EMTC

رواده يطالبون بالتمسك به للحفاظ على التراث الشعبي ودوره الاقتصادي

سوق العين القديم ذاكرة مدينة التاريخ والأصالة

تعتبر الأسواق الشعبية على مختلف أشكالها وعاء ثقافيا وترثيا ثقافيا ووطنيا وشعبيا للمدن وباتت الدول توليها اهتماما خاصا عبر دورها الاقتصادي والاجتماعي وكثير من تلك الأسواق تحولت إلى معالم تراثية وحضارية وصناعة سياحية تدر موارد مالية كبيرة عبر نشاطها الذي تقوم به وتستقطب نوعيات اجتماعية مختلفة لاسيما السياح من خارج الدولة.

وها هو سوق العين القديم الذي يعود تاريخه إلى أكثر من نصف قرن بات شاهدا على تاريخ وعراقة تلك المدينة يحكي فيها الأجداد قصص الزمن الجميل والتاريخ المجيد للأبناء والأحفاد.

موقع تاريخي

سوق العين الذي احتل موقعا وسط واحات النخيل ويمتد إلى القرب من قلعة المربعة ويتكئ على مداخل متحفها الوطني بات واحدا من رموز المدينة التراثية تسمع فيه القصص والحكايات من رواده الشواب وتشم منه عبق الماضي الذي يعكر صفوه سوق السمك الذي زاحم روائح العود والبخور والزعفران والقيصوم والحرمل ومرود الكحل وخبز الرقاق وعسل السدر والريحان ومستلزمات سباقات الهجن وتربية البوش والركاب.

السوق الذي بني قديما من سعف النخيل منذ أكثر من 70 عاما مر عبر مراحل تطور متعددة وأدخلت عليه تحسينات كثيرة نظمتها بلدية العين من خلال توزيع المحلات والمساحات الداخلية وقامت مؤخرا بترحيل باعة الخضراوات إلى سوق الزعفرانة الجديد إلا أن عددا كبيرا من رواد السوق القدامى وأصحاب المحلات والبسطات يرفضون الانتقال إلى السوق الجديد من منطلق أنهم يرتبطون بالسوق القديم بعلاقة ودية حميمية منذ عشرات السنين وهو ملتقى الأصدقاء والأوفياء من أبناء المدينة الذين يجدون فيه ما يحتاجون وما يشتهون وبأسعار رخيصة وتنافسية مع أصحاب المحلات التجارية ذات الواجهات الزجاجية .

خير وبركة

البعض يؤكد ان السوق القديم فيه بركة أكثر وتسوده العلاقة الودية بين البائعين والزبائن بعيدا عن منافسة الأسعار ومكاسرتها وفرضها على الزبون الذي يأتي بعضهم خصيصا للبحث عن الأشياء التي يريدها وبأسعار زهيدة دون خضوعها لتسعيرة البلدية أو التدخلات الرسمية مما يطرح فيها الخير والبركة كما يعتقدون لذلك يطالب هؤلاء الباعة.

وكذلك رواد السوق من أبناء المدينة بضرورة الحفاظ على السوق بشكله التقليدي وتنظيمه بشكل يؤدي الغرض منه تجاريا واقتصاديا وتراثيا لاسيما وأن السوق هو حاضنة التراث والقصص والحكايات ووقوعه وسط واحات المدينة وقربه من متحف العين الوطني ما يعزز دوره ومكانته للترويج السياحي وأحد مظاهر التطور الاجتماعي والحفاظ على عبق التاريخ والهوية الوطنية للأسواق الوطنية المحلية.

سنوات العمر

على مدخل السوق احتلت أم موسى موقعا استراتيجيا تتقدم مجموعة من البائعات وقد فرشت بضاعتها تدلل عليها وقد اعتلاها خبز الرقاق وبعض الأعشاب البرية من جعدة وحرمل وحنة وريحان.

تقول أم موسى التي مضى على وجودها في نفس المكان أكثر من 30 عاما إنها تأتي ببضاعتها من جبال ملاقط تبيعها بأسعار لا تتجاوز الخمس روبيات وتجلس من الصباح الباكر وحتى موعد آذان الظهر وإلى جانبها تجلس أم عبدالله وقد أمسكت بيدها خبز الرقاق وتقول: منذ 35 سنة وهي تبيع في السوق الذي كان وحيدا في مدينة العين وكان من سعف النخيل يباع فيه النخي والسمك ونحن نسترزق من الناس الذين مازالوا يأتون للسوق القديم الذي يفضلونه عن السوق الجديد لأن فيه الخير والبركة وأسعاره رخيصة.

وتضيف صديقتها أم حمد إنها تبيع الأعشاب التي تستعمل في الطب الشعبي مثل «الحرمل، واللبان ،والدخون ، والسدر، الذي يستخدم لغسيل الجسم، وتستخدمه النساء بكثرة بعد الولادة، والزموتة، التي يصنع منها شراب لتخفيف مغص البطن»

وهناك أعشاب أخرى تستخدم للتخلص من دود البطن وكل هذه الأشياء موجودة بشكلها الطبيعي وبأسعار زهيدة ويأتي إليها الزبائن من مختلف أنحاء المدينة ومن مخلف الجنسيات.

