ليس هناك نعمة بعد الإيمان أعظم من المغفرة.. إنها النعمة الكبرى التي يتزحزح به العبد عن النار ويفوز بالجنة، التي فيها من النعيم المقيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. يقول الله عز وجل: (كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور). والمغفرة: هي ستر الذنب ومحوه والتجاوز عنه، والعفو عن صاحبه وتبديل سيئاته حسنات، فهل هناك فضل أعظم من هذا الفضل ؟!.

فالله عز وجل يغفر لعبده ذنبه كله: صغيره وكبيره، إذا تاب إليه توبة نصوحاً، وبرهن على صدقه في توبته بالعمل الصالح والسلوك النبيل. يقول الله عز وجل: (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى). ويقول جل شأنه: (إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً).

والغفور اسم له دلالات لا تقتصر على المعنى الظاهر المتبادر إلى الذهن، وهو مغفرة الذنوب جميعاً، كما يشعر به قوله تعالى: ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم). قال تعال: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم).

فالغفور في هذه الآية: هو الذي يعذر عباده فيما سبقت إليه ألسنتهم من الحلف به دون أن تنعقد عليه قلوبهم، فقد سماه لغواً، أي: لا مؤاخذة عليه ولا لوم ولا عتاب، وهذا تخفيف منه ورحمة، ولو شاء لعاقبنا على هذا الذنب الذي اقترفته ألسنتنا على حين غفلة من قلوبنا. (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم).

من هذه الآية نفهم أن الغفور هو الذي يحب من أطاعه وأطاع رسوله، فإذا أحبه غفر له ما تقدم من ذنبه وتولاه، برحمته، فرحمته لا تنفك عن مغفرته. فالمغفرة هي عين الرحمة، لأن الله عز وجل يهلك الناس في الدنيا والآخرة بذنوبهم فإذا غفرها لهم رفع عنهم العذاب كله، ومتعهم في الدنيا متاعاً حسناً وأثابهم في الآخرة ثواباً كريماً. (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم ).

والغفور هو الذي يكشف الضر عن عباده بغفران ذنوبهم لأنها السبب في هلاكهم فإذا زال السبب المسبب. والمسببات مرتبطة بأسبابها. والغفور أيضاً هو الذي أراد بعبده خيراً فلا راد لفضله الناشيء عن غفران ذنوبهم فالله عز وجل إذا أراد بعبد خيراً وفقه لطاعته، وعصمه من الذنوب : صغيرها وكبيرها، وغفر له ما سقط منه من هفوات إذا تاب منها واستغفر.

فالغفور إذاً هو الذي يدفع عن عباده الضر، ويبدل عسرهم يسراً وخوفهم أمناً إذا تابوا إليه وأنابوا، لأن التوبة سبب في المغفرة، والمغفرة سبب في دفع الضر وجلب الخير. فعلى المسلم أن يتعرض لعفو الله ومغفرته ورحمته بالطاعة والانقياد والضراعة وكثرة الاستغفار. ومن تاب تاب الله عليه، وأنسى الحفظة ذنوبه، وأنسى كذلك معالمه وجوارحه ورزقه رزقاً حسناً وآتاه ثواب وحسن ثواب الآخرة.

وعلى المسلم أن يتضرع إلى الله في ليله ونهاره بسيد الاستغفار: «اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت ابوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت». فمن قال هذا الدعاء من النهار موقناً به فمات قبل أن يمسي، فهو من أهل الجنة، ومن قاله من الليل وهو موقن به فمات قبل أن يصبح، فهو من أهل الجنة كما قال عليه الصلاة والسلام.

فإن لهذا الاسم العظيم نفحات وبركات لمن ذكر الله ودعاه به، وعفا عمن أساء إليه وأصلح ما بينه وبين الناس، كما أصلح ما بينه وبين ربه عز وجل. وحين يتجه المسلم بمشاعره نحو اسم الله الغفور ويتوجه بقلبه نحو من تسمى به - يخالجه إحساس عميق يناديه من وراء حجاب يقول له : أقبل بكيانك كله على من عظم فضله لمن لاذ به وتوكل عليه واحتمى بحماه اتجه فوراً إلى من وسعت رحمته كل شيء واتسع حلمه لمن ضاقت عليه نفسه، فلم يجد ملجأ منه إلا إليه، فقال لسان حاله ضارعاً: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا منجاة منك إلا إليك فتباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما أنعمت به وأوليت.

رجاء علي