أكد سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي وزير المالية والصناعة أن العمل الخيري باب رحمة يفتح للبؤساء والفقراء والأيتام والضعفاء، وهو أرض خصبة تزرع عليها مساجد التقوى ومدارس العلم.
وقال سموه في كلمته خلال افتتاح مؤتمر العمل الخيري الخليجي الثالث صباح أمس وألقاها بالنيابة عن سموه، سمو الشيخ محمد بن خليفة آل مكتوم رئيس دائرة الأراضي والأملاك بدبي إن إمارة دبي أسهمت في العديد من مشاريع العمل الخيري لمساعدة الفقراء والمتضررين وإسعاف منكوبي الزلازل والفيضانات وإغاثة اللاجئين والنازحين بسبب الحروب، وأنشأت المساجد والمعاهد والمكتبات ومؤسسات التدريب المهني، مشيراً سموه إلى أهمية مثل هذه المشاريع والبرامج للمحتاجين في أنحاء العالم. وقال إن من أهم المؤسسات الخيرية والإنسانية التي أنشأتها دبي مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للأعمال الخيرية والإنسانية وهيئة آل مكتوم الخيرية وجمعية بيت الخير ودبي الخيرية وجمعية دار البر، مؤكداً ان الجميع في دبي يشعرون بما يحتاج إليه إخوانهم في كل مكان فيتم مواساتهم بفضل الله سبحانه وتعالى علينا.
وأشار الدكتور حمد الشيباني مدير عام دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري رئيس اللجنة العليا للمؤتمر إلى ان الله سبحانه وتعالى دعا أمة الإسلام إلى فعل الخير واستن لها طريقاً تدعو فيه إلى هذا العمل الطيب، وقال إنه وتلبية لهذا النداء الرباني انطلقت قوافل الخير من أصحاب السمو حكام البلاد وشعبها فكانوا أقرب للعمل الإنساني بتوفيق الله عز وجل.
وأضاف انه لا يخفى على أحد ما تشهده إمارة دبي من قفزات حضارية في جميع المجالات وقد وضعت التميز والريادة نصب عينيها، كما أخذ العمل الخيري حيزاً كبيراً في مساحة التعاون المحلي والإقليمي والعالمي، مؤكداً أن الأمثلة واضحة جلية لا تخفى على الراصدين لحجم العمل الإنساني والخيري على مستوى العالم.
وأوضح أن تفعيل دور العمل الخيري وتطوير أساليبه سوف يلقى الدعم، وقال إننا نشد من أزر كل عمل يبتغى به وجه الله سبحانه، فالبشر عيال الله لا فرق بين لون أو عرق أو ديانة. وقال إنه ليس أمامنا إلا الانفتاح على عمل الخير في كل مناحي الحياة وشتى بقاع الأرض، لأن هذه الرسالة هي رسالة الدين الإسلامي.
وأكد محمد عبدالله الحاج الزرعوني مدير فرع الهلال الأحمر بدبي أن الإرث الحضاري لدولة الإمارات في المجال الخيري والإنساني والإغاثي والذي وضع لبنته الأولى المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه جعل منها الاختيار المناسب لانعقاد هذا المؤتمر.
وقال إن هناك تحديات كبيرة تواجهها الجمعيات والهيئات الخيرية في منطقة الخليج، ومسؤوليات كثيرة ملقاة على عاتقها نتيجة عوامل التغيير السريعة التي يشهدها العالم فضلاً عن تردي الأوضاع الإنسانية بشكل مريع في عدد من الساحات الملتهبة في المنطقة العربية والأقاليم الأخرى في العالم، مؤكداً أن هذه المعطيات تؤثر بشكل مباشر على بنية الجمعيات الوطنية وآلياتها ومجالات عملها.
وقال إنه لذلك يتوجب علينا تعزيز مجالات الشراكة بين الجمعيات الخليجية وتنسيق المواقف وتطوير البرامج لضمان استمرارية عملها وتعزيز وجودها في مختلف الميادين والساحات التي تئن تحت وطأة المعاناة،
مشيراً إلى ان تحقيق هذا التعاون يتوجب على مسؤولي الجمعيات استغلال قدراتها بصورة أكبر والاستفادة من المزايا المتوفرة لديها بأقصى درجة والعمل سوياً، مع ترقية آليات التنسيق داخل الميدان الخيري وابتكار وسائل أفضل للعمل والحركة تتوافق مع البيئة المتغيرة والواقع الجديد في العمل الخيري.
