كانت معروفة بين زميلاتها في الجامعة بأنها مرحة وتحب الحفلات والملابس الغالية والعطور الباريسية، والسيارات الفارهة لذا عندما تخرجت وبدأ الخطّاب يتقدمون لطلب يدها كان شرطها في العريس أن يكون غنياً وذلك كي يوفر لها كل ما تريد.

وأخيرا تحقق لها ما تريد فقد تزوجت من رجل غني استطاع بثروته أن يوفر لها كل ما تريد، وبذلك تمكن من أن يأسر قلبها. أنجبت (س) من ذاك الرجل طفلاً أسمته (ن) وكانت العائلة تعيش في جو من السعادة حتى جاء ذاك اليوم المشؤوم.

البورصة

كان الرجل راضياً بتجارته لكن زوجته (س) بدأت تدفعه نحو الأسهم حيث كان الجميع يحققون الملايين من وراء هذه التجارة، ورغم أن الرجل لا يجيد هذا النوع من التجارة ولا يعرف كيف تدار الأسهم إلا أنه اضطر لدخول هذا المجال إكراما لزوجته، استطاع الرجل في البداية أن يحقق بعض الأرباح ما شجعه على الاستمرار، لكن هذا لم يستمر طويلا فقد خسر في احدى الصفقات أكثر من نصف ثروته وعندما حاول تعويض خسارته ضاع منه كل شيء.

أحس الرجل بأن الأرض باتت تميل تحت قدميه لذا لم يستمر طويلاً فقد أصيب بنوبة من الجنون استمرت نحو ثلاثة أيام مات بعدها الرجل دون ان يترك لزوجته وابنه شيئاً. شعرت (س) بالضياع نتيجة لذلك فقد كانت تطمع بثروة كبيرة، من هنا بدأت تبحث عن رجل آخر يكون غنياً ليلبي لها رغباتها، لم يطل انتظارها كثيراً حيث تعرفت على رجل تدل كل مظاهر الحياة على أنه من الأثرياء، لذا لم تتردد (س) كثيراً في القبول به زوجاً.

رغم أن والدها وإخوتها نصحوها بعدم الزواج منه بسبب سمعته السيئة، لكن (س) لم تعبأ بذلك فقد كان هدفها المال؛ والمال فقط. عندما تزوجت (س) من زوجها الثاني تركت ابنه عند والدتها. كان (ن) في ذلك الوقت صغيراً لا يزيد عمره على أربع سنوات، كان (ن) في حاجة ماسة إلى حنان أمه بعد موت والده، ورغم انه كان يعيش في كنف جدته لأمه إلا أنه كان يعاني الكثير من العذاب النفسي.

كانت (س) بخيلة في السؤال عن ابنها حتى عندما كان ابنها يسأل عنها بالهاتف، لم تكن تعطيه الكثير من الوقت، فقد كان كل ما تريده هو ألا ينغص عليها أحد حياتها الجديدة، خاصة وأن زوجها الثاني كان غنياً جداً وكان يغدق عليها من الأموال بالشيء الكثير.

كشف المستور

كانت (س) تذهب مع زوجها إلى الشركة العقارية التي كان يديرها، لكنها لاحظت أن الشركة لا تعمل كثيراً وأن الأموال التي في يد زوجها ورصيده لا يمكن أن تكون من الشركة، لذا طلبت منه أن يعطيها تفسيراً لكل هذه الأموال التي يمتلكها وما هو مصدرها.

بعد أخذ ورد ومساومة من الزوجة وتسويف من الزوج اضطر الرجل أن يخبر زوجته بالحقيقة، فقد قال لها ان الشركة هي مجرد واجهة لنشاطه غير القانوني، حيث أنه يتاجر بالمخدرات.

لم تنزعج (س) كثيراً من هذا الكلام، مادام زوجها يعطيها الأموال لشراء ما تريده، ولقضاء أشهر الصيف كلها في لندن وفي مدينة هانوفر الألمانية. كبر (ن) ودخل المدرسة وأنهى عامه الأول دون أن تراه أمه لأكثر من مرتين أو ثلاث فقط، في أحد الأيام أحس (ن) برغبة في لقاء والدته ليقول لها كل ما يلاقيه من عذاب نفسي، حاول الاتصال بها وطلب أن يذهب ليعيش معها، فهو قد سئم الحياة بدونها، ذهبت (س) إلى بيت والدتها وأخذت ابنها إلى أكبر المحلات التجارية وابتاعت له الهدايا والملابس الكثيرة ثم أعادته إلى بيت أمها.

