طالب خبراء وأكاديميون بإعادة النظر في مادة الاقتصاد التي تدرس حاليا في المدارس وإدراج ثقافة الاستهلاك كمادة رئيسية فيها، داعين إلى تغيير الأنماط الاستهلاكية، واللجوء إلى تقنينها بحسب الاحتياجات.

وعدم التبذير وتكديس السلع في البيوت ما يؤدي إلى استمرار ارتفاع الأسعار، مناشدين المستهلكين بضرورة إعداد ميزانيات خاصة، للحد من الشراء غير المقنن وترشيد الاستهلاك وإعادة جدولة الأولويات، والتنسيق بين المستهلكين في عملية الشراء وتبادل المعلومات فيما بينهم حول المتاجر وأسعارها، لتعويض الغياب الملموس لوزارة الاقتصاد والجهات المختصة في ضبط السوق.

وحذر اختصاصيون من تفشي ظاهرة الشراء التلقائي التي يقصد بها شراء سلع لم تكن في ذهن المشتري قبل دخول المتجر، مؤكدين أن الإدمان على الشراء لا يقل خطراً ودماراً نفسياً عن خطر الإدمان، مشددين في الوقت ذاته على أن الاستهلاك الترفي يعد مرضاً اقتصادياً اجتماعياً بسبب غياب الضابط الاجتماعي في عملية الاستهلاك الترفي الذي يعد هدرا للإمكانات والثروات الاقتصادية التي ينبغي أن توجه نحو تقوية البنية التحتية للمجتمع.

وأوضح محمد موسى الجاسم رئيس جمعية الإمارات لحماية المستهلك انه يتوجب على الأسر إعداد ميزانيات خاصة بها لضبط المصروفات والتحكم بها بناء على دخلها، كما ينبغي عليها البحث عن سلع بديلة للسلع التي ترتفع أسعارها بشكل ملحوظ، لثني التجار والموردين عن رفع الأسعار كما يحلو لهم، مؤكدا على ضرورة تغيير ثقافة الاستهلاك وتكديس المواد الاستهلاكية والانكباب على الشراء دون حاجة، ما يؤدي إلى تلف 40% من المواد وإلقائها في سلات القمامة.

وشدد الجاسم على ضرورة تكاتف جهود المستهلكين في الحد من ارتفاع الأسعار من خلال مقاطعة المتاجر والسلع التي تستغل حاجة الناس، أو التقليل من استهلاكها بقدر الحاجة فقط، لافتا إلى أهمية دور المدارس والجامعات ووسائل الإعلام في التنسيق بين المستهلكين، والمساعدة على اتخاذ القرارات الشرائية ووضع الميزانيات وتقليل المصروفات، لضبط السوق والحد من الاحتكار وارتفاع الأسعار، وخاصة في أسواقنا التي تعتبر من الأسواق المفتوحة التي تخضع للعرض والطلب، حيث أصبحت فيه وزارة الاقتصاد والهيئات الحكومية غير قادرة على كبح ارتفاع الأسعار وإطفاء لهيبها.

تغيير الأنماط الاستهلاكية

وأوضح محمد سالم المشرخ عضو مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة الشارقة أن بعض المستهلكين يشجعون التجار على استغلالهم ورفع أسعار المواد الاستهلاكية المختلفة التي يبيعونها.

وذلك بسبب استمرار استهلاك السلع بذات الكميات التي اعتادوا على شرائها قبل رفع أسعارها، مشددا على ضرورة تغيير الأنماط الاستهلاكية الخاطئة المنتشرة بين عدد من المستهلكين والذين لا يتركون انطباعا بوجود تذمر عندهم بسبب ارتفاع أسعار سلعة معينة من خلال نمط استهلاكه الذي لا يتغير مع ارتفاع الأسعار.

وأضاف المشرخ أن مقاطعة السلع والمتاجر التي ترفع أسعارها دون مبرر، ستؤدي بالتأكيد إلى ثني التجار والموردين والمتاجر عن رفع الأسعار.

مشيرا إلى ضرورة لجوء المستهلكين إلى هذه الخطوة الهامة، وزيادة التفاعل معها، لأنها خطوة أثبتت جدواها في كثير من الدول، ولعل المقاطعة الشعبية المشهورة في مصر للحوم في منتصف السبعينات لأقرب مثال على أهمية هذه الخطوة الهامة في ثني التجار عن استمرار رفع الأسعار، حيث قرر التجار عقب استمرار المقاطعة الشعبية لها، تخفيض أسعار اللحوم وإعادتها كما كانت دون أية زيادة.

وقال عبدالحميد الكميتي رئيس اللجنة القانونية بجمعية الإمارات لحماية المستهلك انه في ظل ما تشهده أسواق الدولة من ارتفاع غير مسبوق والتي تقف فيه وزارة الاقتصاد عاجزة عن كبح جماح ارتفاع الأسعار، فان التحرك الشعبي وتغيير ثقافة الاستهلاك، يمكن أن تثني التجار والأسواق المختلفة من استمرار التلاعب في السوق، مشددا على ضرورة بدء كافة الأسر بوضع ميزانيات خاصة بحسب دخولهم، والإعلان عن المتاجر والسلع التي ترتفع أسعارها في الصحف المحلية، وتغيير طريقة الشراء، من خلال التركيز على السلع والاحتياجات الرئيسة.

وبين الكميتي أن هناك 4 طرق يمكن أن يلجأ إليها المستهلكون للحد من ارتفاع الأسعار أولها: ترشيد الاستهلاك وإعادة جدولة الأولويات، وإعداد ميزانيات خاصة والاستفادة من الدورات المختلفة في هذا المجال، التنسيق بين المستهلكين في عملية الشراء الجماعي بسعر الجملة إضافة إلى تبادل المعلومات بين المستهلكين حول أسعار السلع في المتاجر المختلفة، لاختيار الأسواق الرخيصة نسبيا.

