن مساكن خاصة لموظفيها وكل هذه المبادرات تساهم في حل مشكلة السكن في الدولة.

* د. محمد المطوع: من المعروف أن كل بناية موجودة يتم إنشاء مواقف سيارات لها وهذا يحل مشكلة ويا ليت كل شركة أو مؤسسة تبادر لبناء سكن جماعي قريب لموظفيها فإنها أيضا تحل أزمة المرور، والجانب الآخر إننا نتذكر أن الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله قام ببناء مدينة بدر في دبي وكانت إيجاراتها رمزية جدا ويمكن أن تبادر بعض الشركات ببناء مثل هذه المدينة لموظفيها خصوصا وان المواطنين لا مانع لديهم الآن من السكن في شقق سكنية في العمارات والبنايات الحديثة وهذا قد يحل أزمة السكن ويخفف من الطلب المتزايد على مشاريع السكن الحكومية.

* راشد المطوع: هناك حزمة من الحلول والمقترحات العديدة يمكن وضعها في منظومة واحدة متكاملة يتم العمل عليها لحل مشكلة الإسكان وكل ما تقدم به الأخوة يفيد في هذا المجال سواء توفير السكن في بنايات متعددة الطوابق أو المساهمات الفردية ومساهمات الشركات التي تبني لموظفيها فانه إذا تجمعت كل هذه الطرق فإنها ستؤتي أكلها بالتأكيد، والشيء المهم أن تخرج هذه المقترحات والمشاريع للعلن وان تكون معروفة للجميع بحيث يتم تقدير كل من له دور في هذا المجال من اجل خلق سباق بين المتنافسين، واليوم عندنا بعض المواطنين من ذوي الإمكانيات المحدودة .

وقد بذلت الحكومة جهدها لتوفير سكن حكومي لهم ولكن هذه الفئة بحاجة لخدمات أخرى غير السكن مثل أثاث البيت والملابس فإذا ساهمت هذه المؤسسات الخيرية والشركات في استكمال أمورهم الحياتية فإننا نكون قد قطعنا شوطا جيدا في هذا الجانب فالمسالة تكاملية خصوصا وان بعض الناس عند حصولهم على المسكن لا يكون لديهم القدرة على التأثيث، فهل المطلوب من الحكومة أيضا القيام بهذا الدور؟ أم أن على جهات أخرى القيام بواجبها وتكملة دور الحكومة؟

فالكل عليه المساهمة ويمكن توجيه جزء من أموال المحسنين أو أموال زكواتهم إلى صناديق لتوفير هذه الخدمة. وإنشاء هذه الصناديق المعينة ضروري حتى يأمن التجار ويثقوا بها في حال وضع أموالهم فيها، فتفاعل القطاع الخاص مع الحكومة أمر هام ولا غنى عنه لتمكين النظام كله للعمل بشكل صحيح ولتحسين استغلال الموارد في خدمات أخرى مطلوبة للمواطنين.

* ناهد مبارك: نظرا لعدم وجود الكثير من الأراضي لبناء الوحدات السكنية وبشكل خاص في المنطقة الشرقية أتمنى أن يتم تجديد المباني السكنية القديمة أو إعادة بنائها من جديد وبدل أن تكون من دور واحد يمكن أن تكون متعددة الطوابق، وهنا يمكن أن يساهم القطاع الخاص في هذه المهمة حتى تصبح هذه المساكن مؤهلة بشكل جيد.

* ليلى بدري: تعقيبا على كلام المهندس راشد المطوع، لماذا لا يتم توفير رابط على الموقع الإلكتروني لبرامج الإسكان يمكن المجتمع من الإسهام في تأثيث المنازل التي تم بناؤها للمواطنين، على غرار الروابط التي تم توفيرها على المواقع الإلكترونية الأميركية عندما ضرب إعصار كاترينا عددا من الولايات الأميركية؟

فالكثير من الأفراد يودون التبرع لشراء ثلاجة أو محمصة خبز على سبيل المثال للمواطنين المقدمين على بناء منزل جديد، ولا يجدون إلى ذلك سبيلا. لماذا نقصر ذلك على المؤسسات فقط؟ لماذا لا نقوم بإشراك الأفراد أيضا؟ فالأفراد يودون التبرع كل حسب مقدرته المادية. إن ذلك من شأنه زيادة التلاحم بين أفراد الشعب وزيادة حس المسؤولية تجاه المجتمع.

كما أن ذلك يعزز ثقافة التطوع بين أفراد المجتمع والتي طالبتنا به القيادة. بالإضافة إلى أن الكثير من الأجانب لديهم ذلك الحس بالمسؤولية تجاه المجتمع ويودون الإسهام برد جزء من جميل الدولة عليهم. فلماذا نغفل بعض الجزئيات التي تضفي الكثير من الديناميكية على مواقعنا الإلكترونية؟

بالإضافة إلى ذلك، نتمنى من برامج الإسكان العمل والتعاون مع إعلامنا المرئي لعمل برامج تلقي الضوء على المساكن المشيدة للشباب على سبيل المثال، وتقوم بعمل مقابلات مع بعض الأسر التي انتقلت إلى مساكنها الجديدة تبين فيه فرحتهم بدعم الدولة لهم لبناء المساكن، ثم دعم المؤسسات والأفراد لهم لتأثيث تلك المساكن.