وأكد الزرعوني أن انعقاد هذا المؤتمر يأتي في وقت يحتاج فيه العمل الخيري على التضامن والتآخي وتنسيق المواقف والبرامج المشتركة ودعم القدرات، وقال إن شعوب المنطقة من حولنا تئن تحت وطأة النزاعات والكوارث وتواجه العديد من صنوف المعاناة، وفي ظل هذا الوضع يبرز دور جمعياتنا الخليجية باعتبارها من الجمعيات المانحة وواحدة من الكيانات الفاعلة والمؤثرة.
وأضاف ان على عاتق الجمعيات الخليجية يقع العبء الأكبر في قيادة العمل الخيري وترقية مجالاته في الأقاليم المجاورة، عن طريق المزيد من الشراكة البينية والتعاون والتنسيق مع الجمعيات الوطنية الأخرى التي تتطلع للمساندة ودعم قدراتها وتعزيز جهودها.
وتحدث الدكتور وليد الطبطبائي عضو مجلس الأمة الكويتي عن بداية تأسيس المؤتمر وقال إنه كان بمبادرة من مبرة الأعمال الخيرية بدولة الكويت بهدف حماية العمل الخيري مما يثار عليه ظلماً من دعوات، في ظل الحملة العالمية لمحاربة الإرهاب،
وأضاف ان الفكرة انتقلت إلى دولة قطر فاستضافت المؤتمر الثاني برعاية جمعية عيد آل ثاني، والآن ينتقل إلى دولة الإمارات برعاية دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي. وأكد أن هذا المؤتمر جاء لتنمية العمل الخيري الخليجي وتوثيق العلاقات الأخوية بين أبناء الخليج
وإبراز الوجه الحضاري والإنساني للجمعيات الخيرية، وإظهار مساهمتها المتميزة في التنمية التربوية والاجتماعية، وقال إنه سيتم تأسيس أمانة عامة دائمة للعمل الخيري الخليجي. وبعد الافتتاح قام سمو الشيخ محمد بن خليفة آل مكتوم بتكريم أحد رواد العمل الخيري في الدولة وهو المغفور له عيد بن مدية الذي أنشأ جمعية العروة الوثقى الخيرية (دبي الخيرية حالياً)، وتسلم شهادة التقدير والتكريم نجله خالد عيد بن مدية.
وقد عقد المؤتمر أمس ثلاث جلسات عن القواعد الأصولية ذات الصلة بالعمل الخيري وكانت الجلسة الأولى برئاسة الدكتور عبدالله الصالح العثيمين والثانية برئاسة الدكتور أحمد عبدالعزيز الحداد، وأما الجلسة الثالثة فكانت برئاسة الدكتور محمد سلطان العلماء.
وتحدث الدكتور عادل بن عبدالقادر بن محمد ولي قوته عن توظيف القواعد الفقهية في ترشيد العمل الخيري، فأشار إلى أن البحث يعتمد على علم القواعد الفقهية وعلى توظيف واستثمار هذا العلم بتنزيل الأحكام الكليَّة للقواعد في ترشيد العمل الخيري.
وقال إنني حاولت من خلال هذا البحث انتقاء جملة مختارة من القواعد الفقهية، التي يلائم موضوعُها موضوع «العمل الخيري»، وفي دائرة شعار مؤتمره «ريادةٌ ونماءٌ» وجعل مجالاتها وتطبيقاتها في «العمل الخيري» وترشيد ممارساته، وحول همومه وشؤونه وأعبائه،
وجاء في ثلاثة مقاصد: الأول: القواعد العامة للعمل الخيري، والثاني: قواعد الولاية في العمل الخيري والثالث: قواعد صناعة العمل الخيري، وقد خرج هذا البحث بعدة نتائج مثمرة، أهمها سعة ورقي علم القواعد الفقهية،
وأنه قادر ـ من خلال حسن استثماره وصحة توظيفه ـ على استيعاب أبعاد جديدة، في مجالات تطبيقاته وتنزيل أحكامه الكليَّة، وحاجة «العمل الخيري الإسلامي» والقائمين عليه، إلى هذا العلم الشريف، في التوجيه والترشيد.
