لم أدر ما أضحك أحد سكان منطقة الغافية في الشارقة، عندما أخبرته أنني أريد المجيء إلى هناك، إلا حينما وصلت إلى أطرافها، ورأيت تجمع المياه التي وصلت في بعض الأماكن إلى أكثر من متر، فأوقفت سيارتي جانباً وبدأت المشي مستغلاً بعض الأماكن التي جفت فيها المياه، قافزاً من حفرة إلى أخرى، حتى أسقط في يدي، ووقفت لا أستطيع التقدم أو الرجوع، فالمياه تحيط بي من كل الجهات، ساعتها لم أجد بداً سوى الاتصال بأحد سكان المنطقة وطلب المساعدة منه لإيصالي إلى داخل الفريج، ومقابلة سكانه، ف(أهل مكة أدرى بشعابها).

(البيان) زارت منطقتي أم خنور والغافية، وهما من أكثر المناطق تضرراً من الأمطار، لأن البيوت فيهما قديمة وأسقفها من (الاسبتوس)، ولا يوجد فيهما ما يصرف المياه المتجمعة في شوارعمها الداخلية ولا حتى الخارجية، ووقفت على معاناة السكان الذين طالبوا بإعادة تأهيل المنطقة بالكامل، وبتعويضات عن الأضرار التي لحقت بأثاثهم، وبسرعة التدخل من الجهات المختصة لكي لا تتحول أمطار الخير إلى غير ذلك.... فاطمة أحمد غريب (أرملة) تقول: في أول أيام هطول الأمطار حاولنا البقاء داخل البيت رغم تسرب المياه من السقف وخروجها من تحتنا كون منطقتنا منخفضة وسقف المنزل متهالك وفي كل لحظة أخشى أن تنزل قطعة منه على رأسي أو على رأس ابنتي لذلك غطينا السطح ب(الطربال) وهو غطاء بلاستيكي سميك لكي يمنع التسريب لكن كمية المياه كانت كبيرة، وكذلك وضعنا الآنية داخل الغرف لجمع المياه المتسربة من السطح.

وهو ما لم يأت بفائدة لأن كمية المطر كانت فوق طاقة تدابيرنا المتواضعة عندها حولنا المطبخ إلى مكان للجلوس والأكل والنوم، فسقفه جديد بالنسبة لأسقف باقي المنزل إلا أن الأمر لم يدم طويلاً فبدأ هو الآخر بتسريب المياه علينا مما اضطرنا إلى هجر البيت لمدة يومين والذهاب إلى أحد الأقرباء والمكوث عنده ريثما تتوقف الأمطار، لكنني رجعت إلى البيت لأفاجأ بالأثاث وقد غمرته المياه وخرب، فالمياه تسربت إليه من السطح ومن تحت الأرض وتساءلت غريب: من الذي سيعوضنا عن الأثاث الذي خرب جراء تسرب مياه الأمطار إليه؟... وتضيف غريب: لقد عانينا عند خروجنا من البيت وعند رجوعنا إليه فالمكان في الخارج غمرته الأمطار ولم نستطع إيقاف سيارة تاكسي فعندما يسمع بالمكان وهو الغافية يعتذر ويقول لا يمكنني الذهاب إلى هناك حتى وقفت لنا إحدى سيارات الدفع الرباعي الخاصة وأوصلتنا إلى البيت الذي لم يبق فيه سوى رغيفين ونصف كيلو من البطاطا ومن الصباح أتصل بالسوبر ماركت ويعتذر عن المجيء لأن المكان محاط بالمياه ولا أدري كيف سأتدبر أموري لكن الله كريم.

وأعربت غريب عن استيائها من تجاهل البلدية لمنطقتها ـ حسب قولها ـ وقالت: نحن آخر الناس تأتينا البلدية، لذلك أتيت بصهريج سحب المياه على حسابي الخاص وأنا امرأة أرملة وكلفني ذلك 150 درهماً لأنني على يقين بأن المياه ستبقى أمام بيتي حتى تبخرها الشمس.

وحسب قول غريب فإن هذه المعاناة متكررة كل عام وأرجعت الأسباب إلى عدة أشياء أولها أن المنطقة لا يوجد فيها صرف صحي وأن البيوت منخفضة والأهم أنها مبنية منذ 35 سنة وهي متهالكة وتضيف: كلما راجعنا المسؤولين عن ترميمها وعدونا خيراً ولم يحركوا ساكناً فلا فائدة إلا بهدم هذه البيوت المتهالكة وبنائها مرة أخرى.

وعما إذا كانت هناك جهات زارت منطقتها وعرضت عليها أو على غيرها المساعدة قالت غريب: لم نر أحداً ممن ذكرت فكما شاهدت بنفسك فلا يمكن الوصول إلى داخل الفريج إلا بسيارات الدفع الرباعي أو مشياً على الأقدام.

أما زهراء علي فتقول: منذ أول يوم لهطول الأمطار لم نخرج من البيت فالبيوت تحيط بها المياه من كل مكان والمياه دخلت إلى علبة الكهرباء، لذلك قطعنا الكهرباء خوفاً من أن يحصل ما لا تحمد عقباه فجلسنا من غير كهرباء 4 أيام وابنتي مريضة وفي الأيام الأولى عندما نفد الخبز أخرجنا الطحين الموجود لدينا وأكلناه لكنه هو الآخر نفد وفي البيت لا يوجد شيء نأكله حتى أتانا أحد المحسنين من المنطقة نفسها وجاء لنا بالطعام.

