لا شك أن هذه الدنيا دار ابتلاء واختبار، ومن ظن أنه لن يصيبه شيء من ذلك فلم يعرف حقيقة الدنيا، قال تعالى: ( الم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهو لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين). ففي هذه الدنيا مصائب ورزايا ومحن وبلايا، آلامٌ قد تضيق بها النفوس أحيانا، ومزعجاتٌ تورث الخوف والجزع. كم ترى من شاكٍ، وكم تسمع من لوامٍ، يشكو علة وسقماً، أو حاجة وفقراً، متبرمٌ من زوجه وولده، لوامٌ لأهله وعشيرته،
ترى من كسدت تجارته وبارت صناعته، وآخر قد ضاع جهده ولم يدرك مرامه. تلك هي الدنيا، تضحك وتبكي، وتجمع وتشتت، شدة ورخاء، وسراء وضراء، دار غرور لمن اغترَّ بها، وهي عبرةٌ لمن اعتبر بها، إنها دار صدقٍ لمن صدقها، وميدان عملٍ لمن عمل فيها، وتتنوع فيها الابتلاءات وألوان الفتن، ويبتلى أهلها بالمتضادات والمتباينات، قال تعالى: ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون).
ولكن إذا استحكمت الأزمات، وترادفت الملمات، فلا مخرج من ذلك إلا الإيمان بالله، والتوكل عليه، والصبر الجميل، قال تعالى: ( فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون )، ، فهذا هو النور المبين والترياق الشافي والدرع الواقي من اليأس والقنوط.
فمن آمن بالله، وعرف حقيقة دنياه، وطَّن نفسه على احتمال المكاره وواجه الأعباء مهما ثقلت، وحسن ظنه بربه، وأمَّل فيه جميل العواقب وكريم العوائد. كل ذلك بقلبٍ لا تشوبه ريبةٌ، ونفسٍ لا تزعزعها كربةٌ، مستيقناً أن بوادر الصفو لا بد آتيةٌ، قال تعالى: ( وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور)، كما أن الصبر لا يكون بعده إلا الخير لأهله، وقد أكد الله جل وعلا ذلك باليمين، فقال سبحانه: وَلَئِن صَبَرتُم لَهُوَ خَيرٌ لِلصَابِريِنَ . فالصبر من أعظم العبادات والطاعات التي يتقرب بها العبد إلى خالق الأرض والسماوات، وإليك أيها القارئ الكريم عشر فضائل للصبر:
1ـ الصبر سبب للفوز بالمطلوب والمحبوب، والنجاة من المكروه والمرهوب، والحصول على الأمن والسلام، في الدنيا وفي دار السلام من ملائكة العزيز العلام، وما ذلك إلا للصابرين، قال تعالى: وَالملائكةُ يَدخُلُونَ عَلَيِهِم مِن كُلِ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيكُم بِمَا صَبَرتُم فَنِعمَ عُقبَى الدّارِ .
2ـ أن أهل الصبر هم الذين ينتفعون بآيات الله ويتعظون بها، كما قال تعالى: وَلَقَد أرسَلنَا مُوسَى بِئآياتِنآ أن أخرِج قَومَكَ مِنَ الظُلُماتِ إلى النورِ وَذَكِرهُم بِأيامِ اللّهِ إنَ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِ صَبّارٍ شَكُورٍ.
3ـ الصبر سبب لرفعة الدرجات والحصول على المنازل العاليات: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة فلم يبلغها بعمل، ابتلاه الله في جسده أو ماله أو ولده ثم صبر على ذلك، حتى يبلغ المنزلة التي سبقت له من الله عزَّ وجلَّ). رواه أحمد وأبو يعلى في مسنديهما والطبراني في الكبير.
4ـ أن أهل الصبر ينالون خصال الخير والحظوظ العظيمة التي لا ينالها غيرهم، كما قال تعالى: وَيلَكُم ثوآبُ اللّهِ خَيرٌ لِمَن ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحاً وَلاَ يُلَقاهآ إلا الصَابِرُونَ، وقال سبحانه: وَمَا يُلَقاهآ إلا الذّينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَهآ إلا ذُو حّظٍ عَظِيمٍ.
5- أن الصبر سبب لدخول الجنة: فعن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن الله عز وجل قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه ـ أي عينيه ـ فصبر عوضته عنهما الجنة). رواه البخاري.
6- الإمامة في الدين معلقة بالصبر واليقين، قال تعالى: وَجَعَلنا مِنهُم أئِمّةً يَهدُون بِأمرِنا لَمَا صَبَرُوا وَكَانُوا بِئَاياتِنا يُوقِنُون . فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين.
7- أن الصبر ينال به العبد الثناء من الله ، فالله أثنى على عبده أيوب بأحسن الثناء وذلك بسبب صبره وتحمله للبلاء، فقال تعالى: إنّا وَجَدنَاهُ صَابِراً نِعمَ العَبدُ إنَهُ أوابٌ، فأطلق عليه نعم العبد بكونه وجده صابرا.
8- أنه سبحانه قرن الصبر بأركان الإسلام ومقامات الإيمان، فقرنه بالصلاة في قوله: وَاستَعِينُوا بِالصّبرِ وَالصّلاةِ، وبالتقوى في قوله: إنّهُ مَن يَتَقِ وَيَصبِر، وبالشكر في قوله: إن فِي ذَلِكَ لأياتٍ لِكُلِ صَبَارٍ شَكُور ، وبالرحمة في قوله: وَتَوَاصَوا بِالصّبرِ وَتَوَاصَوا بِالمرحَمَةِ، وبالصدق في قوله: وَالصّادِقينَ وَالصَادِقَات وَالصَابِرين وَالصّابِراتِ.
9- أن الصبر سبب لتكفير السيئات: فعن أبي سعيد وأبي هريرة:رضي الله عنهما أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر به من سيئاته). والصب: الوجع اللازم، ومنه قوله تعالى: ( ولهم عذاب واصب)، أي لازم ثابت، والنصب: التعب. والهم يهمه: أي يغمه.
10- أن البلاء والصبر عليه دليل على الإيمان وصلابة الدين، وأن الصابر مقتف لطريقة الأنبياء: فعن مصعب بن سعد عن أبيه قال قلت : يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ قال: (الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل من الناس، يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقة خفف عنه). رواه أحمد والترمذي.
عادل مباشري المرزوقي
رئيس قسم الرقابة والتوجيه
بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي