ونحن في القرن الواحد والعشرين ميلادي وما يقابله القرن الخامس عشر الهجري وما زال المسلمون يعيشون في حيرة لتحديد شهر رمضان المبارك ثم تأتي الحيرة الكبرى في تحديد يوم وقفة عرفات من خلال هلال ذي الحجة وقد وصلت مركبات الفضاء إلى سطح القمر في نقطة محدودة على بحر السكون.

وذلك في رحلة أبولو 11 حيث رائد الفضاء ارمسترونج الذي هبط في يوم 21 يوليو من 1969 وكان التنفيذ بدقة أشار الله العليم القدير في الآية 5 من سورة الرحمن «الشمس والقمر بحسبان» وكذلك في الآية 96 من سورة الأنعام «والشمس والقمر حسبانا» صدق الله العظيم. والحسبان هو الحساب الدقيق وغير القابل لأي خطأ لأن حركة الشمس والقمر من صنع الخالق الخبير العليم وبالتالي فإن القوانين الكونية التي وضعها الله القدير ثابتة إلى يوم الدين.

ولقد تميز الإسلام عن سائر الأديان بأن معجزته في كتاب الله العظيم وهو القرآن الكريم معجزة خالدة فهو صالح للتطبيق والتنفيذ في أي مجتمع وفي أي زمان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها كما أن السنة الشريفة جاءت لإيضاح بعض من الآيات الكريمة وأيضا لتنفيذ قواعد الإسلام فجاء الحديث الشريف عن الصوم ليخاطب به أعلم العلماء في الوقت نفسه الذي يخاطب به أبسط البسطاء ونص هذا الحديث الشريف «صموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غمي عليكم فأكملوا العدة ثلاثين».

صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكلمة يرى تحمل معنيين حيث المعنى الأول أن ترى بالعين البصرية وهي الإمكانيات التي كانت موجودة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن نلاحظ أن الحديث الشريف في كلمة يرى تركها مطلقة للأخذ بأسباب العلم وهو الشعار الأول للإسلام والمسلمين سواء ما جاء به القرآن الكريم برفع أولي العلم درجات أو سواء ما أشارت به الأحاديث الشريفة في ضرورة الأخذ بالعلم فكلمة يرى لها المعنى الثاني وهو يعلم باستخدام العقل.

وكما أشارت الآية الأولى في سورة الفيل «ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل» فهنا كلمة ترى بمعنى تعلم ثم لننتبه إلى سورة يونس أية 5 «هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب». وكذلك سورة الإسراء أية 12 «وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا أية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب».

صدق الله العظيم. وفي هاتين الآيتين يكون واضحا للمسلمين أن علم الحساب من العلوم الرئيسية في بيان عدد السنين سواء كانت سنين قمرية كما في الآية 5 من سورة يونس أو السنين الشمسية كما في سورة الإسراء آية 12 وبالتالي فإن الحساب واضح في كتاب الله الكريم وبنفس الثقة يتم حساب الصلوات وتقام حاليا الصلاة وهي أم العبادات على الحساب برغم أنها كانت تقام بالرؤية البصرية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.

الشهور القمرية والعربية

ويجب أن يتنبه أهل الحساب أنه يوجد فرق جوهري بين حساب الشهور القمرية وحساب الشهور العربية، فبرغم أن كليهما يعتمد على حركة القمر في دورته الشهرية حول كوكب الأرض، إلا أنه قد يفرق يوم كامل عند حساب كليهما، ويرجع ذلك إلى أن طريقة حساب الشهر القمري تعتمد على مولد هلال الشهر الجديد قبل منتصف الليل، فيكون بداية الشهر القمري في اليوم التالي لمولده، وذلك مع عدم الأخذ في الاعتبار شروط الرؤية البصرية.

أما الشهر العربي فبعد حساب مولد الهلال الجديد، يجب توفر شرطان لتتم الرؤية البصرية، الشرط الأول في ذلك أن يكون غروب القمر تالياً لغروب الشمس بقيمة لا تقل عن 15 دقيقة، أو بمعنى آخر أن يكون ذلك الرصد في وقت الشفق المدني حتى تكون قوة إضاءة الشمس قد ضعفت وبالتالي يمكن رؤية الهلال الوليد التي تكون إضاءته أضعف من أي نجم.

أما الشرط الثاني فهو أن يكون عمر القمر لحظة غروبه بقيمة تزيد على 12 ساعة حتى يكون الجزء المضيء من الهلال الوليد كافيا لرؤيته، وهذا الشرط قد يلغى، ولكن بشرط أن يأتي الحساب بأنه قد ولد قبل غروب الشمس.

