فجر النمو السكاني الذي فاق جميع التوقعات في إمارة دبي حالة من الضغط على المستشفيات الحكومية التي تم تصميمها وإنشاؤها في بداية السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، ولم تعد هذه المستشفيات التي لا يزيد تعدادها عن خمس قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من المرضى لا بل قوائم انتظار العمليات غير الطارئة تمتد في بعض الأحيان لثلاثة أو أربعة أشهر إن لم يكن أكثر.
ومما زاد الطين بله أن القطاع الطبي الخاص وتحديدا المستشفيات الخاصة التي كان يعول عليها الكثير في تحمل جزء من الأعباء التي تتحملها المستشفيات الحكومية لم ترتق إلى الطموحات والآمال، فالمستشفيات الخاصة تمارس العملية الانتقائية بمعنى أن المريض الفقير والحالات الميئوس منها (الموت السريري) تحول إلى المستشفيات الحكومية للحفاظ على سجلاتها نظيفة وخالية من الوفيات، في حين أن المريض المقتدر «الهامور» يحظى بخدمات من الدرجة الأولى في تلك المستشفيات.
ليس هذا فحسب بل إن معظم الخدمات التي تقدمها المستشفيات الخاصة تقوم أساسا على الجوانب الربحية كإجراء الفحوصات والتحاليل والخدمات العلاجية وفي حال استدعى الأمر إجراء عملية يتم تحويله للمستشفيات الحكومية تحت مبررات ليس لها أول ولا آخر ومنها عدم وجود جراحين متخصصين أو عدم وجود التقنيات المطلوبة أو عجم وجود أسرة شاغرة وما إلى ذلك.
وحول هذا الموضوع قال الدكتور عبد الله الخياط مدير مستشفى الوصل إن المستشفيات الحكومية بشكل عام خدماتها جيدة وأسعارها أقل مقارنة بنظيراتها في القطاع الخاص لذلك نرى كثيرا من الحوامل يسجلن مع بداية الحمل لدى مركز أو مستشفى خاص ولكن لحظة الولادة تنتظر لغاية حدوث الطلق وتأتي لقسم الطوارئ انطلاقا من معرفتها المسبقة بان الحالات الطارئة لا يمكن رفضها وهذه الحالات لا تقتصر فقط على إمارة دبي بل إن هناك مواطنات ومقيمات يحضرن من الإمارات الشمالية والمنطقة الشرقية للولادة في مستشفى الوصل «برستيج» لاعتباره مستشفى متخصصا بأمراض النساء والولادة وكلفته أقل من المستشفيات الخاصة.
وأضاف أن الحالات التي يتم إدخالها عن طريق الطوارئ تسبب للمستشفى وللكوادر الطبية والتمريضية لأنها حالات غير مسجلة وليس لديها ملفات في المستشفى وغير مدرجة أصلا في قائمة المتوقعات للولادة، لذلك نجد أن نسبة الإشغال في أقسام الولادة تصل أحيانا إلى 90% وفي بعض الأحيان أكثر.
وأوضح أن هذه الحالات مقدور عليها ولم نصادف لغاية الآن مشكلة حقيقية ولكن المشكلة في الولادات المبكرة التي يتم تحويلها من قبل جميع المستشفيات الخاصة في الإمارات الشمالية لمستشفى الوصل لعدم وجود أقسام لرعاية الأطفال الخدج لديها أو لتخوفها من حدوث مضاعفات للام والجنين. ويضيف بان نسبة الإشغال في قسم الأطفال الخدج يصل إلى 170%.
مشيرا إلى أن القسم يضم 32 حاضنة إلى جانب 12 حاضنة أخرى في ملحق تم استحداثه العام الماضي لاستيعاب الحالات المتزايدة من الولادات المبكرة. وقال بان هذه الحالات تحتاج إلى رعاية ومتابعة خاصة وتحتاج أيضا إلى البقاء فترة طويلة في القسم لان الطفل الخديج غالبا ما يكون غير مكتمل النمو وبالتالي يحتاج للبقاء فترة تصل في بعض الأحيان لأكثر من شهر في المستشفى قبل أن يسمح له بالخروج.
وقال الدكتور الخياط إن مستشفى الوصل افتتح في العام 1987 عندما كان التعداد السكاني لإمارة دبي أقل من نصف مليون نسمة ما بين مواطن ومقيم في حين أن تعداد السكان تضاعف خلال السنوات القليلة الماضية إلى ثلاثة أضعاف.
وبالتالي أصبح هناك ضغطا شديدا ليس على مستوى مستشفى الوصل وإنما على جميع المستشفيات الحكومية ، موضحاً أن هناك العديد من المستشفيات الخاصة في الدولة كلها تضم أقساما لأمراض النساء والولادة ولكنها ليس لديها خدمات خاصة بالأطفال الخدج مشيرا إلى أنه طالب إدارة التراخيص منذ أكثر من خمس سنوات بعدم الترخيص لأي مستشفى خاص يضم أقساما للولادة ما لم تتوفر فيه وحدة للأطفال الخدج.
ارتفاع نسبة الإشغال
الحال في مستشفى راشد ليس أحسن حالا، ونظرا لكونه قريبا من مركز الحوادث والإصابات الذي تم افتتاحه العام الماضي وتجرى فيه معظم أنواع العمليات فقد وصلت نسبة الإشغال فيه إلى 100%، والحصول على سرير فيه أصبح عملة نادرة كما قال الدكتور شوقي خوري مدير المستشفى.