ونحن نساء ولا نملك سيارة، فالمكان لا ينفع معه غير سيارات ال(فور ويل) لتجمع المياه بكميات كبيرة، وأما الأثاث فرائحته لا تطاق لأنه تبلل بالمياه وأولادي مصابون بحساسية لذلك السعال لم يفارقهم منذ 3 أيام وأريد أخذهم إلى المستشفى لكنني لا استطيع الخروج من البيت وسيارات التاكسي لا تأتي إلى هنا فالمكان معروف بتجمع كميات كبيرة من المياه فيه.

أما ناصر سالم عوض فيقول: هذه مأساتنا كل عام وهي تزداد سوءاً لأن البلدية عندما تأتي إلى هنا لا يشفطون المياه المتجمعة بل يردمون التجمعات المائية وبين البيوت بالتراب مما يجعل بيوتنا منخفضة عن الشوارع الفرعية لذلك تدخل المياه من الخارج إلى داخل البيوت، وتحسباً لهذا الأمر وضعنا الأكياس الرملية أمام البيوت مما خفف الأضرار علينا هذا العام.

ويضيف ناصر: نحن آخر الناس تأتينا البلدية وتكون المياه قد بخرتها الشمس لذلك نطالب الجهات المسؤولة بسرعة الاستجابة أثناء هكذا مواقف وأزمات لأن منطقتنا لا تحتمل الأمطار الكثيرة فالبيوت قديمة وأسقفها تسرب المياه فهذه البيوت مبنية منذ ثلاثة عقود وأغلبها لم يرمم منذ زمن طويل، وأطالب كذلك بتعويضنا عن الأضرار التي لحقت بنا فأثاثنا خرب وبيوتنا تضررت، فأغلب من يسكن في هذه المنطقة هم من ذوي الدخل المحدود والقليل، وليس بمقدورهم دفع تكاليف الترميم في ظل الغلاء الموجود.

ولدى سؤالنا إياه كيف يدخل ويخرج من البيت الذي تحيط به المياه من كل جانب قال ناصر: ألبس حذاء بلاستيكياً طويلاً، وأغوص في المياه حتى أصل إلى الشارع الرئيسي الذي ينتظرني فيه أحد الأصدقاء ويأخذني إلى عملي وأما أغراض البيت فأمشي مسافة كيلو متر بين التجمعات المائية حاملاً الأغراض لكي أوصلها إلى البيت.

أما يوسف إبراهيم النقبي فيرى حاله أفضل من الآخرين كون بيته على أطراف الغافية وهو مرتفع ويملك سيارة دفع رباعي لذلك كانت أضراره أقل ويطالب النقبي بإعادة تأهيل المنطقة بشكل كامل وإنشاء بنية تحتية متكاملة، ويقول: أنا والحمد لله بألف نعمة فداخل الغافية نساء وأطفال عالقون لا يستطيعون الخروج منذ أول يوم لتساقط الأمطار وليس هناك من يأتيهم بالطعام والأشياء الأساسية فضلاً عن المخاطر التي قد يتعرضون إليها في حال سقوط شيء من السقف عليهم.

ويقول النقبي: معاناة هذه المنطقة قبل نزول المطر، لكنها تزداد سوءاً أثناء هطوله وبعده، فأكياس القمامة متجمعة بكميات كبيرة وسيارات جمعها لا تستطيع المجيء إلى هنا خوفاً من تعطلها في المياه، وهذه التجمعات المائية عندما تجف ستصبح مكاناً لتجمع الحشرات والروائح الكريهة والأولاد يلعبون داخل هذه المياه وهو ما ينشر الأمراض والأوبئة لذلك نحتاج إلى تدخل سريع من الجهات المسؤولة لتجنب هذه الأشياء.

أما علي عبد الله الطواش فيقول: أسقف منازلنا غير مسلحة وهي لا تحتمل المطر وبنظرة من مكان مرتفع ترى المنطقة كلها وقد اكتست باللون الأزرق وهو لون (الطربال) غير أنه لم يكن الحل الجذري للمشكلة بل خفف منها، ومعاناتنا داخل البيوت وخارجها، فحتى سيارات الدفع الرباعي هناك أماكن لا تستطيع الوصول إليها فقد غمرت المياه منتصف سيارتي التي توقفت داخل المياه لذلك نمشي على أقدامنا، فسيارات التاكسي والسوبر ماركت لا يأتون إلينا وليس لدينا شوارع بديلة نسلكها للوصول إلى بيوتنا. وتكاتف شباب الفريج وبدأوا بنضح المياه من داخل المنازل إلى خارجها ووضعوا متاريس رملية أمام البيوت.

لجنة طوارئ الأمطار ببلدية الشارقة تواصل عملها

صرح مصدر مسؤول في بلدية الشارقة أن لجنة طوارئ الأمطار تواصل عملها وقد تم نشر أكثر من 200 مضخة ديزل بالمناطق المنخفضة التي تتجمع فيها المياه بالإضافة إلى نشر أكثر من 250 صهريج سحب مياه وذلك بالتعاون مع شركات الصهاريج الخاصة حيث بلغ عدد نقلات المياه حوالي (3000) نقلة من مياه الأمطار، وفي نهاية كل يوم تعقد لجنة طوارئ الأمطار اجتماعها لمناقشة عملها في اليوم التالي.

وذكر أن مكتب الطوارئ يعمل على مدار الساعة لاستقبال جميع شكاوى المواطنين حول شفط المياه، وانسداد الطرق ولمواجهة أي آثار تنجم عن هطول الأمطار الغزيرة.

الشارقة ـ زاهر العلي