ويرجع ذلك إلى أن الله سبحانه وتعالى قد يعطي بعض أوليائه الصالحين حدة البصر. أما إذا جاءت الشهادة برغم عدم مولد الهلال، فتعتبر شهادة شاهد العدل وهم أو سراب، لأنه الأصل في الرؤية البصرية أن يكون قد ولد القمر بسقوطه بين الخط الواصل بين مركز الشمس ومركز الأرض، وهذا ما يعرفه أهل الحساب بكل دقة.

ويجب الانتباه إلى أنه إذا حدث كسوف للشمس بأنواعه الثلاثة (كلي، حلقي، جزئي)، فالمعنى العلمي لهذه الظاهرة هو مولد الهلال الوليد. وفي هذه الحالة تتطابق الشهور العربية مع الشهور القمرية دون أي خلاف أو اختلاف في الحساب بين النظامين.

ويقوم أهل الحساب بتقديم مساعدات علمية أخرى، وهو اتجاه غروب القمر واتجاه غروب الشمس ويكون ذلك إمكانية توجيه الرؤية البصرية بوقوع غروب القمر يمين أو يسار الشمس الغاربة، كما يمكن تحديد زاوية الارتفاع بين القمر والشمس لحظة الغروب وهذا يحقق تسهيل متابعة الرؤية البصرية.

كما يمكن تحديد فتحة الهلال لجهة اليمين أو اليسار أو الأعلى أو الأسفل وبالتالي يقدم أهل الحساب الخدمات العلمية التي تساعد شاهد العدل في أن يكون شاهداً وعادلاً فيما شهد به ويجب أن نعلم بأن حسابات العلماء من أهل الحساب للشهور العربية هي حسابات دقيقة وصحيحة لأنهم يستمدون العلم من الله العليم الحسيب الرقيب.

تأهيل شاهد العدل

اشتقت كلمة الشهادة من المشاهدة وهي المعاينة لأن الشاهد يخبر عما شاهده وعاينه ومعناه الاخبار عما علمه بلفظ أشهد ويعتبر الشاهد حامل الشهادة ومؤديها لأنه شاهد ما غاب عن غيره ويجب توافر شروط لطالب الشهادة بالعدل التام في اهلة الشهور العربية، حيث تنقسم هذه الشروط إلى ثلاثة أقسام يكون القسم الأول فيها هو الشروط الشرعية وتشمل:

ـ لم يسبق إدانته في قضايا مخلة بالشرف والأمانة.

ـ أن يكون بالغ الرشد والعقل فلا تقبل شهادة الصغير ولا المجنون ولا المعتوه.

أما القسم الثاني من الشروط الواجب توافرها في شاهد العدل فهي الشروط الصحية:

1ـ ألا يكون مريضاً بالأمراض النفسية أو العصبية (الوهم ـ ازدواج الشخصية ـ التردد).

2ـ ألا يكون مريضا بأمراض عضوية تؤثر على حاسة البصر (السكري وضغط العين).

3ـ أن يكون مستوى حاسة البصر مقبولا، بحيث تكون رؤيته للأفق رؤية واضحة دون اهتزاز.

أما القسم الثالث من الشروط فهي العلمية التي تم وضعها حديثاً، نظراً لأن غلالة ثاني أكسيد الكربون التي تحيط بكوكب الأرض أصبحت تحد من الرؤية البصرية التي تعتمد عليها الشهور العربية، فلابد أن يكون لشاهد العدل القدرة على التفريق بين سحابة تكون قد تشكلت على شكل هلال.

وذلك بأن يكون شاهد العدل على مستوى علمي محدود في علوم الفلك، وهذا ما قام به نادي الإمارات العلمي في دبي، حيث خصص دورة في علوم الفلك وشاهد العدل، وبالتالي ولأول مرة في الدول الإسلامية يكون بها خريجون من شهود العدل أكفاء بالعلم والإيمان لخدمة المسلمين.

ولقد أصدر مجلس مجمع الفقه الإسلامي في قضية توحيد بدايات الشهور العربية قرارين، الأول فيها هو حكم إثبات الشهور العربية بالحساب الفلكي، وفي ذلك تقرر وجوب الاعتماد على الرؤية البصرية والاستعانة بالحساب الفلكي والمراصد، مراعاة للأحاديث النبوية ثم الحقائق العلمية، أما القرار الثاني فهو أنه إذا ثبتت الرؤية في بلد وجب على المسلمين الالتزام بها ولا عبرة باختلاف المطالع.

قاسم لاشين