استوقف (ن) أمه طالباً وراجياً وباكياً كي تأخذه عندها، لكنها قالت له إن الظروف غير مواتية لذلك وأن من مصلحته أن يبقى في بيت جدته. كان في بيت الجدة الكثير من الخدم والخادمات، لذا وجد (ن) نفسه مضطراً لأن يستبدل حنان أمه وعطفها بحنان إحدى الخادمات اللواتي كن في بيت جدته.

أطبق (ن) حزنه في قلبه ومما كان يزيد من ألمه وحزنه أن أمه لم تكن تحضر معه إلى المدرسة، وعندما كان يأتي يوم «أولياء الأمور» الذي كان يحضر فيه كل أولياء الأمور لمعرفة نتيجة أولادهم وليناقشوا أمور أولادهم مع المدرسين كانت إحدى الخادمات تأتي مع (ن) أما أمه فلم تكن تعير هذا الأمر شيئاً حتى أنها باتت لا تعرف في أي صف من الصفوف وصل ابنها.

بدأت حياة (ن) تسير على هذا المنوال، فقد تعود بأن لا يكون له أب أو أم، حتى الأموال التي كانت أمه ترسلها له، بات لا يريدها لأن الخادمة (شاندرا) لم تبخل عليه بأي شيء، فهي تعامله كابنها الذي تركته في إحدى قرى سريلانكا النائية، وكأن الله أراد أن يعوضه عن حنان أمه بحنان تلك الخادمة.

الأرملة وحب المال

بدأت (س) تشارك زوجها في تجارته المحرمة وكانت بحكم علاقاتها كسيدة توصل المخدرات إلى الكثير من الزبائن دون أن يشك بها أحد، بل انها ذهبت لأكثر من ذلك فقد كانت تستقبل بعض التجار في الشركة وتأخذ منهم المخدرات ثم تقوم بتوزيعها.

أحست الأجهزة الأمنية بأن في منطقة (...) زادت المخدرات بشكل كبير تم تكثيف التحريات، وأخيراً وقع زوج (س) في شر أعماله بعد أن مات أحد المتعاطين بسبب جرعة كوكايين زائدة لكنه قبل أن يموت أخبر عن الشخص الذي يزوده بالمخدرات ومن خلال ذاك الشخص تم الوصول إلى زوج (س) واعتقاله.

بعد اعتقال زوجها أصبحت (س) هي كل شيء في المنطقة لكنها كانت أكثر حذراً من زوجها لذا لم تعد تبيع إلا الأشخاص المعروفين جيداً لها.

كان كل ما تخشاه (س) هو أن يأخذ أحد المتعاطين جرعة زائدة ويغمى عليه أو يموت وهذا سيعرضها للمتاعب لذا استمتعت إلى أحد تجار السموم حيث أخبرها بأنه عليها أن توزع مع جرعة الكوكايين أو الهيروين ثلاث حبات من الليمون فهذا يجعل الشخص المتعاطي أكثر قدرة على المقاومة في حالة أخذه لجرعة زائدة، فأكله لليمون وشمه له تجعل مقاومته لتأثير الجرعة الزائدة أمراً ممكناً.

في فجر أحد الأيام وجدت ممرضة وهي في طريقها إلى المستشفى شاباً لم يتجاوز العشرين من عمره ملقياً على الأرض بالقرب من بوابة المستشفى، حاولت الممرضة مساعدته لكنها وجدت جسمه بارداً ولون بشرته أزرق يميل إلى السمرة فتأكدت من موته.

جاءت الشرطة وتم نقل الشاب إلى المختبر الجنائي حيث تبين أنه مات بسبب جرعة زائدة من الكوكايين، عند تفتيش الشاب وجد معه (15) غراماً من الكوكايين إضافة إلى ثلاث ليمونات.