وعن قواعد الوسائل وأثرها في تنمية العمل الخيري تحدث الدكتور قطب الريسوني أستاذ الفقه المساعد بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي، فقال إن مؤسسات العمل الخيريّ وسيلةٌ معاصرةٌ مُثلى لإدارة المال
وصرفه في الوجوه والمناشط التي تعود على المجتمع بالخير إذ أتيح لهذه المؤسسات من دواعي التنظيم ومؤهلات التسيير ما يضمن إنجاحَ الأغراض، واستيفاءَ المقصود، في إطار الضوابط الشرعية، وموازين الاجتهاد المعاصر الصادر عن أهله وخاصته.
وقال إن العمل الخيريَّ وإن استوفى حظاً من مقاصده الإصلاحية فإنه يواجه بتحدّيات شرسة ومُعضلات شتى، منها ما هو وافد من الغرب بحكم المستجدات الدولية التي تمخّضت عنها أحداث 11 من سبتمبر، ومنها ما هو نابع من عمق التجربة التي يَعْتَوِرُها أحياناً من الاضطراب ما يُعْقِبُ عائداً هزيلاً.
وتحدث د.عبدالجليل ضمره عن أثر القواعد الأصولية في تأصيل العمل الخيري فقال إن الأوامر الشرعية الواردة في موضوع العمل الخيري أوامر مطلقة في مجالاتها تأكدت بتضافر الدلائل الشرعية على تحقيق معناها على سبيل الإطلاق، لاسيما وقد ورد الاقتضاء الشرعي بفعل الخيرات بصيغ الأوامر الابتدائية التصريحية،
كما في قوله تعالى: «وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ». بما أفاد بأن مقصود الشارع في المأمورات من أعمال الخير يستلزم أن تكون عامة في مقتضياتها شاملة في وجوه إجراءاتها لتستغرق وجوه الخير جميعها بما يدفع الحرج بلوغاً إلى الكمالات،
ويترتب على هذا المعنى الأصولي أن التركيز على وجه من وجوه الخير أو الانغماس في سبيل من سبل البر مع ظهور الإعواز في وجوه أُخر مما تقتضي الرعاية والعناية يعد تقصيراً في القيام بالأمر المطلق وقصوراً في اقتضاء المأمورات الجارية في عمومها المعنوي مجرى القاعدة الكلية التي لا تحتمل تقييداً في ماهيتها ولا تخصيصاً في أعيان متعلقاتها.
وقال إن وجود النوائب والنكبات يشكِّل مناطاً واقعياً لواجب كفائي يقتضي شرعاً القيام على المنكوبين بما يدفع عنهم الحرج ويتعلق هذا الواجب بفئات من المتأهلين الأكْفَاء ابتداءً وأصالةً ليقوموا بأداء ما تتحصّل به الكفاية من العناية والرعاية لذوي الفاقات سواء كان القائمون بهذا الواجب زُرافات أو وحداناً،
وهذا لا يتم كَمَلاً بغير مؤسسات متخصصة بضروب متنوعة من أعمال الخير ـ لاسيما في أحوال الكوارث ـ لتسد الحاجات وتدفع الضرورات وترسم البرامج في ظل خططٍ دقيقة لبلوغ الكمالات، وهذا من باب ما لا يتم الواجب إلا به في الاقتضاء والتحصيل.
ويلاحظ في تقرير هذا الأصل أن جمهور الأمة ممن قد يغالبه الأشغال وتضيق به اليد عن فضل المال مطالبون بالمساعدة في أداء الواجب الكفائي كل بحسب ما يطيق ولو بحثِّ القادرين بأي وجه
مما يُستطاع إلى مثله بلوغاً إلى تكوين بيئة اجتماعية خصبة حاثَّةٍ على الأعمال التطوعية أو بالكف عن التثبيط بالتهويل حيناً أو التهوين أحياناً، وعليه «فالقادر إذاً مطلوب بإقامة الفرض، وغير القادر مطلوب بتقديم ذلك القادر؛ إذ لا يتوصل إلى قيام القادر إلا بالإقامة من باب ما لا يتم الواجب إلا به».
دبي ـ السيد الطنطاوي

