اختتمت أمس فعاليات مؤتمر العمل الخيري الخليجي الثالث الذي تنظمه دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي تحت رعاية سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي وزير المالية والصناعة بعرض عشرة نماذج من تجارب الجمعيات والمؤسسات الإنسانية الخليجية في الداخل والخارج.
وقد دعا الباحثون والمختصون خلال المؤتمر إلى إنشاء جمعية خيرية أو مؤسسة إنسانية تقدم الدعم للمسجونين وأسرهم، وإشراك ذوي الاحتياجات الخاصة في هذا المجال والقيام بالعمل الخيري تجاه أقرانهم المعاقين في حدود ما تسمح لهم قدراتهم وخصائص كل منهم. ومن النماذج التي تم تقديمها تجربة جمعية دار البر ومبرة الآل والأصحاب وشرطة دبي ومؤسسة الهلال الأحمر الإماراتي وتجربة تلفزيون الشارقة من خلال برنامج «ألم وأمل»، ودور اللجنة الوطنية الكويتية لرعاية السجناء والمفرج عنهم، ودور مؤسسة الشيخ عيد آل ثاني القطرية في العراق، والعمل الخيري في آسيا الوسطى ودور الجمعيات الإسلامية في تفعيل العمل الإنساني في غانا.
الاهتمام الكافي
وأشار الدكتور أبوالوفا محمد أبو الوفا أستاذ القانون الجنائي بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر إلى دور العمل الخيري في رعاية المسجونين والمفرج عنهم، موضحا أن اتجاهات بدائل السجن وإصلاح عيوبه، لم تنل اهتماماً كافياً بمساعدة أسر المسجونين المعوزين، كما أغفلت أهمية الجهود الجماعية البارزة للمؤسسات والهيئات والجمعيات في تقديم المساعدة لأسر المسجونين المعوزين، رغم أن هذا يُعد حقاً من حقوق الإنسان.
وقال إن الأحوال الأسرية للمسجونين، لم تلق الاهتمام الكافي من قِبل علماء الاجتماع، رغم وقوع أغلب هذه الأسر - من واقع البحوث والدراسات من داخل السجون- تحت ضغط الحرمان والحاجة وعدم كفاية المساعدات الحكومية في توفير الكفاية والمعيشة الكريمة لها.
مؤكدا أنه يجب تضامن أفراد المجتمع في تحقيق الاستقرار لهذه الأسر، وقال إن هذا يعود بالنفع على المجتمع، حيث يمهد ذلك السبيل للاستقرار النفسي للمسجونين، مما يمكن معه أن يعيدوا تقييم نظرتهم للمجتمع الذي استمر في رعاية أسرهم، على الرغم مما ارتكبوه من جرم في حقه، فلا يعودون إلى ارتكاب الجريمة مرة أخرى.
وقال إن أهمية العمل الخيري لمساعدة هذه الأسر تأتي من عدم وجود بديل يحقق الكفاية المعيشية لها، سواء أكان الضمان الاجتماعي الحكومي، أم الأجر الذي يحصل عليه المسجون من عمله داخل السجن، داعيا إلى إضفاء الطابع المؤسسي على العمل الخيري لمساعدة أسر المسجونين، حيث يضمن له الاستمرارية، ويحقق أهدافه كما ينبغي، وإن تغير الأشخاص، لأن المؤسسات تبقى ما بقي المجتمع.
وقال إن إضفاء الطابع المؤسسي على العمل الخيري، في شكل جمعية أو مؤسسة يجعل الدولة تتحقق من اتفاق نشاط الجمعية مع القانون وعدم مخالفته له، ويحقق حماية لأموال الجمعية، وحصولها على بعض الإعانات من الدولة.
ويلزم أن يقتصر نشاط جمعية مساعدة أسر المسجونين على هذا النشاط الاجتماعي، دون أن يمتد إلى التدخل في عمل السجون، وألا تكون قد خرجت عن نشاطها الأساسي الذي أنشئت من أجله، وأن تقدم المساعدة لأسر جميع المسجونين المعوزين، دون تمييز بينهم بسبب اتجاهاتهم السياسية، أو نوعية الجريمة المرتكبة، حيث يبعد ذلك الجمعية عن نشاطها الاجتماعي الخيري.