أثار موت الشاب موجة من الاستياء لدى الناس، لكن الذين كانوا أكثر غضباً واستياءً هم رجال الأمن، فهم يدركون أن شباباً آخرين قد يقعون فريسة لتجار المخدرات إن لم يجدوا الرأس المدبر.

لم يمض أكثر من أسبوع حتى تقدم رجل ببلاغ إلى الشرطة يفيد بأنه وجد ابنه ميتاً في سيارته داخل المزرعة التي يمتلكها. انتقلت الأجهزة الأمنية إلى المزرعة حيث تبين أن سبب الوفاة جرعة زائدة من الكوكايين وعند تفتيش جيوب الشاب وجد معه ثلاث حبات من الليمون.

وضع ضابط الشرطة خطة جديدة لمعرفة مصدر المخدرات والإسراع في ذلك بأي ثمن، فيما طلب عدد من المخبرين تتبع بائعي الليمون، خاصة وان الليمون الذي وجد مع الشابين هو من النوع الأخضر ذي الشكل الكروي، وهو صغير نوعاً ما، أي أنه يختلف عن الليمون الأصفر.

من هنا تمت مراقبة جميع بائعي الليمون خاصة الليمون المشار إليه، خاصة وانه من السهل معرفة التجار الذين يتداولونه لأن مصدره دولة مجاورة، فهذا النوع من الليمون لا ينبت بكثرة إلا في تلك الدولة.

بدأت مراقبة الليمون منذ دخوله من خلال المعبر الحدودي وحتى دخوله إلى السوق وتمت مراقبة الأشخاص الذين يبيعون ويشترون، استمرت المراقبة لأكثر من أسبوع لكن شيئاً غير عادي لم يظهر، فالكثير من الأشخاص لا يشترون الا درزنا أو درزنين من الليمون، وهذا أمر طبيعي، لكن الضابط المسؤول عن العملية أمر الجميع بمتابعة المراقبة حتى تصدر لهم أوامر أخرى.

في عصر ذلك اليوم جاء أحد الأشخاص وقام بشراء كمية من الليمون كانت لدى سيدتين في سوق السمك، كانت الكمية كبيرة فأخذها الرجل على عجل ودفع الفلوس دون ان يناقش في السعر وكأنه على عجل من أمره.

تم تتبع الشخص من خلال سيارته، وكانت المفاجأة انه يعمل في الشركة التي تديرها (س)، علم الضابط بكل هذه الأمور من خلال شبكة المراقبة حيث وضع الشخص تحت المراقبة طوال الأربع والعشرين ساعة، في ساعة متأخرة من الليل بدأ الرجل يستعد للسفر تحت مراقبته في كل تحركاته حتى وصل إلى وجهته وهي مدينة على البحر تبعد عن المدينة التي اشترت منها الليمون بنحو 130 كيلومتراً.

في ساعات الفجر الأولى توجه الرجل إلى الميناء حيث جاء معه ثلاثة رجال آخرين، بدأ الرجال الأربعة في إفراغ محتويات الزورق والتي كانت عبارة عن أكياس من البصل، بعد أن انهوا عملهم داهمتهم فرقة من الشرطة حيث استدلت خلال فترة قصيرة على الأكياس التي تحتوي على المخدرات فلم تستطع رائحة البصل ان تعطل حاسة الشم القوية لدى الكلاب البوليسية التي كانت ترافق رجال الشرطة، تم اقتياد الرجال إلى التحقيق.

حيث اعترفوا بأنهم يعملون لدى (س)، بعد اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة تمت مداهمة الشركة التي تديرها (س) وكذلك بيتها حيث أفاد الرجال الذين تم القبض عليهم بأنها تخفي المخدرات في بيتها وفي الشركة، وأثناء التفتيش بمساعدة الكلاب البوليسية المتخصصة في شم المخدرات وجد في بيت (س) (1030) حبة مخدر من نوع (Stimulation).

اضافة إلى كيلوغرامين من الهيروين وثلاثة كيلوغرامات ونصف من الكوكايين، أخذت (س) إلى السجن حيث اعترفت في أثناء التحقيق معها بأنها كانت تدير وكراً للمخدرات كان في الاصل لزوجها وإنها هي التي كانت تعطي الشباب الليمون مع المخدرات وذلك كي لا يقعوا في الشوارع وينكشف أمرها، حيث ان الليمون يساعد جهازهم المناعي على المقاومة.

