يعني الحلم بالنسبة للبشر كظم الغيظ وضبط النفس عند الغضب وحملها على العفو والصفح وصرفها عن التفكير في الانتقام ممن أساء وظلم وتعدى حدود اللياقة والأدب، ومعالجة الأمور في تؤدة واتزان، ودرء السيئة بالحسنة، واحتمال المكروه في تصبر وجلد، والتماس العذر للجاهل والتبسط معه في الحديث والبشاشة في وجهه واستدراجه إلى الحق وحمله على فعل ما ينبغي أن يفعل بالحكمة والموعظة الحسنة والحوار الهادئ الهادف.

هذا هو الحلم بالنسبة للبشر في أسمى مظاهره وأرقى معاينه، وهو أحسن ما يتعامل به الناس فيما بينهم، فبه يتعارفون وبه يتحابون ويتألفون وعلى أساسه يتعاونون على كبح جماح الشر ونشر السلام في ربوع الأرض كلها.

والله الحليم جل شأنه يمهل عباده بعد إنذارهم بانتقامه منهم بسبب ذنوبهم ليتوبوا فإن تابوا قبل توبتهم وعفا عنهم وبدل سيئاتهم حسنات وإن عادوا إلى الذنب أمهلهم أيضاً فإن تابوا قبلهم وغفر لهم ولا يزال جل شأنه يمهل عباده ليتوبوا ولا يغلق باب التوبة عنهم أبداً ما داموا يخلصون له فيها: «وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى»، والغفار هو الذي يعفو ويصفح ويتجاوز عن عبده التواب، وأما العفو فمعناه: ترك العقاب، والصفح ترك العتاب، والغفر محو آثار الذنب بالكلية، «وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون».

ومن حلمه على عباده أنه هو الذي يمن عليهم بالتوبة ويوفقهم إليها، وهي نعمة من نعمه الكبرى على من عصاه وأساء الأدب معه، فأي حلم هذا وكيف نستطيع أن ندرك أبعاده وهو لا يحد بحد. ومن حلمه بعباده أنه يرزق الكافر من رحمته الواسعة وفضله العظيم وهو على ما هو عليه، فلا يقطع عنه المدد ولا يمنع عنه العطاء، «ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيراً».

وليس معنى الحلم ترك العقاب بالكلية، لأن من العدل وضع الأمور في موضعها، فالحلم لمن يستحقه والانتقام لمن لم يجد فيه الحلم، «قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مداً حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكاناً وأضعف جنداً». وقد جرت سنة الله في عباده أن يرسل إليهم المرسلين مبشرين ومنذرين فإذا عصوا الرسل ولم يظهر منهم قبول للهداية أخذهم فلم يفلتهم.

قال تعالى: «وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد». وقال جل شأنه: «فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون».

فالله عز وجل يحلم على قوم ويغضب على آخرين وفق حكمته البالغة وتقديره الدقيق لكل شيء فلا يسأل لماذا عفا عن فلان وانتقم من فلان فإن السؤال عن ذلك ذنب يعاقب العبد عليه ما لم يتب عنه، «لا يسأل عما يفعل وهم يسألون». ومن هذا البيان نستطيع أن نعرف التلازم بين حلم الله وغضبه فهو جل شأنه حليم على من يستحق أن يحلم عليه، ومنتقم من كل من يستحق الانتقام.

فإننا لو أحسنا تدبره لعرفنا أن حلم الله عز وجل قد سبق غضبه وأن عافيته قد سبقت عقابه وأنه من رحمته أن أرسل إلينا الرسل مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتب التي تهدينا سواء السبيل، والقرآن أعظمها فهو المهيمن عليها فلنستلهم منه رشدنا ولنحتكم إليه في جميع أمورنا ولنتعلم كيف يكون الحلم فإنه من الواجب علينا أن يكون لنا من الحلم نصيب فإنه من تعامل مع الناس بالحلم عامله الله بالحلم والجزاء من جنس العمل. والمؤمن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: بطيء الغضب سريع الفيء. وذلك لقوة إيمانه وصدق يقينه ورجاحة عقله.

رجاء علي