ألقت الجلسة الثانية من المؤتمر الضوء على «التحديات العربية الأساسية والحاجة إلى العطاء الاستراتيجي» في المنطقة والدور الكبير الذي يلعبه العطاء الاستراتيجي في إيجاد حلول مستدامة لهذه المشاكل.

وحدد المتحدثون خلال هذه الجلسة عدداً من التحديات الرئيسية التي يمكن للعطاء الاستراتيجي أن يلعب دوراً مهماً في مواجهتها والتغلب عليها، حيث أشاروا إلى أزمة الهوية، والحاجة إلى المأسسة، ومسألة إخفاء الصدقة وعدم وجود قواعد بيانات لأعمال العطاء الاجتماعي، والانتقال بالعطاء من مرحلة العطاء بالمال إلى العطاء النوعي الذي يسهم في إحداث نقلة في المجتمع، بالإضافة إلى تحدي التعليم، وتوفير البيئة المناسبة للإبداع والابتكار والتفكير بحرية.

وأشار نبيل اليوسف المدير التنفيذي لمؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم بالوكالة، والذي ترأس الجلسة إلى أبرز المشكلات والتحديات التي تواجه المنطقة العربية والتي منها انخفاض مستوى التعليم، وارتفاع نسبة البطالة وارتفاع مستوى الفقر، مؤكداً أنه يصعب على الحكومات وحدها أن تواجه هذه التحديات، وهو ما يحتم على العطاء الاجتماعي أن يلعب دوراً في مواجهة هذه التحديات الكبيرة.

وفي بداية الجلسة قال الأمير تركي بن طلال بن عبدالعزيز الممثل الشخصي للأمير طلال بن عبدالعزيز ورئيس مجلس أمناء مؤسسة «منتور» إن هناك تحديات ثلاثة تواجه العالم العربي ويمكن للعمل الخيري الاستراتيجي أن يساهم في حل دائم لها، وهي تتحدد في أزمة الهوية، ولماذا لا نحلم؟، والحاجة للمأسسة.

وأوضح أنه بالنسبة للتحدي الأول وهو أزمة الهوية فإن العالم العربي يشهد الكثير من الخلافات والمشاكل ذات العلاقة بالعمل السياسي، مؤكداً أن العمل الخيري التطوعي يمكن أن يساهم في حل أزمة الهوية العربية وتقليص الاختلاف بين واقع بناء الدولة الوطنية وحلم الوحدة العربية.

وأشار إلى إمكانية تحقيق ذلك من خلال خلق فرص للتعليم، موضحاً أن الجامعة العربية المفتوحة التي تأسست في العام 2001 بموافقة وزراء التعليم العرب والتي يوجد لها مقرات في 7 دول عربية يدرس فيها أكثر من 22 ألف طالب وطالبة بما يسهم في تعزيز الشعور بالترابط القومي والهوية العربية،

بالإضافة إلى العمل على مكافحة الفقر من خلال بنوك الفقراء التي توجد حالياً في 3 دول عربية وتوفر قروضا متناهية الصغر، إلى جانب الوقاية من المخدرات حيث تأسست في دبي في العام 2006 مؤسسة «منتور العربية» التي توفر برامج ومشاريع وقاية للشباب من براثن المخدرات.

أما التحدي الثاني الذي تحدث عنه الأمير تركي بن عبدالعزيز فهو «لماذا لا نحلم؟» مؤكداً أنه لابد من وجود حلم لتحفيز الطاقة والإبداع لبناء المواطن الذي يمثل قلب المجتمع، والذي يتشكل بدوره من ثلاثة أضلاع هي القطاع الخاص والحكومة والمجتمع المدني، والتي تشترك في صياغة خطة وطنية للرفاه الاجتماعي الذي يمر عبر مراحل تقييم أداء لتنفيذ الخطة، مشدداً على دور مؤسسات المجتمع المدني في تحقيق أهداف هذه الخطة.