مناهج لرفع الوعي

ودعا الدكتور محمد الرميثي أستاذ الاقتصاد في جامعة الإمارات إلى رفع الوعي الاستهلاكي لدى المجتمعات، مشددا على أن ذلك لن يتأتى إلا عبر إدراج مادة الاقتصاد في المناهج والتركيز من خلالها على الميزانيات الشخصية إذ تفتقد كتب الاقتصاد التي تدرس حاليا في المدارس لهذه الجزئية الهامة ولا تركز عليها البتة،.

مشيرا إلى أن نقص الوعي الاستهلاكي والاستثماري مشكلة تستدعي الوقوف عندها لان تبعاتها السلبية كثيرة ومتشعبة وليس أدل على ذلك أكثر من اتساع دائرة الاقتراض من البنوك وما يتبعها من مشاكل تصل في غالبيتها إلى أروقة المحاكم، مضيفا أن على الأسر أن تضع ميزانية مكتوبة تنظم على أثرها أولوياتها في الشراء بسبب العشوائية التي يتبعها الغالبية عند شراء حاجياتهم.

فالعادات الشرائية تميل لأن تكون ثابتة مهما كانت خاطئة، وغالباً ما يقوم استهلاك الفرد على أساس عشوائي مرتجل لا على أساس رشيد، إذ هو يستند على عادات شرائية غالباً ما تكون خاطئة، ويستمر الفرد في أدائها.

من جانبه حمل الدكتور أشرف محمد دوابة أستاذ العلوم المالية والإدارية في جامعة الشارقة ثورة الاتصالات والمعلومات والتدفق الإعلامي مسؤولية تحول الثقافات إلى أسلوب حياة يدفع الأفراد إلى الهرولة وراء الاستهلاك بحيث أصبحت العولمة الاستهلاكية التي تخاطب وتدغدغ غريزة المستهلكين من أهم سمات الواقع المعاصر، مشيرا إلى أن ذلك انعكس بشكل مباشر على الأسرة فأصبحت ثقافة الاستهلاك مظهرا من مظاهر الحياة اليومية بديلا عن ثقافة الادخار ومن ثم الإنتاج والإبداع.

وقال إن تلك الإشكالية تعتبر من اخطر التحديات التي تواجه الدولة ودول الخليج قاطبة ليس لتأثيرها الاقتصادي فحسب بل لتأثيرها الاجتماعي والسياسي، مشيرا إلى ضرورة وجود ثقافة استهلاكية إسلامية.

عادات استهلاكية سيئة

ويتحدث الدكتور عبد المجيد الضبع أستاذ إدارة الأعمال عن ظاهرة المجتمع الاستهلاكي التي تنتشر في بلادنا العربية فيقول في ورقة عمل قدمت لمنتدى ناشئة الشارقة الخامس إن المجتمع الاستهلاكي هو مجتمع يسوده المال من ناحيتين الأولى حيث يلهث المرء وراء الكسب ليتمكن من استهلاك أوفر ورفاهية أفضل.

ومن حيث إن حركة الاستهلاك موجهة بالفعل ومخطط لها بشكل مدروس ومبرمج. وفي هذا المجتمع تنتشر ظاهرة الشراء التلقائي، ويقصد بها شراء سلع لم تكن في ذهن المشتري قبل دخول المتجر، وهناك ظاهرة حمى الشراء أو النهم الاستهلاكي،لأن الإدمان على الشراء لا يقل خطراً ودماراً نفسياً عن خطر الإدمان على الكحول أو المخدرات، وهناك أيضا ظاهرة الاستهلاك الترفي، وهو الإنفاق على سلع كمالية وفي مناسبات غير ضرورية.

عوامل نفسية

عوامل نفسية متعددة وراء هوس الشراء الذي يجتاح أوساط الناس لاسيما الشباب، هذا ما أكده أستاذ علم النفس دكتور لؤي العطار مشيرا إلى أن بعض الناس يسارعون إلى شراء المزيد من السلع والكماليات من دون مبرر ومن غير احتياج حقيقي، مرجعا السبب في ذلك إلى الشعور بالنقص لدى البعض، والذين يحاولون تعويض فراغهم النفسي أو العاطفي بالشراء واقتناء الأشياء.

وأردف قائلا في ذات الورقة التي حملت عنوان «ثقافة الاستهلاك»، حب المظاهر والمباهاة والافتخار صفات تلازم الكثير من الناس في مجتمعاتنا بسبب عدم الإحساس بالمسؤولية الحقيقية وعدم الوعي الكامل بأهمية التوفير، إضافة إلى أن الرغبة في تقليد الآخرين ومحاولة الظهور في صورة مزيفة تخالف الواقع.

وأضاف البعض يقلد الأثرياء ويرغب في امتلاك سيارة فارهة وملابس ثمينة بما لا يتناسب مع واقع ظروفه وأحواله، ما يستلزم علاجا نفسيا وملء الخواء الروحي بكثافة حقيقية ووعي زائد ورؤية صائبة كقضايا الحياة، ومشكلاتها وأمورها.

مشددا على أن الاستهلاك الترفي يعد مرضاً اقتصادياً اجتماعياً بسبب غياب الضابط الاجتماعي في عملية الاستهلاك الترفي، فالكثير من الإمكانات التي لا يستفاد منها بشكل صحيح، بإمكانها أن تشارك في عملية التكافل الاجتماعي. من توجيه الثروات إلى عمليات الإنتاج في إطار مؤسسات وجمعيات ترجع بالنفع على الجميع.

تحقيق: نورا الأمير وفراس العويسي