عشر فوائد

فضل الصبر 1 ـ 2

الصبر هو حبس النفس عن الجزع، واللسان عن الشكوى، والجوارح عن لطم الخدود وشق الثياب ونحوه، وهو خُلق فاضل من أخلاق النفس، يُمتنع به من فعل ما لا يُحسن ولا يَجْمُل، وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها.

وقيل: (هو المقام على البلاء بحسن الصحة كالمقام مع العافية). ومعنى هذا أن لله على العبد عبودية في عافيته وفي بلائه، فعليه أن يحسن صحبة العافية بالشكر، وصحبة البلاء بالصبر، وسئل عنه الجنيد فقال: (هو تجرع المرارة من غير تعبس). والصبر للنفس بمنزلة الخطام والزمام، فهو الذي يقودها في سيرها إلى الجنة أو النار، فإن لم يكن للمطية خطام ولا زمام شردت في كل مذهب، فرحم الله امرأً جعل لنفسه خطاماً وزماماً فقادها بخطامها إلى طاعة الله، وصرفها بزمامها عن معاصي الله، فإن الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذابه.

وللصبر ثلاثة أنواع كما قال أهل العلم وهي: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله. ومرجع هذا أن العبد في هذه الدنيا بين ثلاثة أحوال: بين أمر يجب عليه امتثاله، وبين نهي يجب عليه اجتنابه وتركه، وبين قضاء وقدر يجب عليه الصبر فيهما، وهو لا ينفك عن هذه الثلاثة ما دام مكلفاً، وهو محتاج إلى الصبر في كل واحد منها. وهذه الثلاثة هي التي أوصى بها لقمان ابنه في قوله تعالى: «يَا بُنَي أقِمِ الصلاة وَأمُر بِالمَعرُوفِ وَانهَ عَنِ المُنكَرِ وَاصبِر عَلَى مَآ أصَابَكَ».

بالإضافة إلى أن الصبر في اللغة هو الحبس والمنع، فيكون معناه حبس النفس على طاعة الله، وحبس النفس ومنعها عن معصية الله، وحبس النفس إذا أصيبت بمصيبة عن التسخط وعن الجزع ومظاهره من شق الجيوب ولطم الخدود والدعاء بدعوى الجاهلية.

أما الصبر على الطاعات فهو صبر على الشدائد؛ لأن النفس البشرية بطبعها تنفر عن كثير من العبادات، فهي تكره الصلاة بسبب الكسل وإيثار الراحة، وتكره الزكاة بسبب الشح والبخل، وتكره الحج والجهاد للأمرين معاً، وتكره الصوم بسبب محبة الفطر وعدم الجوع، فالصبر على الطاعات صبر على الشدائد، وإليك أيها القارئ الكريم عشر فضائل للصبر:

1- أن الصابر ممتثل لما أمر الله به، قال تعالى: وَاصبِر وَمَا صَبُركَ إلا بِاللّهِ ، وقال جل وعلا: وَاصبِر لِحُكِمِ رَبِكَ . كما أن الله نهي عن ضده وهو الاستعجال، قال تعالى: فَاصبِر كَمَا صَبَرَ أُولُوا العَزمِ مِنَ الرُسُلِ وَلاَ تَستَعجِل لَهُم . وقوله جل وعلا: وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الحُوُتِ .

2- أن الصبر فيه الخير، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له) رواه مسلم.

3- أن الله يضاعف أجر الصابرين على غيرهم، ويوفيهم أجرهم بغير حساب، فكل عمل يُعرف ثوابه إلا الصبر، قال تعالى: إنَمَا يُوَفَى الصَابِرُونَ أجّرَهُم بِغَيرٍ حِسابٍ.

4- أن الله أثنى على أهل الصبر، قال تعالى: وَالصّابِرِينَ فِي البأسآء وَالضّرآء وَحِينَ البأسِ أُولَئِكَ الّذَينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ المُتَقُونَ .

5- أن الصابرين في معية الله، فهو معهم بحفظه وهدايته ونصره وفتحه، قال تعالى: إنّ الله مَعَ الصّابِرينَ . قال أبو على الدقاق: (فاز الصابرون بعز الدارين لأنهم نالوا من الله معية).

6- أن الصبر سبب لمحبة الله لهم، قال تعالى: وَاللّهُ يُحِبُ الصّابِرِينَ ، وفي هذا أعظم ترغيب للصبر على البلاء والرضا بمر القضاء.

7- أن الله جمع للصابرين أموراً ثلاثة لم يجمعها لغيرهم وهي: الصلاة منه عليهم، ورحمته لهم، وهدايته إياهم، قال تعالى: وَبَشّرِ الصّابِرينـ الّذِينَ إذا أصَابَتهُم مُصِيَبَةٌ قَالُوا إنّا للهِ وَإنّآ إلَيهِ راجِعُونَ ـ أُولئِكَ عَلَيهِم صَلَواتُ مِن رّبِهِم وَرَحمَةٌ وَأولئِكَ هُمُ المُهتَدُونَ . وقال بعض السلف وقد عُزِي على مصيبة وقعت به: (مالي لا أصبر وقد وعدني الله على الصبر ثلاث خصال، كل خصلة منها خير من الدنيا وما عليها).

8- ومنها أيضاً أن الله علق الفلاح في الدنيا والآخرة بالصبر، فقال تعالى: « يآ أيُهَا الّذِينَ ءَامَنُوا اصبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتّقُوا اللّهَ لَعَلَكُم تُفلِحُونَ » فعلق الفلاح بمجموع هذه الأمور.

9- تعليق النصر والمدد عليه وعلى التقوى، كقوله تعالى: « بَلَى إن تَصبِرُوا وَتَتَقُوا وَيَأتُوكُم مِن فَورِهِم هَذَا يُمدِدكُم بِخَمسَةٍ آلاف مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِمِين »، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (النصر مع الصبر والفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرا وإن مع العسر يسرا). رواه الخطيب في تاريخه.

10- أن الصبر من أعظم النعم والأعطيات من عند الله على العبد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر). رواه البخاري ومسلم.

عادل مباشري المرزوقي

رئيس قسم الرقابة والتوجيه

بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات