اعتبر علماء دين أن الفحص الطبي قبل الزواج ضرورة شرعية وحياتية، مؤكدين ضرورة قيام المقبلين على الزواج بإجراء فحوصات طبية للتأكد من إمكانية إتمام الزواج، وعدم إنجاب أطفال مصابين بأمراض وراثية.

هذا في الوقت الذي أصدر الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ مفتي عام المملكة العربية السعودية فتوى بصحة زواج المصابين بأمراض وراثية، مؤكدًا أنه لا يجوز منع الزواج في حال ثبوت الضرر في الفحوصات الطبية التي تسبق الزواج، والتي قد تكشف عن أمراض وراثية.

من جانبه يقول الدكتور محمد رأفت عثمان عضو مجمع البحوث الإسلامية وعميد كلية الشريعة والقانون الأسبق بجامعة الأزهر: إن إجراء الفحص الطبي قبل الزواج مطلوب شرعًا لما فيه من مصلحة للزوجين والأبناء والأسرة والمجتمع، مع مراعاة الجوانب النفسية والمادية والاجتماعية التي قد تظهر عند جعل الفحص الطبي أمرًا واجبًا على كل المتقدمين للزواج.

أضاف عثمان: إنه في حالة ما إذا كان الزوجان على علم بوجود مرض سواء كان وراثيًا أم غير وراثي عند أحدهما قد ينتج عنه طفل مصاب بهذا المرض أو غيره فهذا الزواج غير مرغوب فيه شرعًا، وذلك لأمرين مهمين في نظر الشريعة الإسلامية الأول: مشروعية الزواج كإحدى الحاجات الإنسانية، والثاني: هو الضرر الذي يحدث نتيجة الزواج مثل الأبناء حيث إن هذا الطفل سيكون عبئاً على والديه ونفسه ومجتمعه والحياة، وبالتالي فإنه طبقًا للقاعدة الشرعية يعتبر «درء المفسدة مقدما على جلب المنفعة».

بينما يرى الدكتور عبد الفتاح إدريس رئيس قسم الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون أنه لا جدوى من الفحص الطبي قبل الزواج إلا للوقوف على أمراض وراثية موجودة لدى كل من الزوجين، وتابع قائلاً: من المعروف أن هناك ما يقرب من عشرة آلاف مرض تنتقل عن طريق الوراثة عبر الجينات من الوالدين إلى ذريتهما، وبعض هذه الأمراض خطرة.

وبعضها ليس خطرًا بحيث يستطيع الإنسان أن يتعايش مع هذه الأمراض ويمارس عمله وهو مريض بها طيلة حياته دون أن تعوقه عن ذلك، ولعل من أمثلة هذه الأمراض الوراثية مرض السكري وارتفاع ضغط الدم وزيادة نسبة الكولسترول في الدم، وهذه الأمراض لا تظهر تداعياتها المخيفة إلا بعد تقدم العمر والدخول إلى مرحلة الشيخوخة، ولهذا فإن إجراء الفحوص الطبية قبل الزواج لا تأثير له في الواقع العملي على الجنين.

وأضاف قائلا: الذين أثاروا هذا الموضوع لم يفلحوا في أن يستصدروا قرارًا من المجامع الفقهية بضرورة اعتباره أمرا واجبا قبل الزواج أو سن قانون يجعل هذه النتائج سببا ماسا أو مباحا للتفريق بين زوجين لم يعلما بحقيقة مرضهما إلا بعد إبرام عقد النكاح.

من جانبه يقول الدكتور نصر فريد واصل مفتي مصر الأسبق إن الزواج لابد أن يقوم على أسس من الجانب العقائدي ومن الجانب الأخلاقي ومن الجانب الصحي بهدف تحقيق الخلافة الشرعية التي أرادها الله عز وجل لهذا الإنسان لافتا إلى أن الإنسان لا يكون مستخلفًا الخلافة الشرعية إلا إذا كان قويًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم «المؤمن القوي خير وأحب عند الله من المؤمن الضعيف».

وأكد واصل أنه لابد من وجود القوة في الإنسان المسلم لأن القوة العقائدية والبدنية كلها أمور مطلوبة للمسلم، وبالتالي فإنه إذا اكتشف شاب وفتاة مقبلين على الزواج بأن هناك مرضًا وراثيًا قد يؤدي إلى كثرة مصابين بالأمراض الوراثية في المجتمع، وبالتالي يصير المجتمع مجتمعًا ضعيفًا فإن الشريعة الإسلامية تمنع ذلك الزواج ولا ترحب به طبقا للقاعدة الشرعية «لا ضرر ولا ضرار».

ويرى واصل أنه لا مانع من إصدار تشريع يلزم الشباب المقبل على الزواج بإجراء فحوصات طبية للتأكد من سلامتهم من الأمراض الوراثية. أما الدكتور أسامة السيد عبد السميع أستاذ الفقه المقارن فيؤكد أن الشريعة الإسلامية لم تمنع الفحص الطبي قبل الزواج، وذلك لما يترتب على عدم إجراء هذا الفحص من مضار ومخاطر تؤثر على مستقبل الأجيال القادمة.

وأشار إلى أن الإسلام أمرنا بتطبيق القاعدة الشرعية «لا ضرر ولا ضرار»، وبالتالي فلا مانع من إصدار تشريع لتقديم شهادة صحية للشباب المقبل على الزواج.