وأشار إلى تجربة رائدة في هذا المجال في مصر، وهي الجمعية المصرية لرعاية المسجونين وأسرهم، والتي أنشئت في عام 1954م، ولها فروع في محافظات مصر، وقال إنها تقدم المساعدات المادية والمعنوية لهذه الأسر، وإن كانت ضئيلة، بسبب قلة الموارد المالية، وضعف الإيمان لدى الأفراد بأهمية الدور الذي تقوم به لرعاية هذه الأسر.
المعيشة الكريمة
وعن موارد مثل هذه الجمعية قال: إن أهم مورد لها يُعد هو الزكاة والصدقات والتبرعات والهبات، كما يجوز دفع الزكاة لسداد ديون هذه الجمعيات، متى تم التحقق من أن هذه الديون كانت من أجل تمويل نشاطها، حتى ولو كان أعضاء مجلس إدارتها من الأغنياء، لأن الجمعية تأخذ حكم الغارمين، في قوله تعالى: «إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل، فريضة من الله، والله عليم حكيم» سورة التوبة آية 60، مؤكدا أن المسجون نفسه فإن نفقته مدة سجنه تكون من بيت المال، فيُقدم له في السجن المأكل والملبس وما لا غنى عنه لحياته، حفظاً لكرامته وإنسانيته.
ودعا مؤسسات الدولة الرسمية ومنظمات المجتمع المدني، للقيام بواجبها نحو توفير المعيشة الكريمة لهذه الأسر، وأن تشكل جمعيات خيرية تحقيقاً لهذا الغرض، وأن توفر لها الموارد المالية التي يمكنها معها أن تحقق الغرض المنشود منها، على أن تعمل هذه الجمعيات بالتنسيق مع مصلحة السجون، حتى يمكنها الحصول منها على بيانات المسجونين وأحوالهم الأسرية وظروفهم المعيشية، ومقدار ما يحصلون عليه من معاشات الضمان الاجتماعي، وغير ذلك من المعونات الحكومية، على أن تقوم هذه الجمعيات بإعطاء هذه الأسر من الأموال ما يغطي نفقاتها، والتي تعجز هذه المعونات عن تغطيتها تحقيقاً للتكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع الإسلامي.
منظور إيجابي
وقدم الدكتور السيد سعد الخميسي أستاذ مساعد الإعاقة الذهنية والتوحد بكلية الدراسات العليا في جامعة الخليج العربي بالبحرين مقترحا لتفعيل دور ذوي الاحتياجات الخاصة في العمل الخيري، مشيرا إلى أنه على الرغم من التطور الملموس الذي شهده ميدان ذوي الاحتياجات الخاصة في الفترة الأخيرة، إلا أنه مازال النظر إلى الفرد من ذوي الاحتياجات الخاصة على أنه شخص يستحق العطف والشفقة، حتى أن جميع الهيئات والمؤسسات الخيرية والحكومية تدعو لمساندة ودعم مثل هذه الفئة وتقديم يد العون والمساعدة لهم.
وقال إن هذه الهيئات والمؤسسات تنطلق من أن تلك الفئة عاجزة عن القيام بالكثير من الأمور، أي أن نظرتها تكون فقط نحو أوجه القصور التي يعاني منها هؤلاء الأفراد.
وأكد أن بحثه يحاول أن ينظر إلى هؤلاء الأفراد من منظور إيجابي إذ يقترح أن يكون الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة هم أنفسهم الذين يقومون بالعمل الخيري تجاه أقرانهم المعاقين، وذلك في حدود ما تسمح لهم قدراتهم وخصائص كل منهم، على اعتبار أن إفساح المجال لهؤلاء الأشخاص للقيام بعمل خيري هو في حد ذاته أحد أنواع العمل الخيري الذي يمكن أن نقدمه لهم، وقال إن في ذلك أثرا عظيما في نفوسهم وفي إحساسهم بأنهم أشخاص فاعلون في مجتمعاتهم.
التقدم العلمي
وأشاد الباحث العراقي أحمد قاسم كسار الجنابي بدور الإمارات ودعمها للعراق والعراقيين، وحملاتهم الخيرية التي رفعت شعار: «أهلنا في العراق» و« معاً لمساندة شعب العراق» وإحداث مشروع التبرع الإلكتروني بالتعاون مع حكومة دبي الإلكترونية على صفحات الإنترنيت ووسائل الاتصال الأخرى.