الحكم

رغم المرافعات الطويلة التي قدمها محامي (س) في محاولة بائسة لتبرير موقفها إلا ان قرار المحكمة كان عادلا حيث صدر ضدها حكم بالسجن لمدة (25) عاماً مع الإبعاد إلى بلادها بعد انقضاء المدة.

أما (ن) فقد أخذه عمه وضمه إلى أسرته وأدخله جامعة مرموقة حيث أصبح في السنة الثانية في كلية الهندسة قسم كمبيوتر، حاول عمه أن ينسيه الماضي وأن يعوضه عما فاته من حرمان، فقد كان عمه يعمل قنصلاً في دولة أوروبية عندما كان (ن) صغيراً ولكن بعد أن تقاعد من العمل واستقر في بلاده وجد بأنه من الضروري أن يكون (ن) معه وفي بيته.

في أحد الأيام تلقى محامي (س) مكالمة من السجن كانت (س) تريد لقاءه بسرعة وبأية طريقة، عندما جاء المحامي طلبت منه (س) أن يحضر لها ابنها لتراه، تفاجأ المحامي بهذا الطلب فرغم أنه يعمل معها منذ أكثر من خمس سنين إلا أنها لم تذكر له في يوم من الأيام بأن لها ابناً.

بعد البحث والتقصي تمكن المحامي من الوصول إلى (ن) ورغم أن (ن) كان لا يرغب في أن يذهب (ن) لزيارة أمه إلا أنه ترك له الخيار. حاول المحامي إقناع (ن) بالذهاب لزيارة والدته إلا أنه رفض بشدة قائلاً انه يتيم الأب والأم وان أمه ماتت في اليوم الذي تركته ليتربى في أحضان (شاندرا) الخادمة.

ذهب المحامي إلى السجن لإبلاغ (س) بما قاله ابنها. هنا بدأت تصرخ بأعلى صوتها وتقول أريد ابني.. أريد أن أراه وبعدها أموت». وعدها المحامي بأنه سيقنع ابنها بزيارتها في المرة المقبلة، لكن (ن) رفض زيارة أمه رغم الضغوط التي مارسها عليه المحامي.

عندما عرفت برفض ابنها لها قررت أن تراه بأي شكل حيث استغلت جلوسها على طاولة الغداء وأخذت الملعقة وغرستها في سقف حلقها.

بدأت المرأة تنزف حيث تم نقلها إلى المستشفى ومن هناك أخبرت المحامي بأنها ستنتحر إن لم يأت ابنها لزيارتها، عندما عرف ابنها بأنها في المستشفى ذهب لها.

عندما شاهدته لم تكد تعرفه وكذلك هو، فقد تغيرت ملامح كل واحد منهما، حاولت (س) أن تقترب منه لتحضنه إلى صدرها لكنه بقي جامداً في مكانه، بخطوات ضعيفة نهضت عن سريرها، اقتربت منه، ضمته إلى صدرها، كان اللقاء فاتراً.. قبلته وهي تقول له مهما قسوت عليك فأنا ماأزال أمك، بدأ يسترجع هذه الكلمة التي لم يسمعها منذ وقت طويل والذي حرم منها من دون أي ذنب.

بدأ يقارن بين أمه وشاندرا ورغم أن المقارنة في الظروف الطبيعية غير منصفة إلا أنه وجد بأن كفة شاندرا هي الأرجح، لكنه لم ينس بأن هذه السيدة المحطمة هي أمه، أخذ يدها وقبلها وقال لها سأزورك أينما تكونين، بدأت الدموع تنزل من عينيه وهو يرى الشرطي الذي يحرسها في المستشفى يقول لها عودي إلى مكانك فقد انتهت الزيارة، أطرق (ن) قليلاً إلى الأرض، شاهد دمعة من عينه تنزل على أرضية المستشفى وتكبر.. بعدد سنين عمره.

خرج صوت من داخله يقول سامحك الله يا أمي فقد سببت لي الهموم صغيراً وكبيراً.

أحمد سلطان