قال الشيخ:عندما أسلم أبو بكر رضي الله عنه أسلم نفسه وماله وأهله لله ورسوله وهو ميزان يجب أن نزن به إسلامنا اليوم أفراداً وجماعات، وقد قام أبو بكر بدعوة رجال من أكابر قريش ومن وجهائها وأغنيائها، وهو التاجر الغني المثقف ذو الوجاهة والجاه، كعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وغيرهما، إلا أن صوت صراخ وأنين كان يصل إلى أذني أبي بكر فلا يتركه لراحة أو نوم، صوت تأوهات العبيد والموالي ممن أسلموا مع رسول الله فسامهم سادتهم سوء العذاب.
عند الصديق مال، هو مال تجارته الذي يكثره لينفق منه، وهو لم يكن قليل العيال والنسل بل كان ذا بنين وبنات وزوجة وخدم وكان يعول والديه وما ولدا، ولكن الأمر الآن قد تغير فقد صار الهم الأول نصرة دين الله ثم تأمين الكفاف وما يعف به نفسه وعياله، أربعون ألف درهم كانت ثروة الصديق عندما أسلم بقي منها ألفان حملها معه في هجرته مع المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.
وقد قصد والده أبو قحافة بيت الصديق عندما علم بهجرته ففتحت له أسماء رضي الله عنها فقال لها: هل ترك لكم أبوكم ما يكفيكم، فقالت ترك الكثير، ثم وضعت بعض الحصى في جراب في كوة في الجدار وأمسكت بيد جدها ـ وكان أعمى ـ ووضعتها على الجراب قائلة: هذا ما تركه لنا، فقال: فبها ونعمت.
كانت الأولوية لمن يتلوى على رمال الصحراء من ألم الضرب والحرق فراح أبو بكر يساوم أسيادهم ويحررهم ويدفع أحياناً أكثر مما يجب لطمع أسيادهم فيه وهم يعلمون أنه يشتري ليعتق لله ورسوله، وكان ممن حررهم بلال بن رباح، وعامر بن فهيرة، وأم عبيس، وزنيرة والنهدية وبنتها.
لقد أطلق أحدهم على أبي بكر اسم عتيق العتقاء، وعتيق هو اسم لأبي بكر قيل أن الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم سماه به مبشراً له بأنه عتيق من النار، لقد أعتق رضي الله عنه ما استطاع أن يعتق ممن يعذبون لإسلامهم فجاءته البشرى بأنه عتيق بشهادة الرسول الكريم.
ومن عجيب عطاء الصديق رضي الله عنه أن أباه قال له يوماً: يا بني إني أراك تعتق رقاباً ضعافاً فلو أنك إذ فعلت أعتقت رجالاً جلداً يمنعوك ويقومون دونك، فقال أبو بكر: يا أبت إني إنما أريد ما أريد لله عز وجل (أبو بكر الصديق، علي الصلابي 38).
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أحببت يوماً أن أسبق أبا بكر في واحدة فتصدقت بنصف مالي ثم قصدت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فابتسم عليه الصلاة والسلام قائلاً: سبقك أبو بكر فقد تصدق بماله كله تاركاً لعياله ـ كما قال ـ الله ورسوله.
لقد وصل رضي الله عنه إلى التجارة التي تربح ولا تخسر، والتي تؤتي أضعافاً مضاعفة، والوصول هنا وصول يقين وهذا ما يجب أن نزن به أعمالنا، إنه يقين بأخبار الغيب لا ينقص شيئاً عن اليقين في الشهادة والواقع، وها هي آيات القرآن الكريم تشهد له وتزكيه وتخلده، وهل كتزكية القرآن ورضى الرحمن: «فأما من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى، فسنيسره لليسرى»، «فأنذرتكم ناراً تلظى، لا يصلها إلا الأشقى، الذي كذب وتولى، وسيجنبها الأتقى، الذي يؤتى ماله يتزكى، وما لأحد عنده من نعمة تجزى، إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى» .
وهل هناك أكثر من وعد الحق سبحانه وتعالى «ولسوف يرضى»، كم ترخص الأموال والأهل والأنفس أمام «ولسوف يرضى». وروى الترمذي عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم: ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناه إياها، ما خلا أبي بكر فإن له عندنا يدا يكافئه الله بها يوم القيامة، وما نفعني مال أحد قط ما نفعني مال أبي بكر (الترمذي 3594).
ومن عجيب ما روي عن الصديق أنه عندما وهب ماله كله لله لم يبق لنفسه ما يكفيه فارتدى الخشن وأكل القليل وتضور جوعاً وكل هذا كان قريباً من نفسه لم يتردد فيه لحظة من الزمن، إن علينا أن نزن إيماننا بميزان الصديق، وأن نزن أفعالنا بميزان الصديق، عندها فقط نتوقع الفرج والنصر والظهور والتمكين بإذن الله، أما أن ننفق من فضول فضول أموالنا ونقصر حتى فيما أوجبه الله علينا ثم ننتظر استجابة الدعاء فهو أمر فيه الكثير من العدوان، عدوان على أنفسنا قبل غيرنا.
ماهر سقا أميني