وأضاف أن مركز الإصابات والحوادث يستقبل يوميا ما بين 350 إلى 400 حالة منها عشرات الحالات الناجمة عن حوادث الطرق التي يتطلب بعضها إجراء عمليات جراحية عاجلة الأمر الذي يؤدي إلى حدوث إرباك في المستشفى وضغط على الكوادر الطبية والتمريضية التي تضطر أحيانا للعمل على مدار الساعة.
وأشار الدكتور خوري إلى أن المستشفيات الخاصة تقوم بتحويل الحالات الميئوس منها والحالات التي لا تملك الإمكانيات المادية إلى مستشفى راشد تحت مبررات عديدة منها عدم وجود أجهزة في المستشفى كتلك الموجودة في مستشفى راشد أو عدم وجود الكوادر الطبية المتخصصة بإجراء مثل هذا النوع من العمليات.
الحالات الحرجة تحول لـ «الحكومية»
الحال في مستشفى دبي لا يختلف كثيرا عما هو موجود في الوصل وراشد نظرا لان المستشفى يضم العديد من التخصصات والكفاءات التي جعلت منه وجهة للمرضى ليس فقط من إمارة دبي وحدها وإنما من باقي الإمارات الشمالية كما يقول الدكتور حسين عبد الرحمن المدير الطبية للمستشفى. وأوضح أن هناك أقساما تصل فيها نسبة الإشغال إلى 100% وأكثر ومنها الباطنية والأورام والولادة والقلب والكلى في حين تصل نسبة الإشغال في الأقسام الأخرى إلى 70%.
وقال مدير مستشفى دبي: نظرا لان المستشفى يضم بعض التخصصات ذات الكلفة العلاجية العالية ومنها أمراض القلب والأورام والكلى فان معظم الحالات التي يتم إدخالها تحول من قبل المستشفيات الخاصة لأسباب قد تكون أحيانا عدم قدرة المريض على سداد فاتورة علاج المستشفى الخاص أو وصول المريض لمرحلة يصعب فيها الشفاء وبشكل عام معظم الحالات التي تتطلب عناية مركزة يتم تحويلها من المستشفيات الخاصة للمستشفيات الحكومية بمعنى أن المستشفيات الخاصة تمارس عملية الانتقائية في اختيار المرضى.
وقال بان هناك العديد من المستشفيات الخاصة التي لا تتوافر فيها بعض أنواع العمليات وكل ما تقوم به هو التشخيص والعلاج ولكن متى تطلب الأمر إجراء عملية يتم تحويل المريض للمستشفيات الحكومية والخطأ هنا يقع على الجهات التي منحت الترخيص للمستشفى، وبالتالي لا بد خلال المرحلة المقبلة تطبيق المعايير الدولية على المستشفيات الخاصة حتى تتحمل جزءا من الأعباء الواقعة على المستشفيات الحكومية، أما أن تمارس دور الانتقائية في اختيار المرضى فهذا لا يجوز.
70% نسبة إشغال البراحة
وبدوره ذكر الدكتور مصطفى الهاشمي المدير التنفيذي لمستشفى البراحة أن نسبة الإشغال في المستشفى في الأحوال العادية يتراوح ما بين 60 و70% ولكن بسبب أعمال الصيانة القائمة حاليا في المستشفى فقد انخفضت نسبة إشغال الأسرة وتم تأجيل جميع العمليات غير الطارئة لحين الانتهاء من الصيانة ويتم فقط إجراء العمليات للحالات الطارئة جدا.
وقال بان عدد الأسرة في مستشفى البراحة هو 205 سرير ويوميا يشهد قسم الولادة ما بين 5 إلى 10 ولادات، مؤكدا قول زملائه الآخرين بان نسبة كبيرة من حالات الولادة يتم إدخالها عن طريق الطوارئ دون وجود ملفات لها نظرا لأنها كانت قبل الولادة تراجع أما في عيادات خاصة أو حتى لم تراجع على الإطلاق وتحضر فقط للولادة في المستشفى لان أسعار الولادة تعتبر أقل من مثيلاتها في المستشفيات الخاصة.
وأوضح أن أعمال التوسعة التي يشهدها المستشفى حاليا تشمل صيدلية ومستودع للتخزين ومكتبة ولا يشتمل على زيادة عدد الغرف أو الأسرة.
مستشفى راشد يواجه ضغطاً لزيادة السكان
عدد الأسرة في مستشفى راشد الذي تم افتتاحه في بداية السبعينات من القرن الماضي هو 519 غرفة منها 75 للكسور والإصابات و120 للجراحة و11 للكسور والجراحة و85 للباطنية و8 لأمراض الجهاز الهضمي و38 للأعصاب و46 للأمراض النفسية و22 للأمراض المعدية و40 خصوصي و16 للعناية المركزة لأمراض القلب و16 للعناية المركزة و29 لجراحة العناية المركزة و13 لجراحة الأوعية الدموية والتجميل إضافة إلى 90 غرفة في مركز الحوادث والإصابات.
وكان المستشفى لغاية وقت قريب يلبي كافة الاحتياجات أما الآن ومع زيادة تعداد السكان وافتتاح قسم الحوادث والإصابات فقد زاد الضغط على المستشفى بسبب تدفق أعداد كبيرة من الإمارات الأخرى على المستشفى.
وبالتالي نضطر في كثير من الأحيان إلى تحويل بعض الحالات للمستشفيات الحكومية الأخرى مثل مستشفى دبي والبراحة وأحيانا نضطر لتأجيل بعض العمليات إلى مواعيد أخرى يمكن بالفعل أن تمتد لشهرين أو ثلاثة أشهر خاصة إذا كان التأخير لا يؤثر على حياة المريض.
تحقيق: عماد عبد الحميد