وبالنسبة للتحدي الثالث وهو الحاجة للمأسسة أو ممارسة العمل الخيري في إطار مؤسسي، فأوضح الأمير تركي أنه بغياب المؤسسات لا يمكن بناء شيء، فإعطاء مسكين سمكة ليقتات منها هي عمل خيري فردي، أما أن تعلمه كيف يصطاد فهذا ما يسمى عمل خيري مؤسساتي الطابع يتضمن التدريب والتمكين والعديد من الأمور الأخرى،

مشيراً إلى أن أهمية المأسسة تنحصر في ست نقاط هي تكوين شخصية قانونية اعتبارية تستطيع التعامل مع الحكومات، تحفيز القطاع الخاص على تحمل المسؤولية الاجتماعية، المساعدة على التشبيك مع المؤسسات، المعاونة على التركيز وعدم بعثرة الجهود والازدواجية في المبادرات، توفير قاعدة معلوماتية مشتركة، دمج الشباب وتفعيل طاقاتهم مما يعني انتماءهم الوطني.

وأكد أنه رغم أن هناك حاجة للمؤسسات إلا أنه توجد تجارب مؤسساتية ناجحة في العالم العربي منها على سبيل المثال جمعية الإصلاح في اليمن، وجمعية قطر الأهلية، ومؤسسة الإمارات، ومؤسسة عبداللطيف جميل جدة، ومؤسسة الحريري بلبنان، ومدينة الشارقة الإنسانية، وجمعية الأطفال المعوقين بالسعودية، وجمعية زكورة بالمغرب، واتحاد الجمعيات الأهلية بالأردن، مشيراً إلى أن هناك حاجة ماسة لتشجيع ظهور المزيد من هذه المؤسسات والجمعيات.

وبدوره قال الشيخ خالد بن زايد بن صقر آل نهيان رئيس مجلس إدارة مجموعة ابن زايد، إن أهم تحدي بالنسبة للعطاء هو مسألة إخفاء الصدقة حيث إنه في الأصل في العطاء في المجتمع المسلم العربي هو إخفاء العطاء، وهو ما يشكل صعوبة في جمع معلومات كافية في الوقت الذي لا توجد فيه مراجع ومصادر

بحيث إنه لو أردنا الارتقاء بالعطاء من المستوى المالي الحالي إلى مستوى آخر مستهدف فإنه يجب أن يكون هناك قاعدة بيانات يكمن الاعتماد عليها لإجراء المقارنة المطلوبة بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، مشدداً على أن هذه المشكلة يمكن أن تخفض سقف العطاء حيث إن القطاع الخاص بشكل محدد يعتمد على وجود نقاط مقارنة للتعرف على معدلات النمو يستطيع من خلالها اتخاذ القرارات.

وأشار الشيخ خالد بن زايد إلى أنه ضمن أعمال مؤسسته الخيرية برنامج للأيتام في السنغال والذي لا يعتمد فقط على توفير المال لحوالي 1850 يتيماً، بل يعمل على وضع مشرفين لمتابعة المراحل الدراسية لهم وكذلك وضع برامج للتربية والرحلات، إلى جانب وجود برنامج آخر يتم تنفيذه مع هؤلاء الأيتام بعد انتقالهم من الكفالة يعتمد على التواصل معهم بشأن كفالة أيتام آخرين.

وقال الشيخ خالد إن من التحديات الأخرى تحجيم أنواع العطاء التي تمثل نقلة نوعية للمجتمع مثل القروض الميسرة للمحتاجين إلى جانب برامج أخرى مهمة مثل برنامج الأسر المنتجة في الأردن، والذي واجهته مشكلة تسويق منتجات هذه الأسر فتم إنشاء مؤسسة للتسويق.

واعتبر أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر تسببت في تراجع العمل الخيري بشكل كبير لعدم ارتياح المتبرعين في ظل غياب النظم الحكومية الكفيلة بإيصال أموال التبرعات للمستفيدين منها. وأوضح أن من التحديات المهمة الانتقال بالعطاء من العطاء المالي إلى العطاء النوعي الذي يسهم في تحقيق نقلة نوعية في المجتمع،

مشيراً إلى أن مؤسسة إنجاز وهي إحدى المؤسسات التي يرأسها نجحت في ان تصل بالطلبة الذين يستمرون في برامجها إلى مستوى رائد الأعمال الناجح، حيث يتمتع طالب إنجاز بخمسة أضعاف فرص النجاح مقارنة مع الطالب العادي، مؤكداً على أهمية تعميم هذا النوع من البرامج التي تسهم في تحول المجتمع نحو الأفضل.