وقال إن جهود الجمعيات الخيرية والإنسانية بعد فضل الله تعالى مسحت دمعة من دمعات الأيتام، وسترت عورة من عورات بيوت المسلمين، وبذرت خيراً في أرض العراق، مؤكدا أن هذا المؤتمر العلمي يعتبر ريادة ونماء للعمل الخيري وللعمل الإسلامي، وخطوة نحو مستقبل مشرق بإذن الله للأمة الإسلامية، بما وصلنا إليه الآن من خبرة تراكمية في العمل للإسلام وأهله.
وقال إننا بدأنا نقد تجاربنا الشخصية والارتقاء بأداء العمل من أجل التطوير والإفادة من التقدم العلمي لدعم قضايانا وأعمالنا.
وأكد أن مؤسسة الشيخ عيد القطرية لها تجربة ميدانية في العراق منذ أيام الحصار الاقتصادي وإلى الحرب وما بعدها وحتى يومنا هذا، مشيرا إلى أنه شارك في بعض برامجها الخيرية في العراق وكان له إطلاع ومتابعة لأعمالها الخيرية في هذا البلد.
وقال إن المؤسسة بسبب الظروف الأمنية والأوضاع المتردية المعروفة في العراق لم يتسنَ لها المتابعة الجدية والإشراف المباشر لسير عملها في العراق، فكانت تعتمد على السماع والتوثيق الإعلامي، ومع ذلك فقد كانت وما زالت حريصة كل الحرص على أن تتسم بالجودة والريادة.
وأضاف لقد حاولت في مشاركتي هذه أن أساعد المؤسسة وغيرها من المؤسسات للوصول إلى نتائج مرضية في العمل الخيري والإنساني، وتحقيق الأهداف المقبولة في الأداء، مشيرا إلى أهمية تطور العمل الخيري ومردوده الإيجابي على المسلمين، وركز على النظرة المستقبلية لمؤسسة الشيخ عيد الخيريةً من أجل الارتقاء والنمو.
وعن دور الجمعيات الخليجية في تفعيل العمل الخيري الإنساني والدعوي الإسلامي بدولة غانا قال عبد الله الحسن اسحق إن دولة غانا من الدول الإفريقية التي تعاني من تدهور المستوى الدراسي والثقافي، إضافة إلى كثافة نسبة الأمية وخاصة في أوساط المسلمين نتيجة لعدم توفر المدارس، حيث إن الكثير من التلاميذ بدءا من الروضة إلى نهاية الإعدادي يدرسون في معظم الأحوال في العراء أو في أبنية خشبية مغطى في الأعلى بأوراق الشجر بمثابة السقف.
وقال إن المدن نفسها بها الكثير من المدارس الإسلامية التي يدرس التلاميذ فيها في العراء أو في أبنية ضعيفة أو تحت الشجر، ونظرا للعجز المادي وعدم وجود الميزانية لها وانعدام الموارد المادية للمدرسة، كانت لها أثر سلبي في مستوى التعليم ونسبة المتعلمين في المجتمع الإسلامي بالدولة.
وأضاف عبدالله الحسن أنه بفضل التعاون مع الجمعيات الخيرية الخليجية فقد تم إنشاء العديد من المدارس الإسلامية كما تم تشييد المساجد في جميع أنحاء الدولة بل في القرى القريبة والنائية إضافة إلى آلاف الآبار بجميع أنواعها،وكفالة مئات دعاة إلى الهدى دعاة إلى دين الإسلام الذي ارتضاه الله للبشرية.
القرض الحسن
وأوضح الباحث تركي بن محمد اليحيى في بحثه عن تمويل إنشاء الأوقاف الاستثمارية عن طريق القرض الحسن أنه يهدف إلى إيجاد فكرة إبداعية قابلة للتطبيق من قِبَل الأفراد أو الهيئات الحكومية أو غير الحكومية من أجل أن تتمكَّن الجهات الخيرية من خلالها أن تحصل على التمويل اللازم لإنشاء الأوقاف الاستثمارية التي تستطيع أن تغطي إيراداتُها كل أو بعض الأنشطة الخيرية، وذلك من خلال أسلوب جديد يختلف عن أسلوب جمع التبرعات، ولا يتعارض معه.
وقال إن الفكرة تقوم على أسلوب تمويل إنشاء الأوقاف الاستثمارية من خلال «قرض حسن» يُقدَّم إلى الجهة الخيرية المستفيدة، بحيث تتمكَّن هذه الجهة الخيرية من إنشاء الوقف الاستثماري ثم تسديد قيمة القرض من رَيْع الوقف خلال مدة زمنية محددة.