إن الإعلام له دور كبير في تعميق مشاعر الانتماء والولاء، ونشر وترسيخ ثقافة التبرع والتطوع والإسهام لتقديم الخدمات. لذا لابد من توظيف إعلامنا لخدمة هذه الأهداف التي تعكس أيضا هويتنا الوطنية، وتعرض قضايانا التي نود أن نناقشها ونراها حاضرة في إعلامنا المرئي.

* راشد المطوع: اشكر الأستاذة ليلى بدري على هذه الملاحظة الهامة، وبالنسبة لمؤسسة محمد بن راشد للإسكان موجود لديها مثل هذا الرابط ونحن ننتظر الانتهاء من الموقع الالكتروني الجديد حيث سيتم وضع الكثير من الروابط للمتعاملين مع المؤسسة ومن بينها مساهمات الشركات والأفراد الذي تفضلت به وسيكون هناك حساب مالي باسم المؤسسة لمن يرغب بالتبرع والمساهمة ماليا، وكذلك لتواصل المؤسسة مع القطاع الخاص .

* عبد الله الخديم: هذا مقترح جميل جدا وسنأخذ به في مشروع زايد للإسكان. وبالنسبة للقطاع الخاص فاعتقد أن للحكومة دورا آخر يمكن أن تلعبه في هذا الخصوص مثل منح خدمات إضافية أو تقديم مزايا للقطاعات الخاصة التي تقوم بتوفير خدمات السكن وتأثيثه ويمكن تخفيض نسبة الجمارك على بضائع مثل هذه الشركات الخاصة وكذلك مزايا في الحصول على التراخيص والمعاملات ويتم وضع هذه الشركات في قائمة تنشر سنويا. كما أن المؤسسات التي لا تشارك نهائيا في تقديم الخدمات المجتمعية فاعتقد أنها يجب أن لا تحظى بأي نوع من الرعاية أو الأفضلية.

ـ د. محمد المطوع : ننتقل الآن للمحور الثالث من الندوة والمتعلق بالنظرة المستقبلية والمقترحات لمعالجة قضايا الإسكان في الدولة.

ـ حسين البشر: هناك جملة من المقترحات في هذا الجانب يمكن إيجازها على الشكل التالي:

ـ بناء مجمعات سكنية تحتوي على كافة الخدمات الأساسية وتكون عصرية ومشابهة للمشاريع الاستثمارية وتحتوي على المسطحات الخضراء وتضم بعض الدوائر الحكومية والمراكز التجارية.

ـ تجهيز مساكن للحالات المستعجلة والطارئة والتي تستدعي التدخل السريع.

ـ توفير شقق مؤقتة لحالات حديثي الزواج لحين توفير المساكن الملائمة لهم ولعائلاتهم.

ـ إيجاد شركات يمكنها تقديم كل الخدمات المكملة لتجهيز المساكن من أثاث وغيره بالتقسيط.

ـ محاولة بناء مجمعات عائلية للمواطنين الذين يرتبطون بصلات قربى للسكن في مكان واحد.

ـ ناهد مبارك: ان حل المشكلة يتطلب توفير الأراضي الصالحة للسكن وإيجاد الجهة التي تقوم بتجهيزات الخدمات والمرافق والمباني والتمويل، وهذا لن يحدث إلا بمشاركة القطاع الخاص في التمويل والتنفيذ وتجهيز البيوت الحكومية أو تجهيز الخدمات والمرافق حال تسليم البيوت، إلى جانب اتجاهها إلى بناء مدن إسكانية في المناطق البعيدة أو حتى في المناطق الحدودية. فضلاً عن تأسيس بنك إسكاني يتخذ شكل شركة مساهمة تطرح أسهمه للاكتتاب العام لإقراض مستحقي الإسكان لبناء سكن خاص بهم بفوائد تدعمها الدولة.

بالإضافة إلى إسهام القطاع الخاص في تعديل الأراضي المملوكة للدولة لأغراض الرعاية السكنية، ويقضي بأن تلزم الجهات المعنية بتجهيز وتنظيم باقي الأراضي اللازمة لمشاريع الإسكان حسب المخطط الهيكلي وان يتم تسليمها لمؤسسات الإسكان خالية العوائق في مدة لا تتجاوز سنة من تاريخ التعديل.

المشاركون

م. راشد المطوع: المدير التنفيذي والعضو المنتدب / مؤسسة محمد بن راشد للإسكان

م.عبدالله خميس الخديم: مساعد مدير عام / برنامج الشيخ زايد للاسكان

حسين عبدالله البشر: رئيس قسم الخدمات العامة / برنامج الشيخ زايد للاسكان

ليلى بدري: كاتبة صحافية

ناهد مبارك النقبي: محررة / جريدة البيان

أدار الندوة:أ.د. محمد عبدالله المطوع

الاعداد والتحرير:موسى أبوعيد-تصوير: عماد علاء الدين