أيقن العالم مع بداية العام الجديد أن للإمارات قدماً في الماضي عندما انتقل الرئيس الأميركي جورج بوش خلال زيارته منتصف الشهر الماضي من قصر الإمارات عنوان الضيافة والفخامة والرقي إلى بادية أبوظبي ليعيش حياة البادية بكل تفاصيلها جالسا تحت بيت الشعر التقليدي بالقرب من موقد النار متذوقا الأكلات الشعبية والتمور والقهوة الإماراتية ومستعرضا أنواعا عدة من الصقور العربية الأصيلة.

وأدهشت الإمارات العالم مرة أخرى في ثاني أيام الزيارة عندما انجذب قائد ورئيس أكبر دولة عظمى في العالم للتراث الإماراتي في منطقة الشندغة بدبي وكانت المفاجأة ان الرجل الأول في العالم لم يشأ أن يفوت فرصة التعرف على ماضي دولة الإمارات عبر بوابة القرية التراثية وهي البوابة التي أنشئت لتختصر على كل من يزورها الحقبة الزمنية التاريخية للإمارات. ولم تمنع اللقاءات الرسمية المكثفة التي حفل بها الجدول الزمني الرسمي للرئيس بوش خلال هذه الزيارة من أن يجد فرصة للتعرف على الوجه الآخر للدولة التي يزورها للمرة الأولى بعد وصوله للبيت الأبيض.

وفي بادرة غير مسبوقة عبر بوش في مدونته في موقع البيت الأبيض الالكتروني عن رضاه وسعادته بزيارة الإمارات وكتب بنفسه «أحدى أهم وأفضل محطات رحلتي عندما استمتعت بتناول العشاء في الصحراء في أبوظبي مع الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة والسفر إلى دبي والتجول فيها برفقة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي».

خلال هذه الزيارة لم يعايش الرئيس الأميركي بمفرده التراث الإماراتي بل عاش العالم أجمع في قلب الحدث عندما سلطت الأضواء على الرئيس الأميركي وهو جالس وحوله وجوه إماراتية ارتدت الزي الوطني ترحيباً بضيف البلاد الكبير وسط عبق العود والبخور حيث أدت فرق الحربية الفنون والأهازيج الشعبية حتى ان الرجل طرب لها فأمسك بالعصا وشارك أفراد الفرق الشعبية فنهم ورقصهم الإماراتي المميز.

ووسط هذه الأجواء ربما نسي العالم وجه الإمارات الحديث ولكن دولة الإمارات كما تتمسك بجذورها وتراثها الوطني فإن لها عيناً تمعن النظر في المستقبل. وإذا كانت هذه الأماكن التراثية قد أعطت العالم فكرة كاملة عن ماضي الإمارات الذي أسس لحاضر دولة حديثة وثاني أقوى اقتصاد عربي فإن من المؤكد أن الرئيس جورج دبليو بوش عند زيارته لقصر الإمارات في العاصمة وبرج العرب في دبي قد رأى ما يسر ناظره من عمران وتطور وحداثة.

كانت ترتيبات وبرنامج الزيارة دليل قاطع على ان المشهد العام في دولة الإمارات يختلف عما هو عليه في المنطقة فلا يتحرك القادة وأهل النخبة ورجال الأعمال والمجتمع مهرولين أو متكاسلين بحثا عن شيء لا يعرفون بدقة معقولة شيئاً عنه فكل شيء عندهم بحساب ومن يخطو خطوة يعرف جيدا أين يضع قدمه مسبقا لذا تحقق الدولة نجاحا تلو الآخر.

والمطلع على بواطن الأمور يعرف أن الوعي بالنجاح تسرب إلى عدد أكبر من مواطني هذه الدولة والمؤكد أيضا أن أوضاعا كثيرة لن تعود إلى سابق عهدها والمتتبع للمشهد الإماراتي يتأكد أن للدولة قدماً في الماضي وعيناً على المستقبل بعد أن حولت إرادة رجالها الأشداء قرى الصيد الصغيرة إلى مدن عملاقة وذكية يتم التحكم بها آليا يلهث وراءها العالم مقلدا لها في كل الإنجازات والإبداعات.

ويكفي ان يستوعب عقل أي زائر ان التغيير طال كل شيء حتى سفن الشراع والديزل القديمة التي كانت تبحر في الخليج بهدير محركاتها المزعج ودخانها الأسود والتي تم استبدالها بيخوت فاخرة هي عبارة عن مدن عائمة تصلح للحياة وممارسة الأعمال والاجتماعات لعدة أسابيع فوق المياه.

وبعد أن عادت الإمارات بالرئيس الأميركي إلى قرن من الزمان من المتوقع أن يصل حجم سوق خدمات تكنولوجيا المعلومات في الإمارات إلى 5,170 مليون دولار أميركي بحلول عام 2010 حسب تقرير لمؤسسة الأبحاث (آي. دي. سي).

وبجوار القرى التراثية والمتاحف المنتشرة في إمارات الدولة يجلس رجال الإمارات يقودون مشاريع بمليارات الدولارات في قطاع النفط والغاز بمنطقة الشرق الأوسط كما يقودون مشاريع ضخمة لتطوير الموانئ وبناء الجزر الاصطناعية داخل مياه الخليج.

وفي تحد جاد مع المستقبل وضعت العاصمة خطة «رؤية أبوظبي 2030» والتي من أهم بنودها أن تستوعب المدينة ما يزيد على ثلاثة ملايين نسمة في حين يبلغ عدد السكان الإجمالي في المدينة الآن حوالي 600 ألف نسمة.

وستشهد العاصمة أبوظبي على الأرجح في أغسطس 2009 الانتهاء من مشروع طريق الشهامة - السعديات السريع بتكلفة 4,1 مليار دولار والذي سيصل بين جزيرة أبوظبي والشهامة وجزيرتي ياس والسعديات بطول 27 كيلومترا ويتكون من عشرة مسارات.

وسيرى الزائر لمدينة أبوظبي مستقبلا كافة وسائل النقل بما في ذلك إنشاء خط مترو والتركيز على النقل المائي وإنشاء شبكة سكك حديد داخلية إضافة إلى توسيع الجزء الداخلي منها عبر شبكة من الطرق المحاذية للجزر ما سيؤدي إلى إيجاد منطقة تجارية جديدة متركزة على جزيرتي الصوة والريم مما يسهم في الحفاظ على الطبيعة إضافة إلى مساكن المواطنين وشوارع مناسبة للسير ومرافق محلية ووسائل للنقل الجماعي.

وبحسب أحدث التقارير الصادرة من بلدية أبوظبي سيفتتح جسر الشيخ زايد نهاية عام 2009 بعد الانتهاء من انجاز الأعمال الإنشائية بالمرحلة الثالثة والأخيرة والتي يتم العمل فيها على قدم وساق لإخراج هذا الصرح الإنشائي العملاق بالصورة البديعة المأمولة.

ومن المتوقع أن تستمر صلاحية الجسر لأكثر من 100 عام بالكفاءة نفسها والأمان والفعالية ويتحمل الجسر ضعف الحمل الحي في المواصفات القياسية الأميركية (بحدود 70 طنا) لتغطية الأحمال كما تم تدقيقه للحمولات فوق العادية مثل الحمولات العسكرية بالإضافة إلى تحمله للهزات الأرضية والزلازل بفضل تدعيمه بوسائد مقاومة للرصاص وماصة للصدمات الزلزالية كما صممت له دعامة ضد الصدمات الملاحية العالية وزود بحواجز أمان جانبية من الخرسانة عالية المقاومة.