وأضاف أن هذه الطريقة تم تجربتها في إحدى الجهات الخيرية، فاستطاعت تمويل مشروع استثماري لها كانت قد عجزت عن جمع التبرعات اللازمة له في فترة سابقة.
توصية بإطلاق قناة فضائية خليجية تعنى بالعمل الخيري
رفع المشاركون في مؤتمر العمل الخيري الخليجي الثالث من حضور ومن لجان عظيم الامتنان وصادقَ التقدير إلى مقام صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، وإلى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي وإلى سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي وزير المالية والصناعة راعي المؤتمر حفظهم الله تعالى، وكذلك دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري على استضافتهم للمؤتمر وعلى إسهاماتهم وتوفيرهم كافة التسهيلات لنجاح المؤتمر.
وأوصى المؤتمرون بإطلاق قناة فضائية خليجية تعنى بالعمل الخيري، والعمل على تفعيل دور المؤسسة الإعلامية وتوحيد الرسالة الإعلامية في هذا المجال على المستوى المحلي والخليجي عن طريق تنفيذ حملات إعلامية هادفة، وتكثيف الحملات التوعوية لأهمية هذا العمل تستهدف كافة شرائح المجتمع بما في ذلك المدارس والجامعات ورجال الأعمال والقطاع الخاص وتشجيع العمل التطوعي وتنمية الوازع الديني.
وأكد المؤتمرون على الحاجة الملحة إلى إتباع المنهج العلمي في مجال تطوير العمل الخيري، وتوحيد كافة جهود المختصين في هذا المجال من جمعيات ومؤسسات المجتمع المدني والوزارات و الدوائر المختصة بكل أجهزتها المعنية، لمساعدة المحتاجين في جميع أنحاء العالم والأخذ بأيديهم إلى بر الأمان والتخفيف عليهم مما وقع عليهم من محن وكوارث.
وأوضحوا أن ذلك لا يتأتى إلا بالتخطيط والتعاون الاستراتيجي وتفعيل التعاون والتنسيق وتنمية الموارد البشرية.
وأشار المؤتمرون إلى أهمية الاستمرار في تنظيم لقاءات دورية للجمعيات والهيئات والمؤسسات الخيرية على مستوى المحلي والإقليمي والعالمي لتقويم التقدم المنجز في تنفيذ سياسة عمل الخير ريادة ونماء، وبحث المشكلات والنجاحات المحققة والاستفادة من الممارسات المتميزة بهدف الوصول إلى حلول علمية في إطار تفعيل التعاون المشترك وتبادل اللقاءات بين المعنيين، مع الاستفادة من الجودة الشاملة والتخطيط الاستراتيجي لتفعيل دور المؤسسات والجمعيات الخيرية.
ودعا المؤتمرون إلى تطوير طرق وأساليب جديدة في العمل الخيري لتقوده نحو التغيير الناجح، ونحو التميز وتقديم أفضل الخدمات في العمل الخيري، وإنشاء منظومة معلوماتية خيريه على المستوى الإقليمي ( بنك معلومات خيري) يهدف إلى جمع وحفظ وتوثيق المعلومات الخيرية المتعلقة بالعمل الخيري والإغاثي بحيث يتم ربطها بمختلف أجهزة الجمعيات الخيرية الخليجية والعربية، والعمل على بناء قاعدة بيانات الاحتياجات على المستوى المحلي بهدف جمع الإحصاءات المتعلقة بالعمل الخيري.
وتحليل هذه الإحصاءات، والاستفادة منها في بنك المعلومات الخيري الخليجي، وتبادل الزيارات بين الجمعيات الخيرية للاستفادة من الخبرات المكتسبة والبرامج والخطط المتطورة، وإقامة دورات تدريبية بشكل متواصل بين الجمعيات والاستعانة بخبراء دوليين للمساعدة في وضع البرامج التدريبية.
ودعا المؤتمر إلى تفعيل التعاون الخليجي في مجال تنمية الموارد البشرية لرفع كفاءة وأداء الجمعيات الخيرية عن طريق إيجاد منهج موحد للتدريب وتأهيل الكوادر في العمل التطوعي والخيري والاستفادة من خبرات الهيئات الدولية في الأعمال الإغاثية والخيرية، من خطط تدريبهم لكوادرهم وذلك لتدريب الكوادر الوطنية في النشاطات المتعلقة بالتعاون التقني، وزيادة الدعم والمساعدات التقنية في مجال العمل الخيري لإثراء ورش العمل والحلقات التدريبية في هذا المجال.
دبي ـ السيد الطنطاوي