موضحاً أن الجانب الإعلامي لدى هذا النوع من المؤسسات مازال ضعيفاً كاشفاً عن أنه سيتم خلال فعاليات دافوس العرب المقبل في الأردن توقيع اتفاقية مشروع مع الملكة رانيا لإيصال برنامج إنجاز إلى مليون طالب عربي.

ومن جانبه أعرب إبراهيم دبدوب الرئيس التنفيذي لبنك الكويت الوطني، عن اعتقاده بأن التحدي الأساسي في العالم العربي من بين تحديات كثيرة هو التعليم، مشيراً إلى أن 30% من سكان العالم العربي تحت خط الفقر، كما أن الاقتصاديات العربية مرتبطة بمصادر واحدة من دون تنوع، كما أن الاستثمارات العربية تفضل الهجرة للخارج بالرغم من وجود حاجة لها في العالم العربي، في ظل قطاع عام بيروقراطي ومهلهل.

وقال إن العالم العربي لا يستفيد من التعليم الموجود فيه في عمليات التنمية المستدامة حيث إن التركيز على التعليم الأدبي دون التركيز على العلوم التكنولوجية الحديثة، مشيراً إلى أن بنك الكويت الوطني استضاف مؤسس سنغافورة الذي يصل فيها الناتج المحلي للفرد أعلى معدل على مستوى العالم، والذي أوضح أن التركيز على التعليم هو السبب الرئيسي لوصول سنغافورة إلى ما هي عليه حالياً، مؤكداً أن الدول العربية لم تتمكن من اللحاق بقطار العولمة بالأسلوب الأمثل.

وأضاف أن بنك الكويت الوطني ركز بشكل كبير من خلال العطاء الاستراتيجي على التعليم، وقام بإنشاء مركز للتميز والذي يمكن لأي شخص كويتي من خلاله إكمال دراسته العليا بعد الحصول على موافقة من أحسن 30 جامعة في العالم بهدف خلق مجموعة متميزة من العلماء العرب التي تستطيع أن تحدث صدى كبيرا في العالم في المجالات التي تعمل فيها، مشيراً أن الخطة الثانية هي إنشاء مركز أبحاث لتمويل أبحاث علمية فنية التي تعد قليلة للغاية في عالمنا العربي.

وقال نمير كردار الرئيس التنفيذي لشركة «انفست كورب» إن مسألة البيئة والظروف الاجتماعية هي المشكلة الجوهرية التي تواجه هذا الجزء من العالم، معتبراً أن مشكلة عدم وجود البيئة التي تسمح بنمو الأفكار والخطط الذكية بالتطور هي من المعوقات الأساسية،

موضحاً أن هناك الكثير من النصوص والحقائق التي لا يسمح فيها بالشك أو الاعتراض، كما أن لدى العالم العربي قيادات عمل يطالبوننا بالتجاوب والانصياع للأوامر، وهي من المشاكل التي تبدأ من الأسرة وتستمر في المدرسة والجامعة والعمل.

وأضاف أن هذا الأمر هو سبب أساسي في عدم احتضان الموهبة التي تنشأ من مرحلة الطفولة، فالقدرة على الجدل والتساؤل هي السبيل للإبداع والابتكار، مشدداً على الحاجة إلى التوجه إلى مجالات مهمة من خلال العمل الخيري بعد استيعاب أبعاد هذه المشكلة وهي الاهتمام بأصحاب بالمبدعين والمفكرين والأطفال الموهوبين الذين لديهم قدرات يمكن تطويرها ليصبحوا مفكرين ومبتكرين،

مؤكداً أن كل ما نريده في العالم العربي هو إعطاء الحرية للفرد ليبدع ويبتكر ويتحمس. وأشار إلى أن شركة «انفست كورب» تعمل في هذه المنطقة منذ 25 عاماً استطاعت خلالها أن ترتقي بالمعرفة إلى مستويات جيدة وهي الآن تسعى لجلب المعرفة والخبرة للمنطقة في إطار من التعاون في المجالات الصناعية والخدماتية والمعرفية.

دبي ـ «البيان»