أم عبدالرحمن التي مضى على وجودها أكثر من 52 سنة في السوق وقد أمسكت بيدها مرود الكحل لتدلل على أهمية ودور الكحل في زينة النساء ومدى حاجتهن إليه على الرغم من وجود مواد تجميل كثيرة في الأسواق.

أعشاب طبية

وتقوم أم عبد الرحمن ببيع سحنة السمك التي توضع فوق العيش وتجد إقبالا من المواطنين إضافة للحنة والحلبة والحبة الحمرة والحنة السوداء والشبة والصبر الذي يستخد لفطام الأطفال والزعتر البري وكل هذه الأشياء منظمة ومرتبة في أكياس او علب بلاستيكية او زجاجية وقد كتب عليها الأسماء وطريقة الاستعمال والتحضير ولم تدخلها أية معالجات كيميائية وتجد إقبالا من الزبائن بشكل كبير جدا لاسيما من النساء.

لذلك تؤكد أم عبد الرحمن على أهمية المحافظة على السوق لاسيما وإنه يعتبر جزءا من تاريخ مدينة العين وهو السوق الشعبي الوحيد في المدينة

ملتقى الأحفاد والأجداد

وعلى الطرف الآخر وقف راشد سالم الذي مضى على وجوده في السوق أكثر من 40 سنة يبيع الخضروات الخالية من المواد الكيماوية والأسمدة العضوية والتي يأتي بها من المزرعة مباشرة أما حسن البحراني فقد مضى على وجوده في السوق أكثر من 30 سنة حيث عمل في وظائف كثيرة فهو ممرض سابق لمدة 26 سنة في قسم الصحة وبعد التقاعد احتل مكانا في مدخل السوق القديم ويقوم بعملية البيع بالجملة.

ويقول كان السوق الذي قد بنى فيه مسجد عبد الله هلال من الطين مغطى بسعف النخيل يباع فيه السمك والنخي وقد تطور وبات الناس يرتادونه بشكل يومي وهو واحد من المواقع التراثية في العين يجب الحفاظ عليه وقد فضل البقاء به على الانتقال إلى سوق الزعفرانة نظرا للبركة الموجودة فيه مشيرا إلى أن السوق بات ملتقى الأحفاد والأجداد والأصدقاء الأوفياء ويرتاده السياح وأبناء المدينة الباحثون عن بضاعتهم وحاجتهم بأسعار رخيصة.

وأمام بسطته وقد تجمع حوله عدد من الأصدقاء يجلس الشيبة صبه بن راشد الذي رفض البوح عن اسمه معتقدا أننا من موظفي البلدية نريد مخالفته أو ترحيله من مكانه الذي تمسك به منذ 50 عاما حيث يبلغ عمره الآن 70 سنة يبيع الخضروات التي يأتي بها من المزرعة ويعتبر السوق بالنسبة له بيته الثاني وهو مصدر رزقه الوحيد ومكان التقاء الأصدقاء الأوفياء من الشواب ولا يخلو الأمر من مداعبات وتذكر للقصص والحكايات التي يرويها للزبائن من الرواد عن تاريخ السوق والمدينة التي أحبها.

الحفاظ على التراث

وفي مكان آخر اختار ناصر علي من الجيل الجديد من الشباب الحفاظ على دور وهوية السوق حيث تخصص ببيع أدوات سباق الهجن وتربية الإبل حيث تجد البرنس واللحاف والمقبة والخطام واللثامة والشداد وهي واحدة من المهن القديمة والتراثية حيث أشار الشيبة عبدالله سالم العامري الى أنه يأتي للدكان منذ سنوات بعيدة حتى يوفر مستلزمات البوش والركاب حيث يعمل في هذه المهنة منذ 40 سنة.

ويبقى سوق العين حاضرا بكل تلاوين الطيف الاجتماعية تهب منه رائحة الهيل والعنبر ممزوجة بالقيصوم الحرمل يروي فيه الأجداد للأحفاد قصص الماضي وشظف العيش عندما كانوا يذهبون مشيا على الأقدام إلى أسواق أبوظبي ودبي يحملون التمر والحنطة والفحم ليعودا في اليوم التالي ومعهم مستلزمات العيش والحياة التي باتوا يتندرون عليها رغم التطور الاقتصادي الكبير .

وكما يقولون «أيام أول كانت البركة مطروحة والناس مبسوطيون يعيشون بأمن وسلام فيما أفسدت الدراهم والروبيات الحياة وبقيت لهم أمنية أن تساعدهم الجهات المعنية على البقاء في السوق القديم وجعله محطة سياحية في إطار الطفرة الاقتصادية التي تشهدها المدينة الحالمة على سفوح جبل حفيت تلوح صبح مساء للراغبين في قضاء أجمل الأوقات بين واحات النخيل وحدائقها الخضراء ومياه الأفلاج.

العين ـ داوود محمد

طباعة Email
تعليقات